شرق المتوسط

الاتفاق العادل: مصر واليونان.. نجاح دبلوماسي ومكاسب مشتركة

يُعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان تحولًا كبيرًا في مسار التفاعلات والمعادلات القائمة في منطقة شرق المتوسط، خاصة وأن الاتفاق يأتي في سياق جملة من التوترات والتشابكات التي فرضت على الطرفين تعميق التعاون فيما بينهما بهدف مواجهة الابتزاز التركي المستمر والمحاولات الرامية لعسكرة شرق المتوسط بهدف فرض أمر واقع يتنافى مع قواعد القانون الدولي للبحار، ويساهم فى إبعاد كل فرص الاستقرار والاستثمار الذي يعود بالفائدة على كل دول المنطقة.

يأتى اتفاق ترسيم الحدود البحرية كتتويج لجهود بُذلت بين مجموعات التفاوض فى البلدين، ويشير إلى حجم الروابط والقواسم المشتركة بين البلدين والتي بدأت تأخذ طابعًا استراتيجيًا منذ نوفمبر 2014 عبر صياغة شكل من أشكال التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص انعكست نتائجه على مختلف الأصعدة السياسية، الاقتصادية والعسكرية. 

المكاسب على الجانبين 

نجح الاتفاق في تحقيق عددًا من المكاسب ليس فقط فيما يتعلق بردع ومحاصرة الأطماع التركية، بل يساهم الاتفاق في تعظيم المكاسب والمنافع لكل من مصر واليونان، الأمر الذي يمكن تحديد ملامحه ومؤشراته فيما يلي:

اولًا: المكاسب الاقتصادية:

حصدت مصر واليونان مجموعة من المكاسب الاقتصادية الكبيرة على أثر هذا الاتفاق؛ إذ يتيح الاتفاق لمصر القيام بعملية التنقيب عن الغاز في المناطق الاقتصادية الشمالية الغربية الواقعة على الحدود البحرية مع اليونان، كما يمنح مصر شرعية قانونية للتنقيب غرب حقل ظهر. من ناحية أخرى ستحصل مصر على مزايا جديدة من الاتحاد الأوروبي من بينها تخفيض الجمارك، زيادة حجم الاستثمارات وتسهيل الفيزات المفتوحة، ناهيك عن تعزيز فرص مصر للتحول لمركز إقليمي للطاقة، حيث يساعد الاتفاق مصر على مزيد من اكتشافات الغاز في تلك المنطقة الواعدة، كما يفتح الباب أمام لطرح مزايدات جديدة من الشركات العالمية للتنقيب عن الغاز.

على ذات النهج، حققت اليونان عدد من المكاسب الاقتصادية، إذ احتفظ الاتفاق لليونان بحقوقها في استغلال الثروات في جزيرة كريت التي تجاهلت اتفاقية اردوغان- السراج (نوفمبر 2019) كافة الحقوق اليونانية فيها، كما تحافظ الاتفاقية على حقوق اليونان في تدشين خطوط لنقل وتداول الغاز مع حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة، حيث وقعت اليونان وقبرص وإسرائيل (يناير2020) اتفاقًا لإنشاء خط انابيب “إيست ميد” لنقل ما بين 9 و11 مليار متر مكعب من قبرص وإسرائيل إلى اليونان وإيطاليا ودول جنوب شرق أوروبا.

علاوة على ذلك يمكن أن يقلل الاتفاق من الضغوط التركية المستمرة على اليونان فيما يتعلق بالهجرة واللاجئين، كما يتيح الاتفاق لليونان فرصة أكبر للتنقيب عن الغاز في منطقتها الاقتصادية الخالصة، ما قد يؤدي إلى تقليل وارداتها من الغاز وزيادة فرص اعتمادها على مصادر الطاقة النظيفة، ناهيك عن توسيع فرص التعاون الاقتصادي بين اليونان والدول المنضوية تحت مظلة منتدى غاز شرق المتوسط، كما يساهم الاتفاق في تحقيق مصالح الاتحاد الأوروبي خاصة فيما يتعلق تنويع مصادر الطاقة في ظل نقص الامدادات الواردة من روسيا والجزائر والنرويج.

ثانيًا: المكاسب السياسية

تمكنت الدبلوماسية النشطة والحوارات المستمرة بين مصر واليونان في استيعاب كافة الخلافات بشأن ترسيم الحدود بين الطرفين، الأمر الذي انعكس بشكل كبير على المكاسب السياسية للبلدين وهو ما يمكن تحديده فيما يلي:

فيما يتعلق بالمكاسب المصرية، أكد الاتفاق على مجموعة من الثوابت التاريخية من بينها أن مصر لا تفرط في حقوق ومقدرات شعبها، كما أن التحركات المصرية في إثبات تلك الحقوق تنطلق من قواعد القانون الدولي وشرعية المؤسسات. من ناحية أخرى، يساهم الاتفاق في الحفاظ على الأمن القومي المصري حيث يحرم تركيا ويحجم أطماعها شرق المتوسط، كما يحرمها من ادعائها المستمر بامتلاك حقوق مشروعة في المنطقة، وعليه يمكن أن يساعد الاتفاق على تعزيز ودعم التوافق بين البلدين ومن ثم مواجهة الاستفزاز التركي المستمر شرق المتوسط، ناهيك عن مواجهة التحديات والمخاطر المتعلقة بالإرهاب والهجرة غير الشرعية.

من ناحية أخرى، يمكن رصد المكاسب السياسية لليونان، من خلال عدد من الملامح، إذ يساهم الاتفاق وبمجرد إيداعه لدى الأمم المتحدة في إبطال مذكرة التفاهم بين السراج وأردوغان والتي لم يعترف بها أي من الفواعل أو الدول باستثناء أنقرة وحكومة الوفاق، كما سيصبح من حق اليونان إقامة وتعزيز تحالفاتها لنقل الغاز طبقًا لمصالحها الاقتصادية وبالتوافق مع القانون الدولي. على صعيد آخر يمكن أن يقلل الاتفاق من أية محاولة من جانب تركيا لابتزاز اليونان في بحر أيجة، علاوة على ذلك، تمنح الاتفاقية الحق لليونان في مقاضاة ومنع تركيا من ممارسة أعمالها العدائية شرق المتوسط؛ إذ إن أية اعتداء من قبل تركيا يعتبر انتهاكًا للقانون الدولي. وعلى ذات المنوال، تعمل الاتفاقية على تشكيل حائط صد ضد تركيا بما يعزز من الموقف الجماعي لكلا البلدين.

خلاصة القول، يمكن التأكيد على نجاح مصر واليونان في تحقيق العديد من المكاسب والمنافع على إثر توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية، كما أن الاتفاق يؤكد على عمق العلاقة بين البلدين بحيث أصبحت مصر واليونان الركيزة الأساسية لاستقرار منطقة شرق المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى