تركيا

القتل الصامت.. إعدام جنرالات الجيش التركي قصة لا تنتهي

لا شك أن السياسات الخارجية لتركيا منذ بدء ما يُسمى بـ “الربيع العربي” بات لها وقع تصادمي عنيف مع دول الجوار والمحيط الإقليمي، وعلى قدر هذا التصادم المزعج لموازين القوى التقليدية في المنطقة، كان الداخل في المؤسسة العسكرية يغلى ويموج، ضمن حركة تنقلات وإقالات بالجملة شملت مختلف الرتب العسكرية وصولًا لقادة الجيوش والأفرع الرئيسية، ولاسيما بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016.

إذ تشير التقديرات إلى فصل أكثر من 20 ألفًا من الدرجات والرتب المختلفة والموظفين المدنيين من القوات المسلحة التركية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة وحتى الآن. كما تستمر التحقيقات مع نحو 5 آلاف و34 عنصرًا من العاملين في القوات المسلحة. إلا أن حركة النقل والإقالة لم تكن كافية لتطويع الجيش التركي ضمن سياسات الرئيس أردوغان. وظهر منذ مطلع العام الجاري نمطًا جديدًا لأعمال “التطويع”، كان أكثر “تصادمية” من السياسات الخارجية التوسعية التركية، إذ انطوى النمط على “قتل صامت” لعناصر من كبار قادة القوات المسلحة التركية والأجهزة الأمنية ولاسيما “الاستخبارات” الذين عارضوا سياسات الرئيس التركي، وكانوا إما على علم بطبيعة الارتباطات التركية مع التنظيمات والجماعات الإرهابية العاملة في سوريا أو بطبيعة النشاطات السرية الإيرانية في تركيا. فكانت النتيجة واحدة وهي التخلص منهم بالقتل.

وفي هذا الصدد كان نصيب الأسد من الوثائق المسربة من التحقيقات والشهادات مع الذين عايشوا جرائم “القتل الصامت”، لمركز “نورديك مونيتور” السويدي المعني بدراسة الإرهاب والاستخبارات. 

إنه يوليو من العام 2019، يقف “هاكان فيدان” رئيس جهاز الاستخبارات التركية، في عزاء، وعلى كتفه صورة لضابط في جهاز الاستخبارات “عثمان كوسيه”، كان يعمل ضمن بعثة القنصلية التركية في أربيل، وتعرض لحادث إطلاق نار أودي بحياته.

توصل “نورديك مونيتور” عبر مصادر لم يسمها إن عثمان كوسه الضابط بجهاز الاستخبارات الوطنية التركي قُتل لأنه “كان يعلم أكثر من اللازم” عن الأنشطة الإيرانية في بلاده. وطبقًا لعدة مصادر تحدثت مع “نورديك مونيتور” أرسل كوسه إلى مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق منذ نحو 6 أشهر تحت غطاء دبلوماسي.

وأوضحت المصادر أن إرساله إلى العراق كان يستهدف إزاحته عن العمل بالملف الإيراني في المقر الرئيسي وقتله مع إلقاء اللوم على حزب العمال الكردستاني. وكانت تحقيقات قضائية قد كشفت في السابق عن أن بعض المشتبه فيهم المحتجزين في قضايا اتهمت فيها عناصر حزب العمال الكردستاني كانوا في الواقع يعملون لصالح جهاز الاستخبارات التركي.

ومن “عثمان كوسيه” الذي قُتِل في شمال العراق، تكررت الواقعة مرة أخرى ولكن هذه المرة في ليبيا، وبطلها ضابط الاستخبارات العقيد “أوكان ألتيناي”. 

قالت مصادر إن الهدف من إرسال العقيد المتقاعد إلى ليبيا هو التخلص منه كونه شاهدًا رئيسيًا على اطلاع واسع بصلات حكومة أردوغان والجماعات المتطرفة.

ونقل المركز السويدي عن 3 مصادر مقربة من الاستخبارات العسكرية -لم يحدد هويتها- قولهم إن جهاز الاستخبارات التركي كان يخطط لاغتيال العقيد ألتيناي؛ حيث قُتل في قصف على ميناء طرابلس، وتعمدت إرساله إلى ليبيا للإيقاع به.

وأوضح أن العقيد ألتيناي عمل لسنوات في مديرية الاستخبارات بهيئة الأركان العامة وحضر اجتماعات سرية للمعارضة السورية والجماعات المتطرفة مع المسؤولين الأتراك. وتطرق المركز السويدي إلى أن هيئة الأركان أرسلته لحضور هذه الاجتماعات في أنقرة وإسطنبول لمراقبة وتسجيل ما يجري، لعدم ارتياحها لصلات جهاز الاستخبارات الوطنية التركية الوثيقة بالجماعات المطرفة، وعلى رأسها تنظيم “القاعدة” الإرهابي. وقال أحد المصادر للمركز السويدي، إن “ألتيناي كان يعرف كثيرًا من الأسرار ويمكنه أن يفضح أمر حكومة أردوغان في النهاية”.

وطبقاً للمصادر الثلاثة المقربة من الاستخبارات التركية التي تحدثت لـ “نورديك مونيتور”، فإن أحدهما أشار إلى أن العقيد “ألتيناي” قد اشتبك مرات عدة مع “كمال اسكنتان”، الذي يشغل الآن منصب رئيس العمليات الخاصة في جهاز الاستخبارات التركية، وأن “اسكنتان” يحظى بدعم “هاكان فيدان” والرئيس “أردوغان”، اللذين استخدما “اسكنتان” لتنفيذ العمليات السرية وإيصال السلاح لتنظيم القاعدة في سوريا، ما كان يغضب العقيد “ألتيناي” والدوائر المقربة من الجيش. 

وعندما تورط إسكنتان في دعم الجماعات المتطرفة على الأراضي الليبية بأمر من حكومة أردوغان، كُلف ألتيناي أيضًا بالعمل في طرابلس. وأشارت تقارير إلى مقتل ألتيناي وضابط الاستخبارات “سنان كافلر” بشكل منفصل في 18 فبراير الماضي؛ إثر قصف للجيش الوطني الليبي على ميناء طرابلس يستهدف سفينة تركية كانت تحمل أسلحة وذخائر.

مسلسل “القتل الصامت” لم يتنه عند عتبة “ألتيناي”، بل كان آخر الضحايا ضابطًا تركيًا كبيرًا في الجيش. اكتشف تحويل التمويل القطري غير المشروع للمتطرفين في سوريا عبر تركيا.

وقد حصل “نورديك مونيتور” على هذا الكشف من خلال استحواذه على وثائق محاكمة العقيد “فرات ألاكوش”، الذي عمل في قسم الاستخبارات في قيادة القوات الخاصة. وقال ألاكوش في شهادته أمام المحكمة الجنائية العليا بالعاصمة التركية في 20 مارس 2019 إن الفريق زكاي أكسكالي، رئيس قيادة القوات الخاصة آنذاك، قد أصدر أمرًا باغتيال العميد “سميح ترزي”، لأن الأخير اكتشف أن أكسكالي كان يعمل سرًا مع جهاز الاستخبارات الوطنية في إدارة العمليات السرية غير المشروعة في سوريا، بهدف تحقيق مكاسب شخصية وجر تركيا بشكل أعمق في الحرب الأهلية السورية.

وتابع ألاكوش في شهادته: “ترزي كان يعرف مقدار التمويل الذي تم تسليمه إلى تركيا من قبل قطر لغرض شراء الأسلحة والذخيرة للتنظيمات المسلحة، كما يعرف حجم الأموال التي تحصل على بعض المسؤولين الأتراك جراء تلك العمليات المشبوهة، وكم تم استخدامه بالفعل من قبل المسؤولين الحكوميين، وكم تم اختلاسه”. وأشار كذلك إلى أن الحالة القطرية ليست سوى مثال واحد على كيفية استغلال الأموال بشكل خاطئ، وأن هناك دولًا أخرى تم اختلاس أموالها أيضًا بعد تحويلها إلى تركيا.

وأضاف أن “تيرزي” كان يعرف كل المعاملات القذرة للمخابرات التركية وعن عصابة في الجيش بقيادة أكساكالي، كانت تعمل على تنفيذ المهام “القذرة” خارج سلسلة القيادة وتفتقر إلى التفويض من كبار الضباط في هيئة الأركان العامة. وأكد أن هذه كانت القصة الخلفية والسبب الفعلي الذي أعطى أكساكالي أوامر متعددة لإعدام ترزي، الذي تم استدعاؤه إلى أنقرة من مقاطعة حدودية بحجة توفير الأمن في المقر ضد تهديد إرهابي في العاصمة التركية. 

ألاكوش في شهادته أمام المحكمة الجنائية العليا، قدّم تفاصيل أكثر دقة عن مدى معرفة “ترزي” بالكثير من الأمور والمعاملات المشبوهة بين دوائر الاستخبارات التركية وقيادة القوات الخاصة، حيث أفاد ألاكوش الذي كان يشغل منصب يتيح له معرفة المعاملات السرية كرئيس لوحدة الاستخبارات في قيادة القوات الخاصة، أن “العقيد ترزي كان على علم بهوية الشخصيات الحكومية المتورطة في عمليات تهريب النفط من سوريا، وكيف تم تقاسم الأرباح، مضيفًا أن العميد ترزي كان على علم أيضًا بتحركات بعض المسؤولين الحكوميين الذين أجلو قيادات التنظيمات المسلحة والإرهابية لتلقي العلاج في تركيا تحت ستار قوات “الجيش السوري الحر”، ومقدار الأموال التي تلقوها كرشى مقابل الخدمات المقدمة، ما يعد خرقاً للقانون التركي.

وفقا لألاكوش، كان تيرزي يعرف الكثير عما يجري في العراق. فكان على دراية وثيقة بمفاوضات الرهائن مع داعش التي أجرتها الاستخبارات الوطنية التركية، من أجل تحرير الرهائن الأتراك المحتجزين عندما احتل داعش القنصلية التركية في الموصل. وأكد ألاكوش أن بعض الأموال التي أعطتها تركيا لداعش تم دفعها في الواقع من قبل مسؤول تركي استخدم الأموال المختلسة سابقً لشراء حوالي 24 شقة في أنقرة. ولم يذكر المسؤول في شهادته.

وخلال جلسة الاستماع، كشف ألاكوش عن شراء تركيا لصفقة أسلحة من العراق وذلك لتسليح قوات “الجيش السوري الحر”، وقال إن “ترزي” احتج كتابيا على شراء أسلحة وذخائر بقيمة 16 مليون دولار من العراق من قبل قيادة القوات الخاصة في ربيع عام 2016. وكتب ترزي أنه كان انتهاكًا للقانون التركي واشتكى من الصفقة التي أذن بها سرا من قبل “أكسكالي”، كما أفاد ألاكوش أن ترزي كان يعلم بكيفية إدارة الرئيس التركي إردوغان لهذه الأموال.

وعن كيفية مقتل العميد “سميح ترزي”، قال ألاكوش: ” إنه في خلال محاولة الانقلاب التي جرت في يوليو 2016، تلقى ترزي دعوة إلى أنقرة من قبل أكسكالي على الرغم من حظر الطيران الذي فرضته عليه هيئة الأركان العامة، وسُمح لرحلة ترزي بالإقلاع من مدينة سيلوبي بإذن خاص.

وفي غضون ذلك، أمر أكسكالي ضابطَ صف اسمه “عمر خالص دمير”، وهو أحد مساعدي الفريق أكسكالي، بقتل ترزي لدى وصوله إلى مقر قيادة القوات الخاصة. فأطلق خالص دمير النار على ترزي وأصابه بجروح حين كان على وشك الدخول إلى المقر. ثم أُخِذ ترزي إلى أكاديمية جولهان الطبية العسكرية ولكنه قضى نحبه متأثرًا بجروح الرصاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى