مكافحة الإرهاب

فضيحة تمويل الدوحة لحزب الله تكشف الوجه الآخر للجمعيات الخيرية القطرية

أماطت لحظة انفجار ميناء بيروت اللثام عن خطورة مشروع الإسلام السياسي على لبنان ، والثمن الباهظ الذى تدفعه الدول إذا ما تساهلت أو قبلت بوجود مليشيا لها ارتباطات إقليمية وخارجة عن الدولة مثل حزب الله، وكيف تحول من مقاوم يسعى لتحرير بلاده إلى خنجر في ظهر لبنان بوجوده ضمن مشروع إقليمي يسعى إلى سيطرة تلك التيارات على الحكم في الشرق الاوسط بفرعيه السني “الإخوان المسلمين” والشيعي “حزب الله وجماعة الحوثي” على أن تدير تركيا الشق السني بمشروع الخلافة العثمانية، وإيران تدير الشق الشيعي بتصدير مفهوم الثورة الإيرانية  وتحدي نظرية محاصرة الهلال الشيعي بالقوس السنى .

تقف قطر على مسافة واحدة من المشروعين فهي تشترى نفوذها الإقليمي برعايتها لما يسمى بتيار الاسلام السياسي، ولا تتكتم على دعمها للمشروعين مع الاحتفاظ بعلاقات مميزة مع إسرائيل لتجسد التناقضات التي بنت عليها قطر دورها الإقليمي الذى يسعى لتخريب كل القوى التقليدية المقاومة لهذين المشروعين سواء في مصر أو السعودية أو الامارات، وعلى هذا الأساس تجدها تدعم المشروع الإخواني العثماني السني بنفس القوة التي تدعم بها حزب الله الشيعي، وتتواصل مع إيران وتتبع تركيا، لذلك لم يكن من المستغرب أن تظهر معلومات عن تمويلها لحزب الله وشرائها لأسلحة لعناصره الارهابية .

مفاجأة متوقعة

لم تخفِ قطر في أي وقت علاقتها بحزب الله، بل أن اميرها تميم بن حمد قال في تصريحات سابقة له إنه “لا يحق لأحد أن يتهمنا بالإرهاب لأنه صنف الإخوان المسلمين جماعة ‏إرهابية، أو رفض دور المقاومة عند حماس وحزب الله”.

لذلك لم تكن فضيحة الكشف عن تمويلها لأنشطة حزب الله اللبناني مفاجأة لمن يتابع طبيعة الأدوار الإقليمية التي تمارسها قطر، ولكنها أكدت خطورة ما تقوم به الإمارة الخليجية الصغيرة من تهديد لجيرانها وللعالم بتعاونها مع كل التنظيمات الإرهابية، ودعمهم ماليًا وعسكريًا وإعلاميًا عبر قناة الجزيرة التي قدمت على مدار السنوات الماضية وصلات من الغزل بحق مليشيا حزب الله وزعيمها حسن نصر الله، وفي المقابل كان السيد نبيه بري رئيس البرلمان اللبناني والمقرب من حزب الله لا يتوقف عن شكر قطر وأميرها خلال حضوره لأى مناسبة رسمية على الدعم الذى يقدمه للمقاومة منذ عام 2006، حتى أن الأمر وصل إلى حد تعيين فرح ابنة بري بمهمة دبلوماسية في سفارة لبنان بقطر في فبراير الماضي، وكان الأمر محل تساؤل من الصحافة اللبنانية حول راتب ابنة بري وسبب تعيينها في ذلك المنصب. 

العلاقة الوطيدة بين قطر وحزب الله هي التي مهدت لحل الأزمة اللبنانية في الدوحة، بعدما أصيبت حياة المواطن اللبناني بالشلل جراء قيام ميليشيات حزب ‏الله بإغلاق أهم مراكز بيروت الاقتصادية والسياسية‎.‎

كما زار أمير قطر السابق جنوب لبنان ‏‏”معقل حزب الله” بحضور قيادات بينهم مسؤولين من الحزب وقام الحزب بتعليق ‏لافتات في الطرقات كتب عليها “شكرًا قطر”، وفي 2013 اعترف زعيم ‏حزب الله بأن لديه خط مباشر مع قطر رغم الخلافات السياسية، واستقبل ‏حسن نصر الله وفدًا قطريًا أبدت الدوحة من خلاله كسر الجليد مع بشار ‏الأسد. ‏

وخلال أزمة اختطاف أفراد من الأسرة الحاكمة القطرية كانوا في رحلة صيد بالعراق والتي دفعت الدوحة حوالي 2,340 ‏مليار دولار كفدية مقابل إطلاق سراحهم عام 2016 شملت الصفقة الإفراج عن عناصر تابعة ‏لحزب الله كانوا محتجزين لدى فصائل مسلحة في سوريا، وإجلاء سكان 4 ‏بلدات شيعية محاصرة في سوريا من قبل فصيل أحرار الشام‎.‎

دعم الإرهاب بغطاء خيري

تشير المعلومات الأولية لفضيحة دعم قطر لحزب الله إلى استخدام قطر للعمل الأهلي كغطاء لتمويل الحزب، وهي ليست المرة الأولى التي يتم الكشف فيها عن الأدوار الارهابية لأنشطة قطر الخيرية، إذ كشفت معلومات متطابقة أن جمعيتين خيريتين قطريتين قدمتا المال إلى حزب الله في بيروت “تحت ستار الغذاء والدواء”. 

وقد أطلقت على المنظمات المشاركة اسم جمعية الشيخ عيد بن محمد آل ثاني الخيرية ومؤسسة التعليم فوق الجميع والتي ترعها الشيخة موزة بنت المسند والدة الأمير تميم، فيما يتواصل أثرياء قطريون مع جمعية المصطفى الشيعية في مدينة بريمن بألمانيا لدعم أنشطة الحزب في أوروبا، على الرغم من حظر ألمانيا لأنشطة الحزب على أراضيها في أبريل الماضي.

وكانت وزارة الداخلية الألمانية قد أعلنت حزب الله تنظيمًا إرهابيًا ونفذت مداهمات على عدة مساجد ومراكز دينية مرتبطة بالحزب دون القبض على أحد، وسعت برلين لإقناع الاتحاد الأوروبي لاتخاذ خطوة شبيهة مما يسهل عليها عملها في ملاحقة عناصر حزب الله بعد اكتشاف أن نشاطه ممتد عبر شبكة أوروبية وعالمية.

والحقيقة أن قطر استخدمت شبكة جمعياتها الخيرية كغطاء لتمويل الإرهاب في العالم، كما قامت بإنشاء عشرات المؤسسات والهيئات الخيرية التي اتخذت من دعم العمل ‏الخيرى غطاء لأهدافها المشبوهة في دول إقليمية عدة، وسط إصرار ‏قطري على تحويل العمل الخيري إلى دعم للإرهاب الذى مزّق دول الشرق الأوسط طوال السنوات الماضية عبر حروب وصراعات ممتدة من سوريا، إلى اليمن، وليبيا‎.‎ 

فقد كشفت الولايات المتحدة قبل سنوات أن منظمة تدعى “لشار – طيبة” المتطرفة في شبه القارة الهندية والمتورطة في الهجمات الإرهابية بمدينة مومباي عام 2008، لديها صندوق تمويلي في قطر.

وفى أكتوبر عام 2016 اعتقلت قوات الأمن الهندية الإرهابي عمر الهندي الملقب بـ”مانسيد” في مدينة كانور بولاية كيرالا، وهو رئيس وحدة تنظيم “داعش” الإرهابية جنوبي الهند، الذى كان يتلقى تمويلًا من قطر.

ووفقًا لمصادر استخباراتية هندية، فإن المساهمات المالية القطرية تحول إلى تلك منظمات عن طريق وزارة الأوقاف بالدوحة، التي تعتبر أكبر مساهم في الأموال التي تدفقت إلى ولاية كيرالا من خلال تحويلات مالية من كيانات، مثل قطر الخيرية وعدد من صناديق التمويل القطرية الأخرى.

كما تلاحق جمعيات خيرية قطرية اتهامات بتمويل أعمال الإرهاب في سوريا من بينها: جمعية قطر الخيرية، ويرأس مجلس إدارتها حمد بن ناصر بن جاسم آل ثان، وهي متهمة بتسهيل سفر وتمويل أفراد في التنظيم من خلال نقلهم من إريتريا، وتقدم الدعم المالي للإرهاب في سوريا واليمن وليبيا، وكذلك التأثير السياسي في الانتخابات التونسية عن طريق دعم حركة النهضة الإخوانية.

الجمعية الثانية هي مؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية، وهي مؤسسة غير حكومية تأسست في عام 1969، ويرأس إدارتها الشيخ خالد بن ثان آل ثان، وتلاحق المؤسسة اتهامات بدعم الجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا، وعلى رأسها جبهة النصرة بما يقارب 130 مليون دولار، وترتبط المؤسسة بعلاقات وثيقة مع الهلال الأحمر التركي وتم اتهامها في وقت سابق بدعم المتطرفين والمقاتلين في سوريا بالمال والسلاح تحت غطاء المساعدات الإنسانية.

كما تلاحق “قطر الخيرية” اتهامات بدعم جماعة الحوثي ذراع إيران في اليمن عبر تقديم الدعم للميليشيات الحوثية والجماعات الإرهابية في محافظات ‏يمنية عدة ومن خلال العديد من الحسابات البنكية “بنوك: قطر الإسلامي، ‏وقطر الإسلامي الدولي، وبروة، ومصرف الريان”، وهو ما وسع من ‏نطاق المعارك بين القوات الحكومية وقوات الحوثي، وأدى إلى اشتعال ‏الصراع الحالي الذي حوّل الأوضاع في اليمن إلى مأساة إنسانية يصعب ‏حلها أو التعامل معها‎.‎

ودعمت أموال الفدية التي قدمتها قطر للمنظمات الإرهابية في اليمن من ‏أجل الإفراج عن عدد من الرهائن، قدرة هذه المنظمات على الاستمرار ‏والتوسع، وقد استطاعت قطر أن تتوسط وتفرج عن رهينة سويسرية ‏مختطفة لدى مسلحين في محافظة شبوة اليمنية، وهي ‏سيلفيا ايبرهارت البالغة من العمر 36 عامًا والتي خُطفت في 14 مارس 2012 ‏على أيدي مسلحين من منزلها في الحديدة، حيث كانت تعمل مدرسة في ‏معهد للغات، واقتادها الخاطفون إلى شبوة، حيث ينتشر تنظيم “القاعدة‎”.

وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، في 27 فبراير 2013، ‏جاءت طائرة خاصة إلى اليمن وعلى متنها دبلوماسيين قطريين ‏لاسترجاع السيدة “سيلفيا ايبرهارت”، وقال مسؤول يمنى بارز ومسؤول ‏أمن مطار إنهم شاهدوا 5 دبلوماسيين قطريين يترجلون من تلك الطائرة ‏حاملين حقائب معتقدين أنها مليئة بالأموال، وبعدها أخذوا المختطفة ‏واتجهوا بها إلى مطار الدوحة، بدون تحديد ظروف إطلاق سراحها بشكل ‏دقيق‎.‎

ما جرى من القطريين في قضية الرهينة السويسرية دفعت آنذاك وزير ‏الخارجية اليمنى الأسبق أبو بكر القربى، إلى الشكوى بإن هذه الترتيبات التي وضعتها قطر أدت إلى كارثة”، وقال ‏لصحيفة الشرق الأوسط: “إن اليمن ترفض تمامًا التعامل مع الإفراج عن ‏الرهائن المختطفين من خلال دفع الفدية.‏

المؤسسة الثالثة هي مؤسسة الشيخ عيد آل ثاني الخيرية، تأسست عام 1995 لتوفير المساعدات للمرضى والفقراء والمحتاجين، ويرأس إدارتها محمد بن عيد آل ثاني، وعبد الرحمن النعيمي، مؤسس منظمة الكرامة لحقوق الانسان والمدرج على قوائم الإرهاب الأمريكية، كما وضعت دول الرباعي العربي اسم القطري خالد سعيد البوعينين ضمن قائمة ممولي الإرهاب، حيث عمل البوعينين على جمع الأموال لتمويل الإرهابيين في سوريا بالتعاون مع أشخاص مدرجين ضمن لائحة العقوبات التابعة للولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة ومنسقي تنظيم “القاعدة”، وهم سعد بن سعد الكعبي، وعبد اللطيف بن عبد الله الكواري، كما عمل البوعينين كنقطة اتصال لحملة جمع الأموال في قطر ما بين عامي 2012 و2014.

كما تم إدراج اسم صالح بن أحمد الغانم وهو قطري الجنسية على قوائم الإرهاب المحظورة، حيث عمل في عام 2013 في فعالية قطرية لجمع الأموال للإرهابيين في سوريا، بالتعاون مع منسقي القاعدة الذين تم إدراجهم ضمن لائحة العقوبات التابعة للأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية خليفة محمد تركي السبيعي، وسعد الكعبي، والمدرجين في لائحة التحالف عبد العزيز بن خليفة العطية وحسن الدقي والإخواني الإرهابي وجدي غنيم.

كما يعد ملف القطري عبد العزيز بن خليفة العطية، من الملفات المليئة بالإثارة، فرغم رصد أنشطته المشبوهة مع التنظيمات الإرهابية، بادر أمير قطر تميم بن حمد، بتعيينه عضوًا في اللجنة الأوليمبية القطرية، بعدما عمل لسنوات في اتحاد البلياردو والسنوكر القطري رغم اعتقاله عام 2012 في لبنان، بعد ضبطه متلبسًا بتقديم دعم مالي لميليشيات إرهابية في سوريا، ومارست قطر ضغوطًا قوية على لبنان قادها خالد بن محمد العطية، وزير الدفاع القطري الحالي، لكون المتهم ابن عمه، حتى تم إطلاق سراحه.

واستخدمت قطر في ليبيا الجمعيات الإنسانية مثل: جمعية الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية القطرية “راف”، لتكون حاضنة لتنظيمات إرهابية، حتى إن الميليشيات التي كان يقودها إسماعيل الصلابي رجل قطر في ليبيا كان يطلق عليها راف أيضًا.

تمويل قطر لميليشيات حزب الله لا يحتاج إلى كشف جديد، ولكن الأدوار المعقدة التي تقوم بها الجمعيات الخيرية القطرية تحتاج من العالم إلى نظرة أخرى خاصة وأنها تستخدم النشاط الخيري الإنساني أموال التبرعات للتغطية على تمويل الإرهاب، وإخفاء أمواله وخداع الأجهزة الأمنية التي تلاحقه فضلًا عن دعمها لأنشطة المليشيات التخريبية تهدد في الصميم كيان الدولة سواء اللبنانية أو غيرها من الدول التي تستهدفها قطر بشكل يهدد السلم والأمن الدوليين على المدى الطويل ويدمر مصداقية العمل الأهلي بشكل عام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى