دول المشرق العربي

“هيروشيما” بيروت.. من المسؤول وماذا بعد؟

مدينة منكوبة وأكثر من 130 قتيلًا و5000 جريح هي الحصيلة الأولية لما حدث بالأمس في مرفأ بيروت من انفجار مروع أضاف إلى لبنان البلد الغارق في الأزمات والمنزلق من حافة الهاوية نحو نهايتها إلى القاع السحيق من الفوضى أزمة جديدة قد تكون هي أسوأ ما عاصره في تاريخه الحديث، وتداعيات قد تكون هي الأقسى على لبنان سياسيًا وشعبيًا.

كيف حدث الانفجار؟

حسب المؤشرات الأولية فإن ما حدث في مرفأ بيروت انفجارين وليس انفجار واحد نتج عن حريق داخل العنبر 12 بالمرفأ، وهو ما أكده أولًا مدير الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم أن حاوية تضم كميات من نترات الأمونيوم كانت مخزنة في المرفأ منذ سنوات هي ما تسببت في هذا الانفجار، ثم أكد رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب عبر حساب الرئاسة اللبنانية على تويتر “لن أرتاح حتى نجد المسؤول عمّا حصل لمحاسبته وإنزال اشد العقوبات به، لأنه من غير المقبول أن تكون شحنة من “نيترات الأمونيوم” تقدّر ب ٢٧٥٠ طنًا موجودة منذ ٦ سنوات في مستودع من دون اتخاذ إجراءات وقائية معرضة سلامة المواطنين للخطر”.

وهو الكلام ذاته الذي صرّح به مدير عام الجمارك في بيروت بدري ضاهر، مشيرًا إلى أن حاوية نترات الأمونيوم تم احتجزها وتفريغها بمستودع خاص بالكيماويات في مرفأ بيروت، وكانت “محتجزة قضائيا، بسبب خلاف قضائي بين المستورد والشركة الناقلة، وتم احتجازها لصاح دعوى خاصة، وليست عامة”.

إذن الرواية الرسمية اللبنانية تلقي بالمسؤولية على شحنة نترات الأمونيوم التي ظلّت مخزنة في مرفأ لبنان منذ عام 2014. تعود هذه الشحنة إلى سفينة شحن ترفع علم مولدوفا أبحرت من مدينة باتومي في جورجيا وواجهت عطلًا فنيًا قرب المياه الإقليمية اللبنانية، فاتجهت إلى مرفأ بيروت لإصلاحه، وهناك تم احتجاز الشحنة وتخلى عنها أصحابها، إلى أن أفرغت سلطات المرفأ الحمولة إلى العنبر 12 في عام 2014، وظلت به حتى وقوع الانفجار، وذلك حسب تقارير لموقع العربية.

المثير للاهتمام في أمر هذه الشحنة أن أحدًا لم يتحرك من السلطات اللبنانية الرسمية أو غير الرسمية للبت في أمر هذه الشحنة من المادة القابلة للاشتعال والتي تُستخدم في صنع المتفجرات، رغم تقدُّم مدير عام الجمارك بدري ضاهر بأكثر من خطاب لقاضي الأمور المستعجلة للنظر في أمر هذه الشحنة والبت في أمرها نظرًا لما تمثله من خطورة شديدة.

http://www.lebanondebate.com/images/miscfiles/111-226.jpg

دولة حزب الله

الكثير من التقارير أكدت أن مرفأ بيروت خاضع بشكل أو بآخر شأنه شأن كل ما في لبنان من رأس الحكومة وحتى أقل شؤون لبنان لسيطرة حزب الله، وأن الحزب استخدم المرفأ لنشاطه العسكري، ومن هذا المنطلق أكد مراقبون أن ما يخص هذه الشحنة من نترات الأمونيوم كانت خاضعة لقرار حزب الله وقوله، وخُزنت بجوارها شحنات من الأسلحة والذخائر، وهو ما يفسر تلكؤ المؤسسات اللبنانية في التصرف بشأنها، ويفسر الانفجار الأول الذي حدث في المرفأ.

وأشار تقرير لشبكة فوكس نيوز الأمريكية إلى أن مصادر متعددة أكدت أن معظم العمليات كانت تحت سيطرة “غير رسمية” لحزب الله وظهرت مؤشرات على اندلاع حريق في مستودع متفجرات داخل المنشأة. كما أشارت عدة مصادر إلى عمليات الجريمة المنظمة التي نفذت خارج الميناء، والتي يسيطر عليها حزب الله في المقام الأول، وأن الانفجار يحتمل أن ينطوي على “حاويات متعددة” وأنه بناء على تحليل فيديو للانفجارات، وقعت انفجارات صغيرة قبل الانفجار الأضخم. 

newscdn2.weigelbroadcasting.com/UE3s1-159664540...

وكانت إسرائيل قد كشفت في أكتوبر 2018 وجود مبادرة من حزب الله لإنشاء مصانع لتجميع الصواريخ الدقيقة في بيروت، أحدها كان داخل مرفأ بيروت، وآخر داخل ملعب كرة قدم، وآخر بالقرب من مطار رفيق الحريري الدولي.

https://www.palinfo.com/Uploads/Models/Media/Images/2020/8/5/-434093733.jpg

هذا إلى جانب حديث المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للجمهور العربي أفيخاي أدرعي في يوليو من العام الماضي أن مرفأ بيروت يُستخدم كمحور نقل بحري للأسلحة من إيران إلى حزب الله، ومطار بيروت يُستخدم كمسار جوي، وإلى جانبه منشآت لتحويل صواريخ إلى دقيقة.

ومن ثم فإنه قد بات راسخًا أن الحكومة اللبنانية هي ضيف في هذا البلد على المتحكم الأساسي فيه وهو حزب الله الذي كان اللاعب الأساسي في تشكيلها في فبراير الماضي.

الوحدة الوطنية لمواجهة الكارثة

رئيس الوزراء اللبناني حسّان دياب أكد في حديثه إلى اللبنانيين مساء أمس حول الحادث أنه سيتم محاسبة كل المسؤولين عن هذه الكارثة الكبرى، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن “بيروت ثكلى ولبنان كله منكوب وإنها محنة لا تنفع في مواجهتها إلا الوحدة الوطنية، وما حصل اليوم لن يمر من دون حساب وسيدفع المسؤولون عنه الثمن، سنتعامل على مستوى المسؤولية وأناشدكم التوحد لنضمد جراح الوطن”.

حديث دياب عن الوحدة الوطنية يأتي في سياق عاصفة من الاتهامات وأصابع اللوم التي توجه إليه وحكومته بعد الفشل في انتشال البلاد من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها، وعرقلة مسيرة مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي حول حزم المساعدات لرفض حزب الله لها، بجانب تعمق الأزمات المعيشية للمواطنين الذين أصبح جُلهم تحت خط الفقر رسميًا بفعل الانهيار المستمر في سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار، وستزاد أزمتهم الغذائية باستهداف مخازن القمح في مرفأ بيروت، وتدمر المرفأ الذي يُعد شريان الحياة للبنان.

ولم يكن دياب هو المتحدث الوحيد عن الوحدة الوطنية، إذ نشر حزب الله بيانًا هو الآخر تعليقًا على الحادثة، أكد فيه أن “هذه الفاجعة الأليمة وما خلفته من دمار غير مسبوق وعواقب خطيرة على مختلف المستويات الإنسانية والصحية والاجتماعية والاقتصادية تستدعي من جميع اللبنانيين وجميع القوى السياسية والفاعليات الوطنية التضامن والوحدة والعمل المشترك لتجاوز آثار هذه المحنة القاسية والوقوف مجددًا بعزم وإرادة لمواجهة الصعاب والتحديات المستجدة”.

خطاب دياب يمكن حمله على محاولة الرجل النجاة بنفسه وحكومته من الآثار المدمّرة التي خلفتها التفجيرات على كافة الأصعدة في مواجهة الغضب الشعبي العارم الذي وصل إلى ذروته بعد التفجير من عدم نجاح الحكومة حتى الآن في حل أي من مشاكل اللبنانيين، وتحميل مسؤولية أي قصور أو تقصير على الحكومات السابقة.

تصريحات الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء حسّان دياب حول محاسبة المسؤولين عن الحادث لا يمكن أخذها على محمل الجد، خاصة مع إعلان مجلس الدفاع الأعلى بالأمس عن فتح تحقيق في الحادث، وكما هو معهود في بيروت فإن التحقيقات تأخذ سنوات وسنوات دون الوصول إلى نتيجة، ولعل التحقيقات في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري أبلغ دليل على ذلك، وهي القضية التي كان من المنتظر أن يتم إصدار الحكم فيها يوم 7 أغسطس، وتم تأجيله إلى يوم 18 أغسطس المقبل على خلفية الانفجار، وهو الحكم الذي كانت تنتظره الدولة اللبنانية وتتحسب لتبعاته وتداعياته، خاصة وأن أربعة من عناصر حزب الله من المنتظر أن يصدر الحكم بإدانتهم في قضية مقتل الحريري. وبناء على ذلك السجل من التحقيقات ستكتفي الدولة اللبنانية بتحميل مسؤولي المرفأ مسؤولية التفجير، وهم الذين تم إخضاعهم اليوم تحت الإقامة الجبرية لهذا الغرض.

ويبدو أن ما مضى من عمر حكومة دياب سيكون أفضل بكثير مما بقي لها، فالخسائر المادية التي خلّفتها التفجيرات والتي قدّرها محافظ بيروت بنحو 5 مليار دولار، والانهيار الاقتصادي الذي سيتعمق على إثر التفجيرات قد قضى على أي أمل في إمكانية نجاة لبنان من السيناريو الاقتصادي والمعيشي المأساوي الذي بدأ السير وفقه منذ سنوات، ويسير بخطى متسارعة نحو إتمامه.

من المستفيد؟

حسب قاعدة ابحث عن المستفيد تعرف الفاعل يمكن الحديث عن إسرائيل بصفتها المستفيد الأكبر مما جرى في بيروت، فحزب الله في مواجهة مشتعلة منذ 2006 مع إسرائيل، شهدت هذه المواجهة أحد حلقاتها الأسبوع الماضي بعد إقدام عناصر من حزب الله على الهجوم على قوات إسرائيلية في مزارع شبعا ردًا على استهداف إسرائيل لأحد عناصر الحزب في سوريا إثر غارة جوية لموقع عسكري قرب مطار دمشق الدولي.

الخبراء الإسرائيليون أجمعوا على إلقاء مسؤولية هذا التفجير على حزب الله، متحدثين عن أن المرفأ كان يحتوي على مخزن للأسلحة أو المتفجرات التابعة للحزب، وبالحديث عن ما سلف ذكره من تقارير استخبارية إسرائيلية في عام 2018 تشير إلى استخدام الحزب للمرفأ لإنشاء مصنع لتحويل الصواريخ إلى دقيقة، وحديث المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن استخدام الحزب للمرفأ لاستقبال الأسلحة الإيرانية، فإن التفجير قد يكون نابعًا من تحرك إسرائيلي حاربت فيه إسرائيل حزب الله بنفس السلاح الذي اقترحه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في حرب يوليو 2006 باستهداف حاويات الأمونيا في مطار حيفا الإسرائيلي ومن ثم تحويلها إلى قنبلة نووية تودي بحياة الآلاف.

وسواء كانت إسرائيل هي التي تقف وراء هذا التفجير أو كان التفجير عرضيًا فإنها هي المستفيد من حدوثه في إطار مواجهتها مع حزب الله، إذ إن هذا التفجير ستكون له تداعياته الصعبة على حزب الله، خاصة مع الحكم المنتظر في قضية اغتيال الحريري، والذي من المنتظر أن يدين الحزب ويفرض عليه عقوبات، ويضعه في مواجهة شرسة أمام اللبنانيين. ومن ثم يأتي هذا التفجير ليصعب من موقف الحزب على الصعيد الإقليمي على وقع الضربات التي يتلقاها وإيران في سوريا من قبل إسرائيل، وفشل هجومه الأخير في مزارع شبعا. ويصعب من موقفه أمام القوى اللبنانية والشعب اللبناني الذي ألقى المسؤولية كاملة عليه بعد هذا التفجير بغض النظر عن نتيجة التحقيقات. 

يتعرض حزب الله بموجب كل ذلك إلى ضغوط شديدة ستضعه أمام خيارات صعبة، إما الانكفاء على الذات ومحاولة عبور هذه الفترة العصيبة بأقل قدر من الخسائر السياسية والشعبية، وبالتالي زعزعة صورته كقوة ردع أمام إسرائيل، وكمسيطر على الساحة السياسية اللبنانية. إذ لن يرغب في الدخول في اشتباكات أخرى مع إسرائيل تكون كفيلة برد إسرائيلي قاسٍ يصيبه إصابة بالغة في وقت ضعف.

أو يواجه حزب الله واقعه المأساوي داخليًا، مع توجيه أصابع الاتهام نحوه من قبل السياسيين والمواطنين، ورفض معظم القوى السياسية وفي مقدمتها تيار المستقبل لسيطرته على مقاليد الأمور، وتزايد وتيرة المظاهرات الرافضة له والداعية لسحب سلاحه، حتى في معقله الأساسي بالضاحية الجنوبية، ومن هنا قد يكون الانفجار فرصة للبنانيين لواقع أفضل بالتخلص من هيمنة ونفوذ حزب الله على البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى