تركيا

ما وراء المناورات العسكرية التركية في أذربيجان

لا يزال الصراع حول “ناجورني كاراباخ” متأججا بين أرمينيا وأذربيجان، إما بحكم طبيعته التاريخية أو بحكم ما يلقى في عقر محركاته من وقود. ومن الجلي أن موسكو آثرت البقاء على الحياد –إلى أقصى درجة ممكنة- في محاولة منها لخفض التصعيد خلال لحظات تأججه الأولى. بمعنى آخر، أنه عندما ينحصر الصراع بين طرفيه الأرمني والأذري فقط، فإن الأرجح أن موسكو ستتخذ موقفا حياديا. لكن السؤال هنا يكمن في الموقف الروسي حيال تعاظم الدور التركي في هذا الصراع، وسعيها لتحقيق أكبر كم من المكاسب الـ “جيواستراتيجية” في منطقة القوقاز.

التحرك الأذربيجاني التركي

بدأت القوات الجوية التركية والأذربيجانية –الأربعاء 29 يوليو- بعمل مناورات عسكرية واسعة النطاق في أذربيجان. وامتد نطاق المناورات ليشتمل مناطق “باكو- ونخجوان- كنجة- كوردمير- يولاخ”، ومن المقرر أن تستمر المناورات وصولاً إلى تاريخ 10 أغسطس الجاري.

ويشتمل التدريب على مركبات مدرعة ومدافع هاون واختبارات متعلقة بمدى جاهزية الطائرات الحربية في البلدين. كما يجري خلال التدريب اجراء اختبارات على مدى جاهزية القوات العسكرية على تنفيذ أوامر قياداتها، وإطلاق النار من المركبات المدرعة والمدافع ومدافع الهاون على أهداف افتراضية للعدو.                                  رسميًا، علق الطرفان بأن هذه المناورات كان بالفعل مخطط لإجرائها منذ فترة طويلة. وفعليا، ليس من الممكن أبدًا النظر في أسباب إجراء هذه المناورات في منأى عن سياق الأحداث الجارية مع أرمينيا، التي تربطها بروسيا علاقات عسكرية وثيقة.                                                                       بمراجعة التحركات التركية الأخيرة عبر الساحة الدولية، يتجلى بوضوح كيف أن التوسعات التركية والأحلام العثمانية قد دفعت بأنقرة الى بلوغ حدودًا قد تكون غير مسبوقة في التاريخ التركي المعاصر. إذ أنها تقوم بشن عمليات عسكرية في سوريا يرافقها تحركات إزاء الضم الفعلي لهذه المناطق، وتشن حرب بالوكالة في ليبيا، وتمثل تهديدًا كبيرًا على المصالح القبرصية واليونانية في حوض شرق البحر المتوسط، وأخيرًا وليس آخرا، تهدد بالتدخل المباشر في الصراع الأرمني الأذربيجاني. لكن بالنظر إلى حجم التدريب وموقعه وتوقيته، يكون من الأفضل أن نطرح تساؤلات حول الدوافع التركية وراء الظهور بقوة في منطقة لطالما اعتبرت تقع في دائرة النفوذ الجيوسياسي الروسي؟!                                              من الواضح أن الدور التركي يحاول البروز بشدة عبر ساحات شاسعة من دول السلطنة العثمانية السابقة، ودول العالم الإسلامي حاليًا، بالإضافة الى رغبة تركيا الشديدة في أن تشكل تهديدا دائمًا ومقلقا للغاية على كل الدول المنافسة لها في النفوذ والمنازعة لها في المصالح.

وفي الحالة الراهنة، تجتمع في طبيعة الصراع الأرمني الأذربيجاني جميع العوامل السابقة التي تدعو إلى التدخل التركي، ومنها على سبيل المثال:

  • أنها دولة كان يخضع جزء منها للسلطنة العثمانية في الماضي، ومن ناحية أخرى هي دولة مسلمة.
  • ·         والأهم من كل هذا هو أنها تقع في دائرة النفوذ الروسي الذي يجمعه بموسكو مساحات خلافية في بقاع أخرى حول العالم.
  • كما أن أنقرة تحاول دائما الظهور في مشهد الزعامة الإسلامية، وفي دور الدولة التي تدعو إلى قيم الحق والخير والعدالة. وهذه المساعي تظهر في ضوء تحويل متحف آيا صوفيا الى مسجد على الرغم من كل نداءات واعتراضات دول العالم والمؤسسات المعنية بالحقوق الثقافية والتراث.
  • ·         وبالإضافة الى كل ما سبق، هناك ارتباط أيدولوجي يجمع بين تركيا ومعظم دول آسيا الوسطى وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا على غرار تتارستان وبشكريا، وهذا الترابط يقوم على القواسم المشتركة مثل الأسس العرقية والثقافية. ولهذا السبب تحاول أنقرة باستمرار أن تقوم باستخدام جميع الوسائل المتاحة لأجل تعزيز من قوتها الناعمة في تلك المناطق، بغرض استخدامها لتشكيل جماعات ضغط على صناع القرار.
  • هناك عامل آخر شديد الأهمية يدفع أنقرة للتدخل بكل قوتها في هذا الصراع، هذا العامل بالطبع يتلخص في مواد الطاقة أو بمعنى أدق الغاز. إذ أن أذربيجان تعد واحدة من كبار مصدري الغاز إلى تركيا. ويوفر الغاز الأذربيجاني الفرصة أمام أنقرة لأجل التقليل من اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية. بحيث يعمل خط أنابيب غاز تاناب الذي يصل بين أذربيجان وتركيا على مساعدة تركيا التي تسعى بالفعل للتقليل من حجم مشترياتها من الغاز الروسي. وتستورد تركيا بوجه عام 98% من الغاز و92% من النفط، والغاز الأذربيجاني يتميز بأسعاره التي تقل عن أسعار الغاز الروسي، كما أن أذربيجان تعد واحدة من كبار المستثمرين في تركيا وخاصة في قطاع الطاقة.
  • تتطلع أنقرة إلى تعميق شراكاتها مع باكو في المستقبل الغير بعيد، خاصة فيما بعد انتهاء عقد الغاز الرئيسي بين تركيا وروسيا في عام 2021. وهو العقد الذي تقوم تركيا بموجبه بالالتزام بشراء كمية محددة من الغاز الروسي سنويًا، مما يضمن تحقيق الهيمنة الأذرية على سوق الطاقة التركي. لكن إمكانية تخفيض تركيا لحجم مشترياتها من موارد الطاقة الروسية في المستقبل، بحد ذاتها يعد بمثابة نقطة ضغط على موسكو، التي تضع آمالا عريضة على مستقبل مشروع أنابيب الغاز ترك ستريم.

كيف ردت موسكو على التحركات التركية في أذربيجان؟

بدأ الجيش الروسي -31 يوليو- بعمل تدريبات عسكرية مكثفة تمتد لتشتمل على ثلاث مناطق “فولجوجراد –روستوف- أرمينيا“. وفي إطار التدريبات، تدفق الى تلك المناطق الثلاث تعداد 4 آلاف جندي من التشكيلات العسكرية للمنطقة العسكرية الجنوبية، وبدأوا في عقد تدريبات ثنائية. كما قامت الدبابات بإطلاق النيران الحية –خلال التدريبات- في سلسلة العجياز الأرمينية، على أهداف تقع في نطاق مسافات تصل الى 4 آلاف متر، ومخبأة خلف ثنايا التضاريس الجبلية. كما عملت الوحدات الهندسية خلال التدريبات على انشاء جدار يتم استخدامه كملجأ ضخم للمركبات المدرعة أثناء العمليات القتالية وأداء مناورات مضادة للنيران.

 كما تم الإعلان في وقتٍ سابق، عن البدء في التدريبات التكتيكية العسكرية في مناطق عدة داخل داجستان وأوسيتيا الشمالية والشيشان، وكذلك في القواعد العسكرية الروسية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. ويشارك في التدريبات ما يزيد على 5 آلاف جندي وتشارك 800 وحدة من الأسلحة والمعدات العسكرية. والتدريبات العسكرية الروسية الأرمنية، تتشابه مع مثيلتها بين تركيا وأذربيجان، من ناحية عدم احتمالية فهم أسبابه في منأى عن سياقه الحقيقي. والمقصود هنا بالطبع هو الأحداث المشتعلة في الوقت الراهن بين أذربيجان وأرمينيا، وتدخل تركيا بشكل يزيد عن اللزوم ودورها في تأجيج الأوضاع. ويبدو الأمر كما لو كان موسكو تخبر أنقرة، بأنه إذا كان هناك تظاهر بالقوة من أي نوع من ناحيتها، فإن روسيا ستكون دائما قادرة على الرد بإظهار قوة أكبر منها.         

الأرجح أيضًا، أن هدف موسكو من وراء مناوراتها مع يريفيان، ليس أن يُشكل ذلك استفزازًا لباكو من شأنه أن يزيد من حدة التصعيد ويرفع من احتماليات اندلاع حرب مشتركة بين البلدين. ولكن قد تكون هذه طريقة ترى فيها موسكو ضمانة لحفظ الأمن.

بمعنى أن موسكو قد تكون تواجه المساعي التركية لدفع البلدان نحو حرب مباشرة، من خلال الاحتفاظ بقوات لنفسها على الأراضي الأرمينية، حتى تحول دول إقدام البلدان على التحرك صوب حرب شاملة. وبوجه عام، يبدو المشهد العام في بلاد ما وراء القوقاز الآن، كما لو كان قوتان تتحركان ضد بعضهم البعض، روسيا وأرمينيا من جهة وتركيا وأذربيجان من جهة أخرى.

نظرة تحليلية على مستقبل الأوضاع

هناك قاعدة تقول، إن إظهار القوة لا يعني بالضرورة استخدامها. هذه القاعدة تستخدم في حالتنا بشكل واضح على كلاً من تركيا وروسيا. إذ أن تركيا تعاني بالفعل من صعوبات وتعقيدات اقتصادية كبيرة سقطت على رأسها جراء تدخلاتها المتكررة في الشئون الداخلية لعددًا ليس قليلاً من الدول الأخرى. ولا خلاف على أن تركيا ترغب في تأجيج الصراع بين أرمينيا وأذربيجان الى حد وقوع حرب مباشرة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنها سوف تشارك بنفسها في الحرب. والدليل على ذلك، هو عزوفها عن الدخول في اشتباكات مسلحة بشكل مباشر مع اليونان حول غاز شرق المتوسط من جهة، والدور التركي في ليبيا الذي اكتفت من خلاله بالتدخل عبر –الحرب بالوكالة- فقط وليس من خلال حربًا حقيقية عبر الاعتماد على قواتها المسلحة تشارك بها بشكل مباشر.

ومن الأجدر القول، إن الحرب من مصلحة تركيا لكنها إن اندلعت بالفعل، فإن أنقرة لن تتورط بها بشكل مباشر. وسوف تكتفي فقط بالتلويح بالقوة –كعادتها- والظهور في مشهد القائد الملك المنقذ لكل دول العالم الإسلامي. وعلى الناحية الأخرى، مسألة الحرب بين البلدان برمتها ليست في مصلحة روسيا على الإطلاق. لكنها وجدت نفسها في موقف تضطر فيه أن تلوح هي أيضًا بالقوة. وهذا التلويح في هذه الحالة لا يعني أن موسكو بدورها قادرة على التورط في حرب مباشرة بين الطرفين اللذين من مصلحتها عدم تورطهم في معارك مسلحة. أو بمعنى أدق نعني بكلمة –قدرة موسكو- على التورط في هذه الحرب، القدرة الاقتصادية تحديدًا.

وبوجه عام، يمتلئ المشهد الحالي برؤى متضاربة بين عدد من الأطراف يمتلك كلاً منهم أغراض خاصة به. ولهذا السبب لايزال احتمال التصعيد وصولاً الى حرب مباشرة قائمًا. لكنه لا يعني في الوقت نفسه احتمالية انخراط أي من الروس أو الأتراك بشكل مباشر في هذه الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى