أفريقيا

الحراك الشعبي في مالي… الدوافع والمآلات

لقد مثّل حراك “الخامس من يونيو” نقطة تحول نوعية في المشهد السياسي في مالي وتحديًا جسيمًا أمام الرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كيتا، وتشهد على إثره البلاد حالة من الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية الممتدة قرابة الشهرين، وذلك على خلفية القرارات الصادرة عن المحكمة الدستورية بإبطال نتائج الاقتراع الذي شهدته مالي في مارس وأبريل من العام الجاري والتي تعتبر بمثابة الشرارة الأولى والرئيسية للأزمة الراهنة، وعلى الرغم من تعاطي النظام بإيجابية مع مطالب الحراك، خاصة فيما يتعلق بإقالة هيئة المحكمة الدستورية ووقف العمل بالقرار الصادر عنها، غير أن منحنى الحراك تجاوز تلك النقطة ويسعى إلى إسقاط النظام برمته.

وعلى الرغم من أن هناك أسباب مباشرة وواضحة لتفاقم حدة الصراع والاحتجاجات، إلا أن هناك مجموعة عوامل دفعت إلى تسارع وتيرتها من بينها العامل السياسي والاقتصادي والتراجع الأمني، الأمر الذي شكّل جملة من الدوافع وراء ذلك الحراك، كما أن له العديد من التبعات والتداعيات المختلفة على المسار السياسي والأمني وكذا الإصلاح الاقتصادي.

سياق ضاغط وإقليم مضطرب

إن السياق السياسي الداخلي في مالي والوضع الأمني المتدهور وكذلك الاقتصادي مثٌل ضغطًا كبيرًا على الرأي العام الداخلي، غير أن هناك عوامل مباشرة برزت مؤخرًا أدت إلى تصاعد حدة الاحتجاجات وتسارع وتيرتها، ولعل أول هذه الأسباب يتجلى في الانتخابات التشريعية التي جرت في مارس وأبريل الماضي، خاصة بعد ما أبطلت المحكمة الدستورية نتائج عدد 30 دائرة انتخابية واتهام المعارضة لها بالتواطؤ مع النظام الحاكم. 

غير أن هناك عوامل أخرى مُحركة للاحتجاجات كما هو الحال بالنسبة لاختطاف زعيم المعارضة “سومايلا سيسي” في السادس والعشرين من مارس الماضي في دائرة “نيافونك” بشمال مالي عقب تعرض موكبه لهجوم مسلح، بالتزامن مع الانتخابات التشريعية وفشل السلطة في تحريره، الأمر الذي مثٌل نقطة وهن في النظام الحالي وأضعف قدرته على فرض السيطرة الأمنية والحفاظ على أمن وسلامة المواطنين.

واتصالًا بالسابق، وفي ظل تمدد تنظيم القاعدة داخل الشمالي المالي، وتعقد المشهد الأمني خاصة في إقليم أزواد وفشل الرئيس كيتا في تحقيق السلام داخل ذلك الإقليم وإخفاقه في إخماد العنف الذي تذكيه الجماعات المتشددة والمليشيات العرقية، تفشى السخط داخل الأواسط والدوائر الشعبية، وفقد الرئيس جزءًا مهمًا من شرعية بقائه في السلطة، كون أن ملف المصالحة مع الجماعات المسلحة في الشمال قد باء بالفشل.

وبالنظر إلى مطالب ذلك الحراك نجد أنه لم يكن الهدف الأساسي في الاحتجاجات الشعبية في مالي يتبلور حول إسقاط النظام، بل كانت الاحتجاجات تتركز بشكل أساسي على حل البرلمان وإقالة قضاة المحكمة الدستورية وتشكيل حكومة جديدة، غير أن المطالب تصاعد سقفها حتى المطالبة برحيل الرئيس أبو بكر كيتا.

تحالف “الخامس من يونيو”.. حركة (M5)واقتناص الفرص

لم يكن التقارب بين المعارضة المالية وليد الانتخابات التشريعية بل جاء في مستهل العام الحالي حيث بدأت الحركات السياسية والأحزاب المناوئة للرئيس كيتا في الاجتماع منذ السادس والعشرين من يناير 2020 وتحولها فيما بعض لجبهة موحدة لإسقاط النظام في الثامن والعشرين من مايو من ذات العام والذى نتج عنه تحالف “حراك الخامس من يونيو”، وهو تحالف معارض بشكل رئيسي للرئيس كيتا، ويضم شخصيات دينية وسياسية ومؤسسات مجتمع مدني، ويقود الحراك الاحتجاجي “محمود ديكو” الرئيس السابق للمجلس الإسلامي الأعلى وأحد القيادات الدينية المؤثرة داخل مالي، وكان أحد المقربين للرئيس كيتا والذي أوكل إليه ملف السلام والتصالح مع الجماعات المسلحة في الشمال، إلا أنه انتهج مؤخرًا نهج التضاد مع سياسات النظام الحاكم.

وقد تصدر ذلك التحالف المشهد السياسي سعيًا لتحقيق المزيد من المكاسب، سواء على صعيد التأييد الشعبي أو في الحصول على مكاسب خاصة في المستقبل المنظور مستغلة حالة الغضب التي سادت في الشارع المالي، حيث طالبت قيادات التحالف بضرورة الاستمرار في العصيان المدني بهدف إجبار الرئيس كيتا إلى تقديم استقالته، والتنحي بما يفتح المجال واسعًا أمام المعارضة الإسلامية من الصعود إلى سدة الحكم، وقد انتهج المتظاهرون سياسات عنف وصدام مع القوات الأمنية واِشعال النيران في الطرقات وغيرها من أعمال الشغب، وكذا اقتحام مبني التلفزيون الرسمي ومهاجمة مقر رئيس المحكمة الدستورية ومحاولة اقتحام البرلمان المالي.

الموقف الدولي والوساطة الإقليمية

لقد اتسم الموقف الدولي على الصعيد الدولي والمؤسسات الدولية والإقليمية بالرفض لما يحدث في مالي، وقد تجلى عدم التأييد الدولي للمطالب المختلفة التي تنادي بها قوى المعارضة فيما صدر من تصريحات متعددة من جانب المجتمع الدولي كما هو الحال بالنسبة للمبعوث الأمريكي الخاص إلى منطقة الساحل “بيتر فام” الذي أوضح أن “أي تغيير حكومي خارج أطر الدستور غير وارد”، وهو ما يبرز عدم رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في تغيير النظام الحالي في مالي؛ نظراً لإداركهم لخطورة تلك الخطوة، وما قد تسببه من فراغ سياسي وأمني داخل الدولة، وهو الأمر الذي يتماشى مع التوجه العام لبعثة الأمم المتحدة في مالي، وكذلك الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إكواس” والاتحاد الأوربي الذين انتقدوا أعمال العنف التي انتهجها الحراك.

وإدراكًا لخطورة ذلك الحراك والتصدع المتفاقم بين النظام السياسي والمعارضة السياسية، قامت بعثة من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا تحت رئاسة “غودلاك جوناثن” رئيس نيجيريا الأسبق بتقديم الوساطة بين النظام والمعارضة، خاصة في ظل تساقط عدد من الضحايا والمصابين والمُقدر وفقًا لتصريح “بوبو سيسيه” رئيس الوزراء المالي لــ 11 قتيلًا و158 مصابًا، وقد قامت البعثة بعقد عدد من الجلسات المختلقة مع أطراف الأزمة، ليس فقط في ضوء إيجاد حل حول قرار المحكمة الدستورية بإلغاء نتيجة (30) مقعدًا من الانتخابات التشريعية الأخيرة، إلا أن الأمر لن يكون قاصرًا عند هذا الحد، بل سيقع على عاتقها إيجاد حل سياسي للأزمة السياسية برمتها.

تداعيات وخيمة

سيكون للاحتجاجات التي تشهدها الساحة السياسية في مالي تداعيات وخيمة على استقرار وأمن الدولة التي تعاني من هشاشة في النظام الأمني بها، خاصة مع تصاعد وتيرة الإرهاب والأعمال الإرهابية المختلفة من جانب الجماعات المتشددة منذ عام 2012، وهو ما يُنذر بزعزعة الاستقرار الداخلي، الأمر الذي يترتب عليه فتح المجال واسعًا أمام الجماعات المسلحة لإعادة التموضع والانتشار داخليًا بما يعزز من وجودها داخل الدولة، خاصة في ظل وجودها في إقليم غير مستقر يعاني من انتشار العنف المسلح كما الحال بالنسبة للنيجر وبوركينافاسو وتشاد، وهو الأمر الذي سيؤول إلى تفشي العنف العرقي وتصاعد هجمات الجماعات المسلحة.

الأمر الثاني ذو الصلة بما سبق ونتيجة حتمية له، هو تقويض لدور قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (المُقدر عددها 13 ألف جندي) وحملاتها العسكرية المختلفة تجاه الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، خاصة وأن مالي تضم العديد من الجماعات (جماعة التوحيد والجهاد – كتيبة الملثمين المرابطين -جماعة أنصار الدين “الطوارق” -جماعة أنصار الشريعة – الطوارق)، وهو الأمر الذي يُعتبر في حد ذاته نافذة لعبور العناصر المتطرفة عبر الحدود إلى ليبيا بما يُمثل عبئًا كبيرًا على الأمن والسلم الإقليميين، خاصة وأن ليبيا تشهد حالة من الزج بالمزيد من العناصر الإرهابية.

علاوة على ذلك فإن الاحتجاجات ساهمت في تردي الأوضاع الاقتصادية ومزيد من الضغوطات والركود الاقتصادي داخل الدولة، علاوة على ارتفاع نسب الإصابات بفيروس كورونا الذي وصل عدد الإصابة به إلى 2565 حالة مطلع أغسطس الجاري.

مآلات المستقبل

من خلال السابق يمكن القول بأن الحراك الشعبي في مالي ربما يتخذ أحد المسارين التاليين:

  1. الاستمرارية والإطاحة بالنظام الحاكم: يأتي ذلك المسار في ظل ما يتمتع به الحراك من زخم شعبي واسع، إلى جانب تعددية الجهات المعارضة للنظام وتقاربها وتآلفها حول مطالب محددة وعلى رأسها إسقاط النظام، علاوة على رمزية بعض قادة ذلك الحراك كما هو الحال بالنسبة للشيخ محمود ديكو الذي يُعدُّ القوة الرئيسية للحراك، وما أفضى إليه من تشكيل تحالف –حراك الخامس من يونيو- الذي بات متحكمًا في المشهد الراهن وفي تحريك الرأي العام، تُشكل عاملًا حيويًا في استمرارية التظاهرات وتحقيق قدر من النجاح وهو ما يتقارب أو يحاكي النموذج السوداني خلال الاحتجاجات التي شهدتها تلك الدولة نهاية عام 2019 حيث كانت قوى الحرية والتغيير هي المتحكم الرئيسي في مسار الحراك، واستطاعت تغيير مفردات الواقع وإسقاط نظام البشير، وهو ما يمكن إسقاطه على الوضع في مالي، خاصة وأن ظروف البلدين متشابهة من حيث تدهور الحالة الاقتصادية وتراجع المؤشر الأمني وتفاقم الأوضاع السياسية والتصدعات المناطقية والقبلية.

فضلاً على أن تكرار المظاهرات في مالي خلال الشهرين الماضيين (يونيو – يوليو) ورفع سقف المطالب الذي لم يعد قاصرًا على حل المحكمة الدستورية بل المطالبة بإسقاط النظام وحالة التصعيد من جانب المعارضة رغم سعي الرئيس كيتا لفتح نوافذ متعددة لتهدئة الأوضاع من بينها عرض تشكيل حكومة وطنية جديدة، تُنذر بأن الحراك سوف يؤتي ثماره، ويكون لديه القدرة على تغيير النظام الحاكم، غير أن ترجيح ذلك السيناريو يتوقف على تموضع المؤسسة العسكرية في خضم ذلك المشهد خاصة وأنه موقف لا يزال يتسم بالضبابية.

  1. تهدئة الأوضاع ونجاح الاحتواء: ولعل هذا السيناريو يأتي في ظل تحرك إقليمي ووساطة إفريقية لتهدئة الأوضاع بين النظام الحاكم وبين المعارضة السياسية وقادة الحراك، فضلًا عن غياب مظاهر الدعم الدولي للحراك وعلى رأسها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا الحليف الأساسي للرئيس كيتا بخلاف الحالة السودانية التي لاقى الحراك وقتها دعمًا إقليميًا ودوليًا، خاصة في ظل المخاوف في مرحلة ما بعد كيتا في ظل إقليم مضطرب أمنيًا، إضافة إلى ذلك فإن التعددية التي يمتاز بها تحالف “الخامس من يونيو” يُمثل عقبة أمام حالة التوافق الراهن بين تلك المكونات، بل بالعكس من المرجح أن يشهد حالة من التفكك وتضارب الأهداف بين مكونات ذلك الحراك، وقد ساهم اللقاء الذي جمع الرئيس كيتا والإمام محمود ديكو في الخامس من يوليو الماضي إلى خفض حدة التصعيد والسعي لوضع خارطة عمل تتضمن البقاء على الرئيس في منصبه مع حكومة وحدة وطنية ومن ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، بما يساهم في الحفاظ على استقرار الدولة، وبالتالي فإن قدرة الحراك على الاستمرارية واستكمال مطالبه خاصة “إسقاط” النظام غير مرجح.

ختاماً؛ لا شك أن الرئيس المالي يمر بظرف دقيقة للغاية واختبار صعب منذ تسلمه للولاية الثانية عام 2018، في ظل التحديات المتعددة التي تواجهها الدولة وكذا تفاقم حدة الاحتجاجات في الآونة الأخيرة، غير أن السياق الوطني والإقليمي يدفع للقول بأن ثمة التفافًا إقليميًا ودوليًا حول النظام الراهن في محاولة لتماسكه وعدم تفتت الدولة أو سقوطها، وهو ما يشير إلى تهدئة الأوضاع منذ النصف الثاني من يوليو الجاري، ويُعظم من فرص الحوار ورسم خارطة طريق تحول دون السقوط للهاوية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى