سياسة

مجلس الشيوخ ضرورة من أجل قوانين أكثر استمرارية

على الرغم من اقتراب نهاية المدة الدستورية لمجلس النواب المصري الحالي، إلا أن هناك عددًا كبيرًا من التشريعات والقوانين التي لم يتم إنجازها إلى الآن. ويعد التأخر في إصدار بعض القوانين وإدخال الكثير من التعديلات على البعض الآخر خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز العامين في بعض الأحيان هو أحد دوافع إنشاء مجلس الشيوخ الذي يختص بدراسة واقتراح ما يدعم السلام الاجتماعي والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، ويعمق النظام الديمقراطي ويوسع مجالاته وفقًا للمادة السابعة من القانون (141) لسنة 2020. 

وقد أثبتت الغرفة النيابية الثانية نجاحًا عمليًا في العديد من الدول التي أخذت بهذا النظام، وبلغت 72 دولة حول العالم. ولما دعت الحاجة إلى وجود غرفة نيابية ثانية في مصر تختص بدراسة القوانين والتشريعات بشكل أعمق، وتتناولها بالحوار مع أعضاء الحكومة والمجتمع المدني والمنظمات النقابية والعمالية، من أجل إصدار قوانين ذات صياغة محكمة تحقق المصلحة العامة دون الحاجة إلى تعديلها على المدى القريب، تم الاستفتاء على عودة “مجلس الشيوخ”، لتبدأ مصر في استيفاء حق دستوري جديد يبعث برسالة للداخل والخارج مفادها مدى الاستقرار السياسي الذي تمر به الدولة المصرية في الوقت الراهن.

تعديل القوانين المستمر يؤكد الحاجة لوجود مجلس الشيوخ

على الرغم من إصدار عدد من القوانين في الفترة بين عامي 2016 و2017، إلا أن مجلس النواب اضطر إلى إدخال عدد من التعديلات على هذه القوانين بعد فترة لم تتجاوز العامين، في إشارة إلى أن هذه القوانين كانت تحتاج إلى مزيد من الوقت لدراستها وصياغتها بما يتماشى مع المصلحة العامة. وتتعدد الأمثلة على هذه القوانين، يمكن تحديد بعضها فيما يلي:

  1. قانون الاستثمار: تم تعديل بعض أحكام قانون الاستثمار الصادر بالقانون (72) لسنة 2017 من خلال القانون (141) لسنة 2019، حيث تم تعديل المادتين (12) و(48)، وإضافة بند جديد إلى المادة (74)، ومادة جديدة برقم (91 مكرر). وقد هدفت هذه التعديلات إلى معالجة المشكلات والتحديات التي ظهرت على أرض الواقع بعد صدور القانون في المرة الأولى.
  2. قانون المنظمات النقابية: تم تعديل بعض أحكام القانون رقم (2013) لسنة 2017 الخاص بالمنظمات النقابية العمالية بالقانون رقم (142) لسنة 2019، حيث تم تعديل المادتين (11) و(12) بتخفيض عدد اللجان النقابية اللازمة لتكوين النقابة العامة وتخفيض النصاب المحدد لتكوين اللجنة النقابية. إضافة إلى ذلك، تم إلغاء أربع مواد هي (69، 70، 72، 75) وإلغاء عقوبة الحبس وتغليظ عقوبة الغرامة.
  3. قانون حقوق ذوي الإعاقة: في مارس 2020، تم تعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الصادر بالقانون رقم (10) لسنة 2018،  حيث تضمنت التعديلات التيسير على الأشخاص ذوي الإعاقة فيما يتعلق بإجراء الكشف الطبي سواء في المستشفيات العامة أو الخاصة وتحديد مدى قدرتهم على القيادة في حالة رغبتهم في القيادة.
  4. قانون إنهاء المنازعات الضريبية: تم تعديل بعض أحكام القانون رقم (79) لسنة 2016، بالقانونين (14) و(174) لسنة 2018، حيث تم تقرير حافز للممول الذي يبادر إلى الاتفاق على إنهاء المنازعة الضريبية قبل صدور قرار لجنة الطعن بإعفائه من 30% من مقابل التأخير.
  5. قانون الضريبة على القيمة المضافة: طرحت وزارة المالية بعض التعديلات المقترحة على قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم (67) لسنة 2016 على موقعها الإلكتروني من أجل عرضه للحوار المجتمعي، حيث تضمنت التعديلات المقترحة عددًا من لاإعفاءات الجديدة لبعض السلع والخدمات من ضريبة القيمة المضافة، وقد تم طرح هذه التعديلات المقترحة في يونيو 2020.

من خلال الأمثلة السابقة، يتضح أن المدى الزمني لصدور عدد من القوانين وإجراء تعديلات عليها أو اقتراح إجراء تعديلات عليها لم يتجاوز العامين في كثير من الحالات، ما يعني أن هذه القوانين كانت بحاجة لمزيد من الوقت لدراستها بشكل أعمق، والحوار الفعال حولها لتخرج بصورة أكثر ثباتًا وملاءمةً للتغيرات المجتمعية التي يمر بها المجتمع المصري في الوقت الراهن. وتدفعنا هذه المعطيات إلى نتيجة منطقية مفادها وجوب وجود غرفة نيابية ثانية مهمتها تقديم الرأي والمشورة من جانب أصحاب الكفاءات والخبرات في هذا المجال فيما يتعلق بمشروعات القوانين والتشريعات.

غياب الغرفة الثانية أدى إلى تأخير قوانين طال انتظارها

لم تكن التعديلات المستمرة على عدد من القوانين هي المبرر الوحيد لإعادة دور مجلس الشيوخ للحياة من جديد، ولكن مجلس النواب الحالي مازال غير قادر على إصدار عدد من القوانين المهمة التي طال انتظارها. ويعد قانون الإدارة المحلية الذي لم يصدر حتى وقتنا الحالي أحد أهم التشريعات المنتظرة، مازال قيد المناقشة. 

إضافةً إلى قانون الإدارة المحلية، فقد طال انتظار التعديلات على قانون التعليم ليتماشى مع النظام التعليمي الجديد والتحول تدريجيًا من الاعتماد على الدراسة الورقية إلى الدراسة الإلكترونية أو التعليم المدمج واستخدام الأجهزة الإلكترونية في الدراسة. وبالرغم من البدء في تطبيق النظام التعليمي الجديد منذ عامين، إلا أن القانون الخاص بامتحان الثانوية العامة مازال ينص على أن امتحان الثانوية العامة لابد أن يكون امتحانًا قوميًا موحدًا يعقد في الصف الثالث الثانوي فقط، وهو ما يتعارض مع النظام التعليمي الجديد (1.1) الذي يستهدف أن تكون عملية التقييم ممتدة من الصف الأول الثانوي وحتى الصف الثالث الثانوي.

علاوةً على ما سبق، لم ينجز مجلس النواب قانون تقسيم دوائر مجلس النواب والتي سيتم على أساسها إجراء الانتخابات القادمة. كما أنه مازال يناقش تعديل بعض القوانين المتعلقة بالإجراءات الجنائية للحفاظ على سرية البيانات في قضايا التحرش، وتعديلات قانون تنظيم الجامعات، وقانون الجمارك، وقانون الإجراءات الضريبية الموحدة لمكافحة التهرب الضريبي، وقانون تنظيم إدارة المخلفات الذي يستهدف حصول المواطنين على بيئة صحية سليمة.

إبداء الرأي بناءً على الكفاءة والخبرة يساوي قوانين أفضل

تضمن قانون مجلس الشيوخ عددًا من الشروط الواجب توافرها لدى المترشحين والتي تضمن تمتع المترشح بالخبرة في مجال محدد أو أكثر، حيث يُشترط ألا يقل السن عن 35 عامًا وأن يكون المترشح حاصلًا على مؤهل جامعي أو ما يعادله على الأقل، وهو ما يختلف عن شروط الترشح لعضوية مجلس النواب. وبوجود هذين الشرطين، يمكن القول إن أعضاء مجلس الشيوخ سيمتلكون طبيعة خاصة تساعدهم على إبداء الرأي ومناقشة مشروعات القوانين والتشريعات اعتمادًا على الخبرات العملية والعلمية التي يمتلكونها.

علاوةً على التركيز على عاملي الكفاءة والخبرة لدى أعضاء مجلس الشيوخ، فإن وجود غرفة نيابية تختص بالتشريعات والقوانين فقط سيكون له دور كبير في إثراء الحياة السياسية في مصر، مع تقليل الضغط على مجلس النواب في هذه النقطة، وضمان صياغة القوانين بشكل أكثر دقة يسمح بتحقيق المصلحة العامة المنشودة من وراء إصدار القانون، وعدم الحاجة إلى إجراء تعديلات عليها في المدى القريب كما حدث في الفترة ما بين عامي 2016 و2019.

إجمالًا، يمكن القول إن إعادة إحياء دور مجلس الشيوخ في مصر هي ضرورة ملحة في الوقت الراهن لعدة أسباب أهمها: ضمان إصدار قوانين وتشريعات أكثر استمرارية لا تخضع للتعديلات خلال فترات زمنية قصيرة، والتعجيل بإصدار قوانين طال انتظارها مثل قانون الإدارة المحلية وتعديلات قانون التعليم بما يتماشى مع أهداف النظام التعليمي الجديد. كما أن وجود غرفة نيابية ثانية يساعد بشكل كبير في توسيع قاعدة التمثيل السياسي لعدد أكبر من فئات المجتمع من ذوي الكفاءة والخبرة والقادرين على إبداء الرأي الرشيد فيما يتعلق بعملية التشريع، وهو ما يقلل من الضغط الواقع على كاهل مجلس النواب وحده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى