شرق المتوسط

ما بعد الترسيم.. الاتفاق المصرى اليونانى يقضى على أوهام “الوطن الأزرق”

جاء الاتفاق المصري اليوناني لينهي فترة ممتدة من التفاوض بين الجانبين فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية بينهما وذلك في ظل التوترات المستمرة التي تشهدها المنطقة الغنية بالموارد الهيدروكربونية والتي تُقدر بنحو 340 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وقد ساهمت الاكتشافات الحالية فى زيادة تركيز عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين على تلك المنطقة الواعدة، حيث أثارت هذه الاكتشافات الجدل حول المسارات المحتملة للتفاعلات الدولية شرق المتوسط والتي اتخذت نمطين مختلفين طبقًا لرؤية ومصالح كل طرف، بحيث أخذت بعض التفاعلات شكلًا تعاونيًا، بينما تشكلت التفاعلات الأخرى على أساس صراعي وتصادمي وقد كانت أنقرة طرفًا أساسيًا في هذا النمط من التفاعلات.

ترتيبًا على ما سبق، يعتبر الاتفاق المصري اليوناني تحولًا نوعيًا يحمل الكثير من الدلالات والتأثيرات المستقبلية على مجمل التفاعلات في شرق المتوسط، الأمر الذي يفرض ضرورة مناقشة الاتفاق وأبعاده وتداعياته للوقوف على حدود وطبيعة الدور التركي المستقبلي، إذ إن الاتفاق من شأنه أن يضيف مزيدًا من القلق لدى تركيا التي تقف وراء الكثير من التوترات فيما يتعلق بالتطورات الجارية شرق المتوسط.

التوقيت والدوافع

ساهم الاتفاق الذي وقعه وزير الخارجية المصري “سامح شكري” مع نظيرة اليوناني “نيكوس دندياس” يوم 6 أغسطس في بدء مرحلة جديدة من التعاون بين الجانبين، خاصة بعدما تمكّنت الدبلوماسية المصرية واليونانية من استيعاب الخلافات وتباين وجهات النظر والتحفظات التي سبقت الاتفاق، إذ نجح الجانبان في تتويج جهودهما والوصول لاتفاق ترسيم الحدود بين الطرفين بعد ما يقرب من 13 جولة تفاوضية خلال أكثر من 15 عامًا.

 وفي هذا الإطار يمكننا الإشارة إلى أن زيارة وزير خارجية اليونان للقاهرة 18 يونيو الماضي كانت مقدمة لتوقيع هذا الاتفاق، بحيث سمحت الفترة التي توسطت الزيارة وتوقيع الاتفاق للجانبين بتبادل المقترحات والوثائق والرسائل المختلفة بغرض الوصول إلى المرحلة النهائية من الاتفاق، وقد عكس توقيع الاتفاق انتهاء البلدين من الجوانب الفنية والاتفاق على الإطار العام لترسيم الحدود البحرية بينهما مع تأجيل ترسيم الحدود في منطقة صغيرة تحتوي على جزيرتين يونانيتين، الأمر الذي يشير إلى التوجه التعاوني والحرص المشترك على ألا تكون بعض الخلافات عائقًا لتوقيع اتفاق ترسيم الحدود وتحديد مصالح كل من البلدين في مواجهة المحاولات التركية للتنقيب غير المشروع في المنطقة.

وكما كان متوقعًا فقد رفضت تركيا الاتفاقية بدعوى أن المنطقة التي شملها الاتفاق تقع ضمن الجرف القاري لتركيا، ويدخل الرفض التركي للاتفاق ضمن سياستها المستمرة الرامية إلى رفض كافة الاتفاقيات البحرية شرق المتوسط كما هو الحال في رفضها لاتفاق ترسيم الحدود بين مصر وقبرص علاوة على الاعتراض على اتفاق ترسيم الحدود بين قبرص وإسرائيل. 

وفي هذا السياق يمكن الوقوف على مجموعة من الدوافع والمحفزات التي يمكن قراءتها من خلال توقيع الاتفاق بين الطرفين وذلك فيما يلي:

  • شرعنه الحقوق البحرية، تساهم الاتفاقية في إضفاء شرعية قانونية ودولية على كافة الأنشطة البحرية المتعلقة باستغلال الثروات الطبيعية في المنطقة المشمولة بالاتفاق، كما أنها تؤمن حقوق البلدين في أية اكتشافات مستقبلية للغاز في تلك المنطقة، خاصة وأن هذا الإجراء من شأنه أن يمنح الشركات الدولية العاملة في مجال التنقيب رخصة للبدء في عملية استكشاف الموارد الهيدروكربونية، إذ يوفر لتلك الشركات المرتكزات والمشروعية القانونية لمزاولة مهامها، وذلك على خلاف الاتفاق الموقع بين الرئيس التركي ورئيس حكومة الوفاق ( نوفمبر2019) والذي لا يتماشى مع قواعد القانون الدولي للبحار، كما أنه افتقد للاعتراف الدولي إذ لم تقره أو تعترف به أيًا من الدول باستثناء الطرفين الموقعين، وعليه تأتي الاتفاقية بين مصر واليونان لتمنع انفراد أنقرة بالاستيلاء على مناطق اقتصادية خالصة تابعة لمصر واليونان كانت تركيا تستهدف من اتفاقها مع السراج تثبت أمر واقع فيها. إذ إن الاتفاق من شأنه تهيئة الظروف لقيام البلدين بمنح تراخيص للشركات العالمية للتنقيب واستخراج الغاز، كما تفتح الباب لمجالات أوسع من التعاون بينهما وبين الدول المنضوية في منتدى غاز شرق المتوسط لإقامة مشروعات لتسييل الغاز ونقله.
  • تعزيز الروابط الاستراتيجية، لا شك أن توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين يأتي في سياق دعم وتعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، حيث فرضت عوامل الجغرافيا والمصالح المشتركة التأسيس لنمط تعاوني تشكل بصورة جادة منذ (نوفمبر2014) عبر عقد عدد من القمم الثلاثية بين مصر واليونان وقبرص، وقد تطور هذا التعاون في كافة المجالات، من بينها التعاون الأمني والعسكري وهو ما ترجمته انطلاق المناورات العسكرية البحرية “ميدوزا” فضلًا عن عدد من التدريبات العسكرية المشترك.

من ناحية أخرى تطورت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل لافت، إذ بلغ حجم الاستثمار اليوناني في مصر نحو 1.2 مليار يورو من خلال 200 شركة يونانية تعمل في عدد من المجالات ” وفقًا لتصريحات السفير اليوناني في مصر(يونيو2020)، كما ارتفع حجم الصادرات المصرية لليونان خلال عام 2019 لنحو (716.772) مليون دولار بزيادة وصلت إلى 53% خلال الفترة من 2015: 2019، فيما بلغ حجم الواردات المصرية من اليونان نحو مليار و38 مليون دولار خلال العام ذاته.

  • تطويق وردع أنقرة، يعتبر توقيع الاتفاق بين الجانبين مقدمة لرسم خريطة جديدة لشرق المتوسط، ترتكز بالأساس على تعزيز التعاون ومحاولة ردع وتطويق السلوكيات التي من شأنها أن تزعزع الأمن والاستقرار خاصة تلك التي اعتادت أنقرة على انتهاجها في الآونة الأخيرة، وعليه يمكن قراءة الاتفاقية في ضوء المقاربة بين الدبلوماسية النشطة والمدروسة -من قبل مصر واليونان- مقابل دبلوماسية البوارج الحربية من جانب تركيا، وعليه يأتي الاتفاق كمحاولة  لتحجيم تحركات تركيا ليس في منطقة شرق المتوسط بل في عدد من الساحات من بينها ليبيا على سبيل المثال، إذ تأتي الاتفاقية بعد نحو 8 أشهر من توقيع الاتفاق بين تركيا وحكومة طرابلس.

السيناريوهات المحتملة

ثمة تداعيات ونتائج يمكن أن تنتج عن الاتفاق بين مصر واليونان، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على مجمل التفاعلات المستقبلية في شرق المتوسط، الأمر الذي يمكن تحديد ملامحه فيما يلي:

أولًا: مواجهة تركية أوروبية

عملت مصر واليونان عبر توقيع الاتفاق على تشكيل حائط صد منيع ضد تركيا وتحركاتها المحتملة شرق المتوسط، إلا أن هذا الإجراء من شأنه أن يزيد من حدة المواجهة والصدام لكن هذه المرة يمكن أن يتسع نطاق المواجهة بحيث تظهر كتلة أكثر صلابة ضد تركيا، فمن المتوقع إلا تتخلى تركيا عن طموحاتها شرق المتوسط واستراتيجيتها الرامية إلى تنفيذ مشروع ” الوطن الأزرق” الذي يضمن لها ممارسة دور إقليمي ودولي فاعل عبر النفاذ للبحار الثلاثة المحيطة بها، علاوة على حاجة أنقرة لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وعليه سوف تعمل أنقرة على مواصلة نهجها المعتاد وإجراءاتها للتنقيب عن الغاز بصورة غير مشروعة وستكون هذه التحركات مدفوعة بحاجة تركيا لتأمين مصالحها وفقًا لرؤيتها الخاصة، وقد يتسبب هذه النمط من التحركات التركية في إثارة دول أوروبا التي ترفض بشكل قاطع السلوك التركي شرق المتوسط، والذي اتخذ صورة حادة في الفترات الأخيرة كاد أن يصل إلى حد الاشتباك بين فرنسا وتركيا على خلفية تحرش الأخيرة بفرقاطة فرنسية كانت في مهمة تابعة للناتو.

ورغم احتمالية المواجهة بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبى في الفترات القادمة، إلا أنها قد لا تصل إلى حد المواجهة المفتوحة بين الجانبين، خاصة في ظل امتلاك تركيا لورقة اللاجئين وقدرتها على توظيفها في تهديد دول أوروبا، كما أن تكلفة المواجهة المفتوحة ستجعل كافة الأطراف حذرة من الاقدام على هذه الخطوة، وعليه قد تلجأ دول أوروبا في صدامها المتوقع مع تركيا إلى فرض مزيد من العقوبات بهدف ردع تركيا وتغيير سلوكها. بحيث تضمن عدم التصعيد المباشر وهو ما حدث بالفعل عندما نجحت دول أوروبا وفي مقدمتهم “المانيا” في اقناع تركيا بالتخلي عن عمليات المسح الزلزالي التي كانت الأخيرة بصدد القيام بها خلال الفترة من 21 يوليو حتى 2 أغسطس.

ثانيًا: تزايد نمط عسكرة التفاعلات

كانت منطقة شرق المتوسط على اعتاب مواجهة عسكرية بين تركيا واليونان في الفترة الأخيرة وقد أعلن الجيش اليوناني حالة التأهب القصوى للتصدى لأية محاولات غير مشروعة للتنقيب التركي عن الغاز، إلا أن مساعي المستشارة الالمانية ” أنجيلا ميركل” قد ساهمت في تأخير هذه المواجهة، وبناء عليه فمن المحتمل على أثر هذا الاتفاق أن تكثف تركيا من تحركاتها وسياستها العسكرية في المنطقة سواء من خلال التحرش وإيقاف السفن أو منع شركات التنقيب من القيام بأعماله أو عبر إجراء مناورات عسكرية في البحار الثلاثة المحيطة بها، خاصة في ظل استمرار تركيا في استعراض قوتها وتوظيف أدواتها العسكرية في الخارج كما هو الحال في سوريا، العراق، ليبيا. وقد بدى ذلك واضحًا في إعلان تركيا بعد يومين من توقيع الاتفاق عن عزمها إجراء تدريبات بالذخيرة الحية لقواتها البحرية في مناطق بشرق المتوسط خلال الفترة بين 10 – 11 أغسطس، مع التأكيد على استمرارها في مواصلة اعمال التنقيب عن الغاز في المنطقة.

وفي هذا الوضع قد تجد دول المنطقة نفسها أمام حاجة ماسة لتحويل منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة دولية سواء من خلال عضوية كاملة أو مراقب وهو ما قد يسهم في تغيير هيكل التوازن الإقليمي ويزيد من الضغوط على تحركات تركيا في تلك المنطقة. 

من ناحية أخرى قد تذهب دول المنطقة في إطار تعاوني إلى تشكيل تجمع او تكتل أمني يمكنه أن يلعب دورًا في تحجيم وتضييق الخناق على التحركات التركية، ويمكن أن تشكل الدول أصحاب المصالح الرئيسية بالإضافة للدول الأوروبية النواة الأساسية لهذا التجمع، خاصة وأن عسكرة تركيا لشرق المتوسط من شأنه أن يؤثر على استقرار وأمن المنطقة ومن ثم الأمن الأوروبي، حيث تؤكد التقديرات على حاجة الاتحاد الأوروبي لاستيراد نحو 113 مليار متر مكعب من الغاز بحلول 2030، كما أن استقرار المنطقة من شأنه أن يسرع من عمليات اكتشافات الغاز وانشطة الإنتاج مما قد يقلل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وهو أمر مهم للغاية بالنسبة لدول أوروبا، إذ تُشير التقارير إلى أن اكتشافات الغاز شرق المتوسط تعادل حوالي 50 عامًا من استهلاك فرنسا. 

ثالثًا: دور أمريكي أنشط

في حال ارتفاع منسوب التوتر شرق المتوسط يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تمارس دورًا أكثر فاعلية بحيث تصبح رمانة الميزان والعنصر الذي يمكنه أن يضبط إيقاع المنطقة، فعلى الرغم من سياسة ” ترامب” الرامية لعدم الانخراط المكلف في الخارج، إلا أن النفوذ الروسي وإمكانية تأثير موسكو في تفاعلات شرق المتوسط من خلال اسطولها في البحر الأسود أو عبر قواعدها العسكرية في سوريا قد يحفز أمريكا على لعب دور مؤثر في المنطقة ناهيك عن حاجة الولايات المتحدة للحفاظ مصالح شركاتها في المنطقة.

وقد اتضحت الرغبة الأمريكية في لعب هذا الدور من خلال إقرار الكونجرس قانون شراكة أمن وطاقة شرق المتوسط 2019، علاوة على القرار المرتبط برفع حظر تسليم السلاح لقبرص، وإعلان الولايات المتحدة عن مساعيها لعقد مناورات عسكرية مع قبرص ما يدل على رغبة الولايات المتحدة في الحفاظ على مصالحها شرق المتوسط، خاصة ما يرتبط بتأمين طرق التجارة البحرية، وعليه سوف تستهدف التحركات التركية العمل على تخفيف حدة المواجهة والصراع حال نشوبه وتقليل أو منع نشوب المواجهة المحتملة بين اليونان وتركيا العضوان في الناتو. 

خلاصة القول، يُعدُّ اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا وتحولًا نوعيًا يمكن أن يؤثر على مجمل التفاعلات شرق المتوسط، كما أن رده الفعل التركية المحتملة سوف تحدد بشكل كبير مسار الأحداث والتحركات المستقبلية، وعلى أية حال فمن المرجح أن تستمر تركيا في تجاهل قواعد القانون الدولي وكافة الاتفاقات المنظمة لاستغلال المناطق الاقتصادية الخالصة بين دول المنطقة، كما يُرجح أن يستمر النهج التركي الرامي لتوظيف الأداة العسكرية والعمل على استعراض القوة في هذه المنطقة التي باتت على صفيح ساخن. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى