شرق المتوسط

ماكرون : لا أمل في الاستقرار بدون إصلاحات ” سياسية” ولبنان ليس القضية الخاسرة

بعد يومين من الانفجار الضخم الذي هز العاصمة اللبنانية بيروت وحولها إلى مدينة ” منكوبة” كان ” إيمانويل ماكرون” الرئيس الفرنسي أول الواصلين والمؤكدين على أن لبنان ليس وحيدًا.

العاصمة التي تسودها حالة من الفوضى العارمة والدمار تبدو وكأن سكانها كانوا متعطشين لهذه الزيارة التي لاقت استحسانًا شعبيًا عريضًا ، حتى أن حوالي 40 ألف مواطن لبناني وقعوا على عريضة لعودة الانتداب الفرنسي ، وربما تم تأويل العريضة على غير مرادها الأساسي .. فالمفهوم من التصرف بوضوح ليس دعوة مفتوحة لعودة الانتداب أو ” الاحتلال” بقدر ما هو نوع من اليأس من الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان وموجة الفساد غير المنتهية التي أدت لترد غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية.

 وكأن اللبنانيون يقولون بشكل أو بآخر أن ذل الاحتلال يبقى أهون من الأوضاع التي يعيشونها في ظل استقلال فقدوا فيه الوظائف ومقومات المعيشة الكريمة بل وحتى حياتهم بعد أن قررت الحكومة اللبنانية أن تتعامل بإهمال مع شحنة ” نترات الأمونيوم” وتركها مخزنة إلى ما يقرب من ستة أعوام في منطقة مكتظة وشديدة الحيوية ، في ” مرفأ بيروت”. اللبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي وصفوا كلمة ماكرون أثناء الزيارة بأنها كانت أصدق من الكثيرين داخل جمهورية ” نترات الأمونيوم”.

وبالعودة إلى زيارة ” ماكرون ” العاجلة إلى بيروت  فإنها تبرز حرص باريس على تأكيد ” الصلة ” و” العلاقات الخاصة” بين البلدين على مدى زمني ليس بالقصير، الزيارة تعد الثانية في تاريخ الرئاسة الفرنسية وتلحق بعد سنوات  بزيارة الرئيس الفرنسي ” جاك شيراك” إلى لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق ” رفيق الحريري” في 2005.

كما أن للزيارة أبعاد أخرى ينبغي فهمها في سياقها الصحيح لأنها تأتي في فترة دقيقة تشهدها لبنان والمنطقة بأكملها بعد تصاعد حملة الضغط القصوى ” الأمريكية – الإسرائيلية” على إيران ووكلائها وفي مقدمتهم بالطبع ” حزب الله” .

كما تأتي الزيارة وتوقيتها انطلاقًا من مسئولية تراها فرنسا ” تاريخية” على الرغم من  أنها لا تلاق  القبول الكامل من بعض الأطراف الإقليمية خصوصًا مع اعتقادهم أن ماكرون قد يحيد عن رغبة وزير خارجيته في ربط المساعدات إلى لبنان بالعمل على مكافحة الفساد أولاً، حيث ان لسيد الإليزيه وجهة نظر أخرى تتعلق بأن الانفجار الذي هز لبنان وضعها في نطاق المناطق المنكوبة وزاد على أوجاعها الكثير وهو الوضع الذي لا يتطلب أي نوع من المزايدات الحالية على هذا البلد أو هذا الشعب.

بينما تشير معلومات أخرى إلى أن فرنسا تسعى إلى حثّ الحكومة اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات اللازمة التي تشجِّع المانحين في مؤتمر سيدر الذي عُقد في باريس في عام 2018، على تحرير ما يربو على 12 مليار دولار من القروض والمنح التي كان من المفترض منحها بعد انتهاء المؤتمر.

وتأتي زيارة ماكرون، بعدما حلّ وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في لبنان في منتصف الشهر الماضي، وقال عقب اجتماعه بالقادة اللبنانيين في بيروت: “ساعدونا لكي نساعدكم هي الرسالة في زيارتي”، مضيفاً أنّ باريس مستعدة لحشد الدعم، لكن يجب أن يسبق ذلك تحرك ملموس في ما يتعلق بالإصلاح.

وعلى أية حال فإن تصريحات الرئيس الفرنسي خلال الزيارة اليوم كانت مقتضبة وركزت على أن لبنان يعيش أزمة اقتصادية وسياسية وهو ما يستدعي من الطبقة السياسية الحاكمة أن تقوم بإصلاحات حقيقية لأن هذه الإصلاحات لو لم تأخذ مكانها في الواقع فإن معاناة  هذا البلد ستستمر،  وهو ما لاقى ردود فعل مرحبة لدى جموع الشعب اللبناني الذي يرى في فساد الطبقة الحاكمة سببًا أساسيًا في ضياع كل جهود الإصلاح حيث أشار ” إيمانويل ماكرون” أيضًا أن باريس ستتولى تنسيق مساعدات الاتحاد الأوروبي إلى لبنان في الفترة القادمة.

وخلال الزيارة التقى ” ماكرون” الرئيس اللبناني” ميشيل عون” و رئيس الوزراء ” حسان دياب” وممثلين لكل التيارات السياسية حيث يعقد الكثيرون الآمال على هذه الزيارة التي أشار خلالها الرئيس الفرنسي إلى أنه قادم إلى لبنان ليقدم ” صفقة سياسية جديدة”.

وأثارت صورة انتشرت للرئيس الفرنسي ” إيمانويل ماكرون” وهو يتفقد بيروت وتحديدًا أثناء تواجده في منطقة الجميزة وسط جموع من الشعب اللبناني الذين هتفوا مطالبين بإسقاط النظام موجة من الغضب والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي والتي وصفت الصورة المتداولة بأنها محاولة لتصدير ماكرون وكأنه المنقذ الوحيد للبنان رغم أن هناك أطراف إقليمية عديدة لعبت دورًا كبيرًا في إرساء قواعد الاستقرار في لبنان، ووصف البعض الرئيس الفرنسي في أنه فشل في حل أزمة بلاده والاستجابة لمطالب متظاهري السترات الصفراء فكيف له الآن أن يحل مشاكل اللبنانيين.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\أبي أحمد\ماكرون1.jpg

تكثر التأويلات إذاً لمغزى الزيارة خصوصًا بعد تصريحات الرئيس الفرنسي على أنه جاء ومعه صفقة سياسية جديدة للفرقاء اللبنانيين، وينتظر الكثيرون ما سوف تسفر عنه الزيارة فعلى جانب يرى المتفائلون أن بنود صفقة سياسية يمكن أن تحل الكثير من الأزمات وتتجه بلبنان من وضع سياسي واقتصادي مأزوم إلى مرحلة أكثر استقرارًا بينما يقف على الجانب الآخر فريق يرى أن الطبقة السياسية الحالية طالما أنها مشمولة بالاتفاق أو الصفقة فإنها لن تلاق قبولًا لدى الشعب اللبناني بل ربما تتجه الأمور من سيئ لأسوأ حيث يظهر هذا السيناريو وكأنه أكثر واقعية خاصة في ظل احتدام الأوضاع التي ضاق بها الشعب ذرعًا وأصبح رافضًا لإعطاء أية فرص جديدة حتى وإن كانت برعاية فرنسية لأولئك الذين أضاعوها من قبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى