مقالات رأي

انتخابات “مجلس الشيوخ”.. تمكين “الشباب” يواجه “شيخوخة النخبة”

يتوجه المصريون يومي 11 – 12 أغسطس الجاري (غدا الثلاثاء وبعد غد) لانتخاب ممثليهم في مجلس الشيوخ، الغرفة الثانية في البرلمان، والتي عادت بعد غياب سبع سنوات منذ أن أسقطت ثورة 30 يونيو 2013 مجلس الشورى عبر بيان 3 يوليو 2013.

ولعل الحديث عن يونيو 2013 هو خير مدخل لفهم فلسفة عودة مجلس الشيوخ، وخفض سن الترشح إلى 35 عاما، والحاصل أن مصر عقب إعلان عودة الأحزاب والحياة الحزبية وتعدد المنابر الديموقراطية عام 1977، بعد حل وحظر تأسيس الأحزاب لمدة ربع قرن منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952، ثم شهدت أواخر السبعينات تأسيس النخبة البرلمانية والحزبية والسياسية، أرادت أن تثري العمل السياسي في مصر.

ولكن الحاصل أن “نخبة 1977” ظلت تهيمن على العمل السياسي المصري حتى قيام ثورة 30 يونيو 2013، رغم مرور مصر بحراك شعبي أكثر من مرة وقيام أحزاب جديدة وعقد الانتخابات البرلمانية بشكل دوري، ولكن ظلت الأسماء ذاتها داخل الأحزاب المصرية هي المسيطرة، بنفس الحسابات السياسية والتحالفات الانتخابية.

وكانت النتيجة هو حالة من الإفلاس العام لدى ما كان يفترض أن يكون نخبة سياسية تمثل بنكا للكوادر البشرية، قادرا على تقديم وجوه جديدة للعمل الوزاري والحزبي والبرلماني، كما الحال مع النخب في الدول ذات التعددية الحزبية والانتخابات البرلمانية الديمقراطية، حتى جاء حراك يناير 2011 وسقطت محاذير اختيار الوزراء حصريا من الحزب الوطني الديمقراطي، وحاولت الدولة المصرية ما بين يناير 2011 والانتخابات الرئاسية منتصف 2012 أن تجد كوادر حزبية أو مستقلة قادرة على العمل الوزاري ولكن المتاح كان ضعيفا للغاية.

وحتى مع انتخاب مجلس الشعب ومجلس الشورى أواخر عام 2011، مع حظر ترشح العناصر المنتسبة للحزب الوطني الديمقراطي، فأن النخبة المصرية عجزت عن فرز برلمان جديد أو قوي أو مؤثر بغرفتيه.

والمفارقة أن النخبة المصرية التي يفترض أنها تمثل القيم العلمانية سواء الليبرالية أو التقدمية، وإنها تدافع عن قيم الدولة المدنية، ارتمت منذ اللحظة الأولى لتجربة “أحزاب 1977” في أحضان الإسلام السياسي، فأصبح تنظيم الاخوان المسلمين هو المتحكم الأول في توازنات وحسابات الأحزاب في مشهد غير ديمقراطي ولا قانوني، حيث أصبحت أحزابا قانونية وشرعية مجرد واجهة لتنظيم إرهابي غير شرعي ومحظور بالقانون وعناصره تمارس الإرهاب داخل وخارج مصر!

وما بين انتخابات 1977 و2012، سواء الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية أو المحليات وانتخابات النقابات المهنية، ارتضت النخبة المصرية والأحزاب المدنية أن تكون مجرد ظهير مدني لتنظيم الاخوان، الذي سيطر على اختيارات المعارضة المدنية ومزاجها الانتخابي، مقابل شبكة من المصالح المشتركة بين تنظيم الاخوان والأحزاب المدنية.

هذه الشبكة من المصالح المشتركة والمكاسب المادية أدت إلى جمود داخل الأحزاب والحركات المدنية، فأصبح من النادر أن يكون للشباب دور حقيقي باستثناء “كوته” للشباب أشبه بالديكور الدعائي، وظلت الأسماء ذاتها هي التي تدير الأحزاب والائتلافات والحركات والحراك والنقابات.

وحتى عقب حراك 2011 واسقاط الشروط الصعبة لتأسيس الأحزاب، فأن شباب العمل السياسي او ما أطلق عليه إعلامياً “شباب يناير 2011” لم يقدم تجربة حزبية شبابية واحدة مستقلة عن إملاءات كهول النخبة المصرية، فأصبحت أحزاب يناير 2011 يرأسها رجالات فوق السبعين من العمر رغم العنوان العريض لحراك يناير 2011 باعتباره صوت الشباب وثورتهم! وهكذا فأن أحزاب يناير 2011 لحقت بأحزاب يناير 1977 وبقي الوضع على ما هو عليه، نخبة منتهية الصلاحيات بتحالفات سياسية وحسابات حزبية ثار عليها المصريون أكثر من مرة اخرها 30 يونيو 2013 ومع ذلك يصر اركان تلك النخبة المهترئة على إملاء الدولة المصرية والشعب المصري نصوص تحالفاتهم المقدسة مع الجماعة الإرهابية وقداسة طبقة الساسة المسنين التي تدير أحزاب يناير 2011.

بدأت الدولة المصرية عقب ثورة 30 يونيو 2013 تدرك أن جمود النخبة المصرية وافلاسها كان من اهم أسباب شل خيارات الشعب المصري طيلة العقود الماضية، وان شيخوخة النخبة كانت صناعة اخوانية حتى يصبح “الحل الإخواني” هو الاختيار الوحيد المتاح، رغم ان تنظيم الاخوان بدوره كان معتلاً بشيخوخة رفاق سيد قطب الذين سيطروا على مكتب الارشاد، ولكن انهزامية وتبعية شيخوخة التيار المدني أمام شيخوخة التنظيم الإرهابي أدت لانهيار التجربة الديموقراطية المصرية ووصول الحياة الحزبية والبرلمانية المصرية الى حائط سد.

كما ان الشيخوخة ذاتها كانت قد أصابت النخبة الحاكمة داخل دوائر الحزب الوطني الديموقراطي، سواء رئيس الحزب أو المكتب السياسي والأمانة العامة ونواب الرئيس والأمين العام للحزب وحتى الأمناء المساعدين والمسئولين عن الأمانات داخل الحزب وفى المحافظات.

وقد انسحب ذلك ايضاً إلى مجلس الوزراء ما بين عامي 1981 و2011، حيث أصبح المجلس تجمعاً لأسماء ظلت على مقاعدها ما بين ربع قرن وعشر سنوات، وحتى محاولات تحديث الحزب الوطني الديموقراطي في سنواته العشر الأخيرة قد ضربت في مقتل على ضوء تلوثها بتزاوج المال بالسلطة وشبكات مصالح اقتصادية راحت تستوطن الحزب الوطني بحثاً عن غطاء سياسي يحمي تلك الشبكات من المساءلة القانونية والشعبية.

ومع انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي منتصف عام 2014، بدأت الدولة المصرية في التحرك عبر محورين، الأول تحديث النخبة الحاكمة وخفض متوسط سن تلك النخبة، وذلك عبر اختيارات شابة أو من أجيال الوسط في مجلس الوزراء ومستشاري ومساعدي رئيس الجمهورية، وحتى انتخابات مجلس النواب عام 2015، مع عدم تكرار تجمع السلطة وحصرها في “الحزب الحاكم” وصناعة نظام “الحزب الواحد” بديكور ديموقراطي كما جرى في سنوات أحزاب 1977، حيث تخلت الدولة عن فكرة “حزب الحكومة” تاركة الساحة الحزبية للشباب وأجيال الوسط من أجل صناعة نخبة جديدة.

والمحور الثاني هو تمكين الشباب، دونما الوقوع في أخطاء تجربة تمكين الشباب المتعجلة ما بين يناير 2011 ويونيو 2013، حيث انخرط الشباب في العمل السياسي دون تأهيل أو تدريب وتسابقوا على الصفوف الأولى، متناسيين حقيقة ان العمل التطوعي او الفردي أثناء حراك شعبي، او حتى المشاركة الثورية لا تكفل وحدها صناعة سياسي جيد او تراكم خبرة قادر على ارشاد الشباب للعمل السياسي اللائق.

وجاءت خطوات الدولة المصرية التدريجية لتمكين وتدريب الشباب، عبر المؤتمر العام للشباب في أكتوبر 2016، ثم المؤتمر الوطني الدوري للشباب، ومنتدى شباب العالم وملتقى الشباب العربي والافريقي، ثم البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب وأكاديمية تدريب وتأهيل الشباب للعمل السياسي عن النمط الفرنسي الذي أخرج عشرات الحزبيين والبرلمانيين وصولاً إلى ان الرئيس الفرنسي الحالي ايمانويل ماكرون قد تخرج من الاكاديمية الفرنسية للشباب، ثم تأسيس “تنسيقة شباب الأحزاب والسياسيين” إلى جانب دور الشباب المهم في “مؤتمر الاسرة المصرية”.

وجرى تطور مهم في المؤتمر الوطني الخامس للشباب مايو 2018، وقد استمر في المؤتمر الوطني السادس يونيو 2018 والسابع يوليو 2019، متمثلاً في وجود جلسة حوارية لشباب الأحزاب والوسط السياسي من أجل طرح الأفكار والمقترحات.

وأدت تلك المناقشات على مدار ثلاثة مؤتمرات للشباب اضافة إلى جلسات استماع بمجلس النواب والنقاش المجتمعي الموازي إلى المطالبة بضرورة وجود غرفة برلمانية ثانية مع وجود تسهيلات للشباب من أجل خوض العمل العام البرلماني وبدء استحداث نخبة جديدة بدلاً من النخبة التي شاخت ولا تزال تبحث عن عضو مكتب ارشاد الجماعة الإرهابية من اجل صياغة التحالفات الانتخابية في زمن ثار فيه المصريون على الجماعة الإرهابية ورفضوا دعواتها للتصالح او التحرك ضد الدولة المصرية على مدار سبع سنوات.

هكذا يأتي إعادة مجلس الشيوخ في إطار فكرة افساح المجال لطبقات وأعمار وفئات جديدة للعمل السياسي العام، على ضوء سلسلة من الاستحقاقات الانتخابية تبدأ بمجلس الشيوخ مروراً بمجلس النواب ثم عقد الانتخابات المحلية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد من الزمان.

وقدمت الدولة عبر قوانين الاستحقاقات الانتخابية الثلاث تسهيلات جمة للشباب، من أجل مضاعفة عدد الشباب دون الأربعين في البرلمان المصري المقبل رغم حقيقة أن برلمان 2015 قد حمل أعلى نسبة من الشباب في تاريخ الحياة البرلمانية المصرية الممتد منذ تأسيس المجلس العالي عام 1824 في زمن محمد على باشا.

عقد اجتماعي جديد وفجر نخبة سياسية جديدة متحررة من حسابات النخبة القديمة التي أصبحت ديكورا مدنيا في جعبة الجماعات الإرهابية.

وللمفارقة فأن لجان الجماعة الإرهابية بثوا بعض الديباجات عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تثبت ان مطالب المعارضة المدنية كانت مجرد قناع لتنظيم الاخوان، اذ ان المطالبين بتمكين الشباب يتساءلون عن سبب خفض سن أعضاء مجلس الشيوخ الى 35 عاماً !، والمطالبون بالديموقراطية يدعون لمقاطعة الانتخابات وحقك في التصويت!، اما دعاة الدولة المدنية يتساءلون عن مهام مجلس الشيوخ رغم ان هؤلاء قد شاركوا في المناقشات الخاصة بالتعديل الدستوري عام 2019 وهى التعديلات التي ضمت قرار انشاء مجلس الشيوخ ومهامه وكافة قوانينه التي يتساءلون عنها اليوم!

ختاماً هذه التجربة السياسية الجديدة بحاجة الى المساعدة وليس المقاطعة، إذا ما كان البعض مخلصاً حقاً لفكرة وجود حياة نيابية وبرلمانية وحزبية وديموقراطية في مصر، فأن التجربة الجديدة في انتخابات النواب والشيوخ والمحليات بحاجة الى المشاركة ووضعها تحت المراقبة الشعبية وليس الانصياع لنصوص موحدة تنشرها لجان الكترونية اخوانية لا تريد ان ترى نخبة مصرية جديدة تخلصت من فكرة الانصياع للمرشد الاخواني للمرة الأولى منذ نصف قرن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى