مقالات رأي

د.محمد بدر الدين زايد يكتب : ما الذي يجري في لبنان؟

من يتأمل الكتابات والمقالات عمّا يحدث في لبنان خلال السنوات الأخيرة، وبشأن الحادث الكارثي الأخير يجد تناقضات عديدة، ولا بد أن يصاب المرء بالدهشة من تصريحات الداخل والخارج عن المسؤولية والأخطاء، وكأنهم لم يكونوا شركاء بها.

وعلى الرغم من صعوبة القطع بعد بشأن طبيعة الحادث، وما إذا كان هناك عمل تعمدي أم لا، فإن المشكلة تتمثل في أن أبعادها عديدة وشائكة، ولكن ربما يكون الشيء المنطقي الوحيد هو محاولة ترتيب وتحليل بعض هذه الأبعاد بشكل مجرد دون انفعال، بخاصة مع الدرجة العالية من الانفعال المحيط بكل المشهد وهو انفعال ليس فقط مصدره الشعب اللبناني، بل أيضاً المكانة العاطفية الكبيرة التي تحتلها لبنان دولياً وإقليمياً.

ربما يجب أن يكون البعد الأول هو هذا الحادث ذاته، فحتى على افتراض أن هذا الحادث غير عمدي، حيث لم يثبت بعد أنه مدبر، رغم كل ما يتردد على وسائل التواصل الاجتماعي حالياً من شكوك ومؤامرات لن تُحسم أبداً إلا بإجراء تحقيق دولي مستقل، لا يبدو في الأفق بعد تجاوب مع مطالبه، وأخشى القول إن نمط صنع القرار السياسي والإداري في لبنان لا بد أن ينتج مثل هذا الجمود والتخبط المحيط بظروف الحادث، فبسبب كثرة انغماس الساسة وصانعي القرار في الصراعات الداخلية، فإن قبضة كبار الموظفين قد تشتد وقد تتراخى من وقت لآخر، وأصبح الضعف سمتها في السنوات الأخيرة، وكثيراً ما تتجمد معالجة أزمات تقتضي سرعة الحسم، كما أن إشكالات العملية السياسية والطائفية انعكست بدرجة خطيرة على ترهل الجهاز الإداري للدولة.

يضاف إلى كل هذه الخلفية مشكلة أكبر من هذا بكثير، فمنذ سنوات طويلة أحكم حزب الله قبضته على منافذ لبنان المختلفة، مما أدى إلى تشوه عملية صنع القرار واضطرابها في هذه المؤسسات، وتحولها إلى أهل الثقة بأكثر من أهل الكفاءة، ومن ثم حتى في حالة الإهمال وغياب التعمد، فما حدث هو أحد تداعيات إخفاق النظام السياسي وتمحوراته لخدمة تيار سياسي معين، وما أنتجه هذا من تشوه بيروقراطي خطير.

البعد الثاني هو أزمة النظام السياسي المزمنة، ومن الخطأ تصور أن هذه الأزمة بدأت مع الحرب الأهلية اللبنانية، فالعودة إلى نشأة الدولة اللبنانية ومساراتها تكشف عمق أزمة النظام الطائفي عبر تاريخ لبنان، وإذا كان الرئيس ماكرون يتحدث عن مسؤولية ودور فرنسا اليوم، فإن لفرنسا دوراً تاريخياً في إشكالية صنع هذا النظام الطائفي بدلاً من إنشاء مجتمع ديمقراطي طليعي يجمع الطوائف كلها في منظومة حداثية واضحة، ولكن هذا لم يحدث. وليس وقته الدخول في تفاصيل الأدوار الخارجية، فما يجب تذكره أن الصيغة اللبنانية بطائفيتها وبضعف الولاء الوطني وسماح هذا الكيان تاريخياً بتدخلات غير محدودة من الأطراف الإقليمية والدولية وتعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي أنتجت الحرب الأهلية التي لم تكن سوى تداعيات الخلل المزمن في النسيج اللبناني والتدخلات الخارجية، وبعد دفع ثمن باهظ جاءت صيغة الطائف بما لها وما عليها، وهي صيغة أيضاً لم تستطع أن تأخذ لبنان خارج أزمة النظام الطائفي، بل تلاها مزيد من التشوه في النظام الطائفي مع تعقد جديد بارتكاب سوريا أخطاءً بارزة أكثرها خطورة إدخال إيران في الساحة السورية.

ومع صعود نفوذ حزب الله سياسياً وعسكرياً وأمنياً في البلاد تعقدت الأمور بشكل غير مسبوق، وتعاظم هذا التشوه بتحالف أحد أكبر التيارات المسيحية المارونية؛ أي التيار الوطني الحر مع حزب الله؛ بغرض الوصول إلى السلطة بأي ثمن، وقبل هذا التيار بسيطرة حزب الله على الحياة ومرافئ وموانئ لبنان، بما أوصل البلاد إلى أزمة مع تواصل النظام الطائفي وإرباكه الحياة السياسية بشكل متزايد، وتراجعت مستويات الحكمة عند كثير من قادة الطوائف. وسنعود لأبعاد الأزمة السياسية بعد مناقشة الأبعاد الاقتصادية.

كانت الأزمة الاقتصادية وارتفاع مستويات البطالة والتضخم مصدر الاضطرابات الثورية التي شهدها لبنان في الشهور، بل وربما على مدى السنوات الأخيرة، وفي الواقع أن معضلة الأزمة الاقتصادية اللبنانية أنها تتجاوز حتى فساد النظام السياسي إلى مشكلة هيكلية مزمنة مع تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي اللبناني بفعل عدم قدرة الاقتصاد على المنافسة الخارجية وتغير أنماط العمل والترفع عن الأعمال اليدوية والهجرة الداخلية والخارجية والإصرار على إجراءات حمائية مبالغ فيها للتعامل مع ضعف التنافسية، والتحول التدريجي إلى اقتصاد خدمي، بخاصة قطاعات السياحة والمصارف، على أن الأوضاع الأمنية وسيطرة حزب الله أدت إلى تراجع ملحوظ للسياحة، ثم بعد ذلك جاء تراجع القطاع المصرفي ليشكل ضربة خطيرة للاقتصاد، ثم تأتي قضية الفساد المغموس بالطائفية لتخلق مناخاً إحباطياً هائلاً في مجتمع اعتاد الرفاهية سواء للعوامل الاقتصادية الذاتية أو تحويلات اللبنانيين في الخارج، أو من تدفقات رؤوس الأموال والمساعدات الخارجية، ومع تكرس هذه الأزمة الاقتصادية الهيكلية جاء انفجار التظاهرات التي كان عناوينها الرئيسة الفساد والطائفية والبطالة، ولكن قليلاً من ناقش عمق الأزمة في هياكل الاقتصاد، وبعض أبعاد هذا ليس فقط نابعاً من أزمة النظام السياسي، بل أيضاً من مسؤولية المجتمع اللبناني ككل، الذي حتى عندما أراد الحفاظ على مستويات الإنتاج الصناعي والزراعي المنخفضة فضّل آلية الحمائية التي أفسدت العامل والزارع اللبناني، وأفسدت تاريخاً من التميز والمهارات عمّقها ميل إلى الوظائف الخدمية والإدارية.

في الواقع إن تداخل أبعاد الأزمة الاقتصادية والسياسية في لبنان يتجاوز مجرد تشخيص الأسباب بالطائفية وحدها، وربما الصحيح أن الطائفية عقّدتها وأعطتها مذاقاً خاصاً جعل مواجهة هذه الأزمات الهيكلية أمراً بالغ الصعوبة، فآلية الفساد المؤسسي متواصلة لضم عناصر جديدة لمنظومة الاستفادة من الترتيبات لكل الطوائف تقريباً، واللجوء للمحسوبية والتعيينات لحسابات طائفية أو لولاءات وتربيطات هو عنوان المباراة الدائمة.

 في هذه الصورة المشوشة والمشوهة كذلك الكل متورط بشكل أو آخر، وحتى الذين يتصدون للفساد يتراجع أغلبهم عندما يتولد لديهم الشعور باستهداف الطائفة، بالضبط مثلما تورط أغلب الأطراف الدولية والإقليمية التي حرصت على تكريس رعايتها لطائفة واحدة، كما أن مسؤولية الخارج أقل بكثير من الداخل الذي سمح بهذه الحالة، وهناك بعض الأطراف الخارجية التي حاولت أن تبقي أبوابها مفتوحة لكل الطوائف اللبنانية.

كل ما سبق يشير إلى أن المنظومة التي ولّدتها الطائفية معقدة وأدت إلى انسداد الأفق السياسي والاقتصادي، وللمفارقة أصبح حزب الله يتصدرها مصاحباً معه جزءاً مهماً من الطائفة الشيعية، التي كان ولا يزال بعضها ينتقد هذه الطائفية، ليضع البلاد في ورطة سياسية محكمة.

وعندما خرج آلاف اللبنانيين متظاهرين ضد هذه الطائفية معتبرينها محور الإخفاق السياسي والاقتصادي، كادت هذه الحركة أن تجهض بسبب مخاوف كل الطوائف أن تكون هذه الحركة موجهة ضدها. من هنا وربما على خلاف مع كثير من الحالمين لا أرى مخرجاً من هذه المعضلة إلا بتحالف هذه الحركة الشعبية مع قيادات طائفية تكون مستعدة لهذا التحول دون أن تحاول اقتناصه ومواصلة الدائرة الجهنمية نفسها.

 ومن معايشة لبنان يحتاج هذا لشروط عديدة، أولها وأهمها أن تتحالف كل الطوائف بما فيها الشيعية لإنقاذ البلاد من هذا التيار المسلح، الذي سيخوض حرباً شرسة للدفاع عن مكانته واستمرار سيطرته حتى لو كان الثمن تهديد وجود واستمرار لبنان ذاته. ولبنان بما يمثله من دلالة رمزية ومعنى للتعددية يستحق من أبنائه، ومن الذين يدركون معانيه وأهميته خوض هذا الطريق الصعب وبشكل حضاري غير عنيف وتدريجي لإنقاذ هذا البلد الجميل.

نقلا عن “اندبندنت” عربية  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى