سياسة

“مجلس الشيوخ” وضبط التشريعات الاقتصادية قبل إقرارها من مجلس النواب

تضطلع المجالس النيابية بأدوار عديدة أهمها التشريع والرقابة، فأما التشريع فيعني اقتراح وإقرار القوانين التي تُنظم المجال العام داخل إقليم الدولة بداية من قانون المرور وصولًا لتنظيم القوات المُسلحة وأدق التفاصيل الاقتصادية.

وتأتي وظيفة الرقابة بعدها حيث تقوم المجالس النيابية بمُتابعة أداء الحكومات في تطبيق ما اقرته من قوانين، أهمها على الإطلاق قانون ربط الموازنة العامة للدولة، التي تُنظم للدولة كيفية تدبير الإيرادات العامة وأماكن إنفاقها، ولذلك فإنه لا يُمكن لنظام سياسي أن يعمل بطريقة عادية دونما إطار برلماني قوي يُؤمن له الاستقرار من خلال المُتابعة المُستمرة لحاجات المُجتمع، وتلبيتها عن طريق إقرار قوانين جديدة وتعديل القائم منها، ومن ناحية أخرى ضبط إيقاع الحكومة والتأكد من اتباعها الخريطة التي رسمها نواب الشعب، دونما حياد عنه.

وفي هذا الإطار يُعاني النظام النيابي المصري من مُعضلتين أساسيتين أولهما أن انتخاب النواب يأتي على أساس القدرة على تقديم الخدمات العامة للمواطنين، وقضاء مصالحهم من المصالح الحكومية المُختلفة، وثانيهما قلة عدد المقاعد المُتاحة للحصول على الصفة النيابية، مما أدى إلى اتساع الدوائر الانتخابية من ناحية وارتفاع مُعدل السُكان الذين يُمثلهم النائب الواحد إذ تبلغ في الوقت الحالي نسبة التمثيل نائب واحد لكل 161 ألف مواطن، الأمر الذي أسفر عن تزاحم عدد كبير من المُرشحين على المقعد الواحد، وهو ما أدى بدره إلى ارتفاع تكلفة الدعاية الانتخابية وعزوف عناصر التكنوقراط القادرين على المُساهمة بخبراتهم في أداء المهام الأساسية للمجلس النيابي والتي تتطلب خبرة عميقة، سواء للتشريع أو الرقابة.

وتتضح هذه المُعضلة بشكل أكبر في المجال الاقتصادي والذي تنصب أعمال المجلس في الأساس على مُمارسته، فكل قانون مهما كان لا بد له من جانب اقتصادي، وكذلك كل إجراء حكومي لابد له من جانب اقتصادي، وفي ظل المُنافسة السابق الإشارة إليها، فإن الخبراء الاقتصاديين الجديين يندُر وجودهم داخل أروقة مجلس النواب، وهو ما يخلق فراغًا وقصورًا في ممارسة المجلس النيابي لوظيفته.

ويتضح ذلك جليًا في مُناقشات المجلس للموازنة العامة للدولة والتي تتطلب قدرًا كبيرًا من المعرفة سواء المُحاسبية والقانونية والاقتصادية في ذات الوقت، حيث يعجز النواب الحاليين عن مواجهة الحكومة أو تعديل سياساتها الاجتماعية والاقتصادية، في ظل عدم إلمامهم بالقواعد الفنية الأساسية لصياغة الموازنة العامة للدولة فضلًا عن الخبرة الفنية والتقنية اللازمة لتدبير وتوزيع عوائدها الاقتصادية.

لذلك كان لابد من اجتذاب العناصر القادرة على مُمارسة هذا الدور من واقع خبرة فعلية كبيرة، وهو ما يوفره قانون مجلس الشيوخ، من حيث أولًا انخفاض الضغط والمُنافسة على المقعد الواحد في نظام الانتخاب، وكذلك من حيث أن ثُلث عدد الأعضاء يجري تعينهم من جانب رئيس الجمهورية، وهو ما يضمن بالتأكيد تعيين العناصر القادرة على أداء وظيفة التشريع بشكل أقرب لما تحتاجه الدولة في الوقت الحالي.

كذلك لا يقتصر الوضع على مُناقشة الموازنة العامة للدولة، بل أن عدد من القوانين التي تُنظم الحياة الاقتصادية في مُجملها ويتوقف عليها عدد كبير من فُرص العمل جرى تعطيلها أو لم تُنجز في الوقت المطلوب بسبب عدم وجود الخبرة الكافية، ومن أمثلتها قانون الاستثمار، قانون الإيجار الجديد، وغيرها…

بل إن بعض أهم القوانين جرى إقرارها في عكس صالح الاقتصاد المصري بسبب غياب الرؤية الاقتصادية الحقيقة، مثل بند الزيادة الدورية في قانون الخدمة المدنية التي انتوى المجلس رفعها بداية إلى 10% من 5% سنويًا، لكن الضغوط الحكومية أدت إلى رفعها فقط إلى 7%، وهو ما كلف خزينة الدولة سنويًا مبلغ ملياري كانت في أشد الاحتياج في ظل برنامج الإصلاح الاقتصادي.

لذلك فإن وجود مجلس قادر على مُمارسة الوظيفة التشريعية الاقتصادية أصبح في الوقت الحالي ضرورة حتمية خاصة في ظل المُطالبات العديدة من صندوق النقد الدولي بإعادة صياغة الاقتصاد المصري وتشكيله من جديد بما يسمح بتمكين القطاع الخاص، بما يسمح باستمرار النمو يخلق فرص عمل تستوعب الأعداد الضخمة المُتدفقة لسوق العمل سنويًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى