الاقتصاد المصري

“الروبيكي”.. شريان جديد في جسد صناعة الغزل والنسيج

منذ سبعينات القرن الماضي وتعاني صناعة الغزل والنسيج بمصر من كبوات متتالية، أدت إلى تدهور واحدة من أبرز وأجود الصناعات المصرية، والتي تفردت بصناعتها منذ العصر الفرعوني وحتى الروماني وصولا إلى الانطلاقة الحقيقية لهذه الصناعة على يد طلعت حرب، حينما أنشأ شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى في عشرينيات القرن الماضي. 

وتجلت الأزمة بانخفاض المساحة المنزرعة بالقطن المصري طويل التيلة– أحد أجود أنواع القطن بالعالم- من مليوني فدان إلى 132 ألف فدان عام 2016، الأمر الذي تم تداركه سريعا بوضع خطة شاملة بتكلفة تصل لنحو 100 مليون جنيه لتطوير كافة مراحل الصناعة لإعادة صناعة الغزل والنسيج لسابق عهدها. 

مشاكل متشعبة

عانى قطاع الغزل والنسيج لعقود طويلة نتيجة عدم تجديد وتطوير الميكنة والمحالج، خاصة في فترة السبعينات مع الانفتاح الاقتصادي الذي سمح بدخول القطاع الخاص في الصناعة لأول مرة، بالتزامن مع صدور قانون قطاع الأعمال العام وخصخصة الشركات الخاسرة، حينئذ ترك الصناعة أكثر من 100 ألف عامل، ووصلت خسائرها إلى 33 مليار جنيه، وبعد أن كانت مصر من أكثر الدول تصديراً للمنسوجات صارت مستورداً رئيسياً لها.

وترجع الخسائر الكبيرة التي تكبدتها شركات النسيج الحكومية والتي وصلت إلى 2.7 مليار جنيه، إلى زيادة تكاليف الإنتاج، فضلاً عن تزايد ديون بعض المصانع للجهات الحكومية مثل التأمينات الاجتماعية التي تسببت في إغلاق نصف المصانع، وارتفاع أسعار الكهرباء، بجانب وجود عجز في العمالة المدربة، ورفض جهات التمويل دعم مشروعات الغزل والنسيج والملابس، وعدم تحديث المصانع منذ سنوات، وعدم القدرة على تسويق المبيعات، كذلك زيادة حجم البضائع المهربة التي لا تسدد الجمارك والضرائب، ويتم طرحها بأسعار أقل من المنتجات المحلية. هذا إلى جانب انخفاض الجمارك على واردات الغزول، مما ساهم في معاناة الصناعة الوطنية من الإغراق.

هذا فضلا عن تدهور المراحل السابقة لمرحلة الصناعة، فعلى الرغم من اشتهار مصر منذ عقود بالذهب الأبيض بلا منافس في الأسواق العالمية، فقد كانت المساحة المنزرعة من القطن المصري تصل إلى 2 مليون فدان في خمسينيات القرن الماضي (ذروة ازدهار صناعة الغزل والنسيج) إلا أن حجم زراعة القطن تدهورت خلال الآونة الأخيرة نتيجة الاعتماد على الاقطان المستوردة قصيرة التيلة لرخص سعرها، واتجاه المزارعون إلى محاصيل ذات عوائد أعلى.

وذلك بالتزامن من رفع الحكومة أسعار القطن طويل التيلة، مما يحد من قدرة شركات الغزل والنسيج على المنافسة، لاسيما أن الغزول المستوردة من الخارج سواء من الهند أو إندونيسيا أو بنجلاديش أو باكستان أو فيتنام تكون أسعارها منخفضة، لأنها تدعم هذه الزراعة من ميزانية الحكومة، ولكن في مصر شركات الغزل والنسيج هي ما تتحمل الدعم إلى المزارعين، وليس الحكومة.

هذا فضلا عن تدهور أوضاع محالج ومصانع الغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى على مدار ما يقرب من عشرين سنة، وتعرضها لإهمال كبير ولخسائر فادحة وبيع أراضي الشركات في مزاد علني الأمر الذي أدى إلى تشريد الآلاف العمال. ففي محافظة الغربية لم يتبق سوى 9 محالج بعد أن كانت مدينة المحلة الكبرى وحدها بها 10 محالج جعلت من مدينة المحلة قلعة للنسيج على مدار عصور طويلة.

حلول ناجزة 

ونتيجة لكل هذه العراقيل التي واجهت صناعة الغزل والنسيج، اتجهت الدولة إلى اتخاذ عدد من الخطوات التي من شأنها عودة الروح لصناعة الغزل والنسيج مرة أخرى، وضعت الحكومة خطة لتطوير القطاع تصل تكلفتها إلى 20 مليار جنيه، تهدف من خلالها إلى دمج شركات الغزل والنسيج من 32 شركة إلى 10 شركات فقط.

وكانت أحد أهم الخطوات التي تبنتها الدولة للنهوض بالصناعة زيادة المساحات المنزرعة من القطن المصري طويل التيلة، وبالفعل اتجهت المساحات المنزرعة في الزيادة مرة أخرى بما يقارب ضعف المساحة في عام 2016.

D:\مرصد\نوعي\الروبيكي\download.jpg

كما تبنت جمعية قطن مصر برنامج لتحسين استدامة القطن المصري بالتعاون مع منظمة الأمم المُتحدة للتنمية الصناعية، مما أسفر عن ارتفاع إنتاجية المناطق التجريبية الخاضعة للمشروع والتي تتبنى ممارسات مستدامة بنسبة 30% وانخفاض استهلاك المياه بنسبة 25 إلى 30%.

فوفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في نشرته الربع سنوية المخصصة للقطن، بلغ المنتج من القطن خلال الفترة من سبتمبر 2018 حتى نهاية فبراير 2019 (رُبع سنة) ما إجماليه 828 ألف قنطار متري (ق.م وتساوي 50 كيلو جراما) مُقابل 599.7 ألف (ق.م) بزيادة قدرها 38.1%.

كما اتخذت الدولة سبيل أخر في إطار خطتها الشاملة للنهوض بصناعة الغزل والنسيج، بتطوير محالج القطن، وكانت البداية في يوليو 2019، بافتتاح محلج الفيوم الجديد بمساحة 10 أفدنة، بتكلفة 250 مليون جنيه، وبطاقة 2250-2400 قنطار يوميًا. 

D:\مرصد\نوعي\الروبيكي\550.jpg

ومن المقرر أن يصل عدد المحالج التي يتم تطويرها على مستوى الجمهورية إلى 11 محلجًا، بدلا من 25 محلجا بعضها أصبح في مناطق لا تزرع القطن حاليا. على أن تكون مركزة في مناطق الزراعات في كفر الشيخ وفى دمنهور في المرحلة المقبلة، ويمكن للمحالج الجديدة حلج 4 ملايين قنطار قطن حيث تصل الطاقة الإنتاجية لمحلج الفيوم – واحدًا من أقدم المحالج في مصر حيث يعود إنشائه إلى عام 1876 – بعد التطوير 5 أطنان / ساعة، وذلك على مساحة إجمالية تبلغ 10 أفدنة. وقد أبدى المدير العام بشركة باجاج الهندية المنفذة لمحلج الفيوم استعداده لتطوير كل المحالج في مصر لتصبح في نفس مستوى محلج الفيوم حال التوصل إلى اتفاق مع الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج.

كما بدأت الدولة في تدشين أكبر مدينة لصناعة المنسوجات والملابس في مصر المعروفة باسم «مان كاى» على مساحة 3.1 مليون متر مربع في مدينة السادات بمحافظة المنوفية، وتضم 592 مصنعاً، وتوفر 160 ألف فرصة عمل.

وتستهدف الدولة الوصول بقيمة الصادرات إلى 55 مليار دولار بحلول 2022 مقارنة بـ25 مليار دولار في 2018.

الروبيكي.. منطقة صناعية شاملة

الروبيكي” اسم بدأ يتردد منذ سنوات قليلة، كمدينة لصناعة الجلود كبديل أمِن ومتطور لمدابغ منطقة مجرى العيون، لكن حقيقة الأمر إنها منطقة صناعية متكاملة تضم عدد من الصناعات المختلفة، تم افتتاح جزء جديد منها منذ أيام، خاص بصناعة الغزل والنسيج، بهدف تحقيق قيمة مضافة للقطن المصري، بدلا من تصديره في شكل خام، وجاري انشاء عدد أخر من مصانع المشغولات المعدنية والخشبية والمهمات الوقائية.

http://gate.ahram.org.eg/Media/News/2020/7/27/19_2020-637314882015559821-555.jpg

وأوضحت دراسات جدوى المشروع إنه لو صنع القطن في شكل غزل؛ فإنه يحقق 50٪ قيمة مضافة له، ولو صنع كقماش «تريكو» تكون قيمته المضافة 160٪، أما لو صنع في شكل منتج نهائي، فإن القيمة المضافة المحققة في تصنيع القطن تكون 471٪.

وتضم المرحلة الأولى من منطقة الغزل والنسيج بالروبيكي 6 مصانع وكل مصنع له مخزنين للخامات، بإجمالي مساحة 160 ألف متر مربع، بدأ التحضير للمجمع الجديد منذ 2017، وبدأ تنفيذه في 2018، إلى أن انتهى تنفيذ هذه المرحلة حاليًا خلال 30 شهر، بأيدي 26 شركة وطنية، ومن خلال ثلاث مكاتب استشارية، وبتنفيذ 44 ألف عامل، وتحت اشراف 1100 مهندس ومشرف. وتم التعاون في هذا مع خبرات عالمية ناجحة في مجال مشروعات الغزل والنسيج (تمت الاستعانة بتكنولوجيات المانية، وسويسرية، وإيطالية، وإسبانية) بهدف النهوض بتلك الصناعة، كما أن هناك تعاونا مع جامعات مصرية في مجال أبحاث الغزل والنسيج، والتدريب.

ويضم المشروع محطة لمعالجة الصرف الصناعي بطاقة 4 آلاف متر مكعب في اليوم، ويتم استخدام ألف متر مكعب فقط خارجيًا. كما تم تنفيذ 6 محطات ترطيب بها مجموعة كبيرة من المراوح لسحب الهواء من الصالة المحمل الغبار وتنقيته وإعادة ضخه بعد ذلك في المصنع

{"description":"\u0645\u0635\u0627\u0646\u0639 \u0627\u0644\u0631\u0648\u0628\u064a\u0643\u064a"}

ويوفر المشروع ١٣٥٠ فرصة عمل كعمالة مباشرة، وقرابة ١٢ ألف فرصة عمل كعمالة غير مباشرة، وتم تقليص حجم الوظائف الإدارية لتصل إلى نسبة 7٪ فقط.

{"description":"\u0645\u0635\u0627\u0646\u0639 \u0627\u0644\u0631\u0648\u0628\u064a\u0643\u064a"}

وتنقسم المصانع إلى ما يلي: 

  • مصنع للغزل الرفيع: طاقته الإنتاجية 4.5 طن في اليوم.
  • مصنع للغزل السميك: طاقته الإنتاجية 9 أطنان في اليوم.
  • مصنع تحضيرات النسيج: طاقته الإنتاجية 60 ألف متر طولي في اليوم، ومساحة المصنع 300 متر، وبه 2 غلاية، قدرة الغلاية الواحدة 5 كيلو طن
  • مصنع للنسيج المستطيل: طاقته الإنتاجية ٣٠ ألف متر طولي في اليوم
  • مصنع للنسيج الدائري. (التريكو): طاقته الإنتاجية ١٠ أطنان، ومساحته 6000 متر مربع.
  • مصنع الصباغة والطباعة: طاقتها المخططة ١٠٠ ألف متر، ولكن تم البدء بـ ٣٠ ألف متر باليوم، وكذلك إمكانيات الطباعة على ٣٠ ألف طن في اليوم. ويضم مصنعين بمساحة إجمالية 26240 متر. وهما مصنع تهيئة الخام للصباغة بمساحة 6526 متر مربع، ومصنع للكيماويات بمساحة 1198 متر مربع، ويضم 3 غلايات، الغلاية الواحدة بطاقة 15 طن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى