سياسة

‏مجلس الشيوخ.. بيت خبرة تشريعية يستكمل تجربة ديمقراطية جديدة .

يُحسب للرئيس عبد الفتاح السيسي انحيازه الكامل لبناء مؤسسات تشريعية قوية تضمن استكمال مصر لتجربتها الديمقراطية التي بدأت عقب نجاح ثورة 30 يونيو، وبناء على طلبات متعددة لعودة الغرفة البرلمانية الثانية، يتوجه المصريون مرة أخرى لصناديق الاقتراع في انتخابات مجلس الشيوخ ليصبح للدولة المصرية الحديثة مؤسسة تشريعية ثانية تستكمل البناء الديمقراطي لمؤسسات الدولة المصرية.

وتقدم مصر تجربة ديمقراطية جديدة ومختلفة في العمل السياسي بعدما أنهى الشعب المصري بثورته حكم تنظيم الإخوان، وخطة تمكين الجماعة وتخلص من تيارات الإسلام السياسي التي كانت تستخدم أدوات الديمقراطية للسيطرة على المجال السياسي تمهيدًا للقفز على كرسي الحكم، ومن ثم البقاء إلى الأبد مستخدمين قوة الدين لدى المواطنين ودعم القوى الإقليمية المؤيدة للتنظيم الإرهابي باعتباره أحد دعائم عودة الخلافة العثمانية للهيمنة والسيطرة على الشرق الأوسط.

نهاية ميراث الإخوان

الغريب أن كثيرًا من مراكز الأبحاث الغربية كانت دائمًا تربط ما بين صعود تيارات الإسلام السياسي وتطبيق الديمقراطية، بل وتشكك في نتائج أي انتخابات لا تأتى بعناصر تلك التيارات، وهو ما أفاد الإسلام السياسي وقتل التجربة الديمقراطية لسنوات طويلة في الشرق الأوسط، والغريب أن تلك المراكز كانت تتجاهل عن عمد أدبيات تلك التنظيمات التي لا تعترف بالديمقراطية التمثيلية بمفهومها الحديث، وتنتمي لأفكار ومبادئ تؤمن بفكرة الحاكمية واستعادة الخلافة الدينية، وهو ما يتعارض بالجملة مع فكرة الديمقراطية وفق النمط الغربي والقائمة على التنافس السياسي بين برامج أحزاب مدنية تفصل تمامًا بين الدين والسياسة.

وتركت الجماعة تجربة ديمقراطية مدمرة و إرثًا خربًا من السياسيين الذين عاصروا سيطرة الإخوان على النقابات وتواجدهم كقوة انتخابية، وتمرس هؤلاء السياسيين على تملق و طلب الدعم من تيارات الإسلام السياسي أو التنسيق الانتخابي معهم، وظهرت نتائج ذلك في تفريغ دوائر بعينها والتصويت لصالح مرشحين بعينهم من خارج الإخوان حتى يكونوا مظلة مدنية لحركة الإخوان وهو ما ظهر بشكل مكثف في انتخابات 2011 و2012، وهؤلاء أصبحوا لا يجيدون التنفس بغير وجود الإخوان وباختفائهم أصبح اختفاء هذه الطبقة السياسية أمرًا طبيعيًا، فهم بلا مستقبل سياسي في تجربة ديمقراطية مدنية حقيقة.

حياة سياسية جديدة

هذه الحقيقة فرضت على الدولة المصرية ضرورة خلق حياة سياسية جديدة، وإيجاد طريق لصناعة وتأهيل كادر سياسي جديد ومؤهل يزيح تلك الطبقة ويضع قواعد جديدة لممارسة ديمقراطية جديدة تتناسب مع حجم التغيير الكبير الذي تشهده الدولة المصرية في كل المجالات، واستعادتها لدورها الإقليمي المؤثر، وحاجة الدولة لحوار مستمر بين الأحزاب ومشاركتهم في عملية صنع القرار السياسي سواء عبر مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو عبر المحليات وإغلاق أي ثغرات يمكن أن تتسلل منها التيارات الدينية المتطرفة.

فكانت البداية بدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أبريل 2018 بضرورة العمل على تنمية الحياة السياسية، ونتج عن الدعوة إخراج مشروع واعد لتدريب الكادر السياسي على ثقافة الحوار وقبول الاختلاف والعمل السياسي المشترك وهو تنسيقية شباب الأحزاب التي دُشنت لتكون منصة حوارية بين الشباب من مختلف التيارات السياسية.

صناعة الكادر السياسي

أعلنت التنسيقية منذ اليوم الأول لتأسيسها أن هدفها، تقوية الأحزاب، وإيجاد قنوات ومساحات اتصال وتقارب مع الدولة، من خلال المشاركة بأوراق عمل ومقترحات ومشروعات قوانين، أو الحوار المباشر مع المسؤولين، بالإضافة إلى الحوارات المجتمعية، وعرض الرؤى وضمت في عضويتها مجموعة من الشباب السياسي وممثلين لمجموعة من الأحزاب السياسية يصل عددهم إلى ٢٥ حزبًا من مختلف الأطياف السياسية.

صنعت التجربة لأول مرة حالة حوار بين كل الأطياف من مختلف الأيديولوجيات، بين أحـزاب تمثل اليمين، وأحزاب أخرى تمثل اليسار، وأحــــــزاب أخـــــرى تمــثــل الوسط، و شباب غير منضم لأحزاب وهو ما خلق حالة جديدة في الحياة السياسية المصرية، وقد ظهر مرشحون للتنسيقة في انتخابات مجلس الشيوخ وهو ما يشير إلى تغيير في نوعية النواب البرلمانيين، وأن الكادر السياسي سيجد طريقه إلى المجالس النيابية بدون تنسيق أو تعاون  يخلف فواتير لتنظيمات متطرفة أو طبقة سياسية تجاوزها الزمن، يتسبب دفعها في تدمير التجربة وتعريض الحياة النيابية للخطر كما شهدنا في سنوات سابقة.

ليس معنى ذلك أننا أمام تجربة بلا أخطاء، بل متوقع أن الممارسة تكشف أخطاء في التجربة يتم تداركها فور تحديدها والعمل على إصلاحها ثم التعلم منها حتى تصل مصر إلى بناء ديمقراطي قائم على تطبيق حقيقي وواقعي لقواعد الحكم الرشيد وحياة سياسية ونيابية معبرة عن تطلعات الشعب والدولة.

بيت خبرة

تتميز التجربة التي تشهدها انتخابات مجلس الشيوخ بأنها أول تطبيق عملي للتجربة بعد التخلص بشكل نهائي من سطوة التنظيم الإرهابي، وتبدأ باستعادة الغرفة الثانية للبرلمان مرة أخرى بعد إلغائها وفق رؤية متعسفة وقعت فيها لجنة إعداد دستور 2014 مع الغرفة البرلمانية الثانية، فهي لها تاريخ طويل في الحياة التشريعية المصرية و كانت تمثل دائمًا بيت خبرة الوطن، نظرا لتنوع نوابها وهندسة تشكيله الذى يضم كل ممثلي كل القوى السياسية المصرية وهو ما يصنع زخمًا حول ما يصدر عن المجلس من توصيات سواء لمجلس النواب أو للحكومة .  

ونظام الغرفتين البرلمانيتين مطبق في عدد من دول العالم الكبرى وأثبت نجاحًا عمليًا في العديد من الدول ‏التي ‏تأخذ بنظام الغرفتين مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا ‏و ‏الهند والبرازيل وكندا وجنوب أفريقيا وأستراليا واليابان وسويسرا، لذا فمصر لا تقل عن هذه الدول سواء من ناحية عدد سكانها ومساحتها أو تأثيرها الإقليمي وبالتالي فهي تحتاج تمثيل برلماني أكبر من عدد مجلس النواب ومن ثم عودة مجلس الشيوخ يسد هذه الثغرة.

كما كشفت تجربة مجلس النواب الذى تصدى لعدد كبير من التشريعات على مدار الخمس سنوات ‏تأخر العديد من القوانين بسبب التزاحم ‏لكثرتها و تأخير صدور ‏القوانين ‏الأخرى بسبب رجوعها إلى مجلس النواب ‏مرة أخرى، لإعادة ضبط الصياغة و ‏تلاشي ‏عوار عدم الدستورية، كما اضطر في كثير من الأحيان إلى تعديل عدد من التشريعات بعد صدورها مثل قانون الضريبة على  القيمة المضافة وقانون المحال ‏العامة وقانون إجراءات الطعن أمام محكمة النقض و ‏‎قانون إنهاء ‏المنازعات الضريبية و قانون أملاك الدولة الخاصة ‏‎وقانون الاستثمار‎‎‎‏ ‏وقانون المنظمات النقابية العمالية وحق التنظيم النقابي  وقانون حقوق ‏الأشخاص ذوى الإعاقة  ، لكن هذا الأمر لم يحدث ‏من قبل في ظل مؤسسة تشريعية ‏مصرية  بها غرفتين ‏فضلًا عن أن كثرة ‎ ‎تعديل التشريعات دليل على أنها كانت تحتاج للدراسة بغرفة ‏ثانية ‏وتشاور أكثر مع الحكومة والمجتمع المدني والنقابات المهنية ‏والعمالية ‏واتحادات الصناعة ‏والغرف التجارية.

ممارسة ديمقراطية

إن وجود مجلس الشيوخ كغرفة ثانية تضم خبرات من ‏مختلف المجالات ولديه صلاحية ممارسة الديمقراطية بمفهومها ‏الواسع وأهمها الحوار المستمر مع أحزاب المعارضة والمجتمع المدني ‏والنقابات ‏المهنية ‏والعمالية واتحاد الصناعات والغرف التجارية لسماع مقترحاتهم وضمها للصيغة النهائية لمشروعات القوانين وهو ما يضمن أن تنال مشروعات القوانين مساحة أكبر من النقاش وهو ما سينعكس على جودة التشريعات ويضمن صدور منتج تشريعي أكثر دقة ‏وانضباطا‎ ‎‏بالتعاون مع مجلس النواب.

وقد أثبتت كثير من الدراسات حول تقييم أداء مجلس الشورى السابق  منذ بداية إنشاؤه في نوفمبر 1980 ‏حتى ‏تاريخ حله انه كان ‏لها دور استشاري و عملي و علمي و تشريعي و مساهمات ‏واضحة في أغلب القوانين و تقييم و ‏تحسين أداء الحكومات المتعاقبة، كما يمثل ضمانة أساسية لإنجاز العملية التشريعية بطريقة سليمة تتلاشى ‏الوقوع في أخطاء كما حدث في برلمان 2015 حيث تتم دراسة مشروعات القوانين في كلا من ‏المجلسين و خاصة مجلس الشيوخ الذى يضم متخصصين في مختلف المجالات و هو ما يصعب ‏تحقيقه في ظل نظام المجلس الواحد أو الغرفة الواحد وهو ما يحقق ما يسمى  بالرقابة الذاتية على القوانين. ‏

من المؤكد أن عودة الغرفة التشريعية الثانية لها فوائد عديدة للحياة السياسية المصرية وتجربتها الديمقراطية الجديدة اهمها ظهور طبقة سياسية جديدة تمارس العمل السياسي في جو سياسي  صحي وهى مؤهلة و غير خاضعة لتأثير التنظيمات المتطرفة والارهابية ، تقود عملية التغيير السياسي في طبيعة المجالس النيابية التي عرفتها مصر ما قبل عام 2013 وتقوم على العمل السياسي التشاركي القائم على الحوار بين أيدولوجيات مختلفة تبحث عن المشتركات بينها وتعمل من أجل بناء ديمقراطي سليم يقدم خبرات جديدة لديها استعداد للتعلم من أخطائها لبناء وطن يواجه تحديات عديدة في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى