أوروبا

العدو الذي لا يمكن الاستغناء عنه: حقيقة العداء البريطاني الروسي

نشرت لجنة الاستخبارات والأمن المكونة من تسعة نواب بمجلس العموم، والممثلين للأحزاب السياسية الرئيسية في بريطانيا يوم 21 يوليو، تقريرها عن التدخل الروسي في الحياة السياسية البريطانية، هذا التقرير الذي تم الانتهاء منه منذ مارس 2019، ولكن تم تأجيل نشره عدة مرات كان أخرها في ديسمبر الماضي بسبب تدخل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون لمنع نشره.
وبالرغم من أن التقرير لم يؤكد وجود تدخل روسي في الانتخابات التشريعية 2019، او في الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 2016. إلا أنه أثار جملة من الاتهامات بالتراخي والاهمال ما يصل لحد التواطؤ من قبل بعض أعضاء النخبة السياسية البريطانية في وجه التدخلات الروسية في النظام البريطاني إلى حد وصف اللجنة النفوذ الروسي “بالنظام الطبيعي الجديد”.
وقد نفى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وجود أي تأثير أو ضغط من روسيا بشأن استفتاء بريكسيت ردًا على التقرير. وعلقت كذلك المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، على التقرير بالقول: “هذه روسفوبيا ممزوجة بالتضليل والتزوير”. قال الناطق الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف، إنه إذا كانت هناك أي اتهامات في تقرير البريطانيين بشأن “تدخل” روسيا، فإنها لا أساس لها من الصحة، لأن “روسيا لم تتدخل قط في العمليات الانتخابية في أي دولة من دول العالم”.

ملامح التصعيد البريطاني


يُعد ظهور التقرير في هذا الوقت جزء من نهج تصعيدي تنتهجه المملكة المتحدة، يمكن ملاحظة أبرز علاماته في شهر يوليو خصيصًا. وهو ما يمكن تبريره باعتبار هذا الوقت يسبق إعلان المراجعة الكاملة المنتظر نشرها الخريف المقبل لمستقبل العلاقات الأمنية والدفاعية والخارجية للمملكة المتحدة، والتي تم تأجيل نشرها من قبل، بسبب تعقيدات خروجها من الاتحاد.
فقد اتسمت العلاقات بين البلدين تاريخيا بالتقلب ما بين حالة العداء والتقارب. وكان أخرها عودة العلاقات إلى التحسن بعد انتهاء الحرب الباردة، إلا انها بدأت دورة جديدة من التدهور منذ عام 2006 بعد اغتيال الجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو في لندن، وساهم ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 في دفع العلاقات نحو الأسوأ، وجاء تسمم جاسوس سابق آخر سيرجي سكريبال، في مارس 2018 في ساليسبري وطرد 153 “دبلوماسيًا” روسيًا كخاتمة لنهاية أي أمل في عودة العلاقات لطبيعتها. واستمرت العلاقات الفاترة بين الطرفين، حتى الوقت الحالي، الذي رجعت فيه حالة العداء لبؤرة الاهتمام مرة أخرى، وكانت أبرز دلائل هذا التصعيد هي:

  • أولها يوم 6 يوليو، عندما أعلن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب عن نظام العقوبات الجديد والمستقل في المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. استهدف النظام الجديد حوالي 50 من منتهكي حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية وروسيا وميانمار وكوريا الشمالية، وضمت اللائحة 25 روسياً المتهمين بالتورط في وفاة المحامي سيرغي ماغنيتسكي بالسجن عام 2009، والذي كان يعمل في قسم الشؤون الضريبية في مكتب محاماة “ارميتاج كابيتال” في موسكو.
  • وفى 19 يوليو، صرّح وزير الخارجية البريطاني بأنه “واثق تماما” بأن روسيا استهدفت مختبرات تجري أبحاث لتطوير لقاح لفيروسات كورونا. واتهمت بريطانيا والولايات المتحدة وكندا مجموعة قرصنة تدعى APT29 بقيادة الهجمات عبر الإنترنت. وقالوا إن الجماعة مرتبطة “بشكل شبه مؤكد” بالمخابرات الروسية، وتهدف إلى سرقة المعلومات والملكية الفكرية.
  • واستمر التصعيد بعد نشر التقرير الذي انتقد اداء أجهزة المخابرات في وجه التدخل الروسي. فنشرت صحيفة “تايمز” بأن الحكومة البريطانية تعتزم منح أجهزة المخابرات، المزيد من الصلاحيات لمكافحة التجسس. وذكرت الصحيفة، أن ذلك سيتم في تشريع جديد تستعد الحكومة لتمريره في البرلمان. ووفقا للقانون سيتم تنظيم “سجل العملاء الأجانب” بشكل رسمي، على غرار السجلات الموجودة في الولايات المتحدة وأستراليا. ويجوز على إثره حبس أو إبعاد من لا يلتزم بالشروط المحددة في القانون.
  • واتهمت كذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة روسيا باختبار قذيفة شبيهة بالأسلحة في الفضاء يمكن استخدامها لاستهداف الأقمار الصناعية في المدار، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). وتعد تلك هذه هي المرة الأولى التي توجه فيها المملكة المتحدة اتهامات خاصة بالتجارب الروسية في الفضاء.
  • ويوم 26 يوليو، كشفت صحيفة “ديلي ميل” أن رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون سيشدد قوانين الخيانة والتجسس وفضح أسرار الدولة، ومن المتوقع أن التعديلات المقترحة على قانون الخيانة ستجعل من الممكن اعتبار أولئك الذين يقسمون بالولاء لدولة أجنبية ويحاولون دخول بريطانيا أو التحرك داخلها، مجرمين. وإذا تم اعتمادها، فسيشكل ذلك أخطر مراجعة لقانون الخيانة منذ عام 169٥

الملفات الخلافية بين الطرفين

  • برغم وجود فترات من الصداقة والتعاون، فإن العلاقات الثنائية بين المملكة المتحدة وروسيا هي اليوم في أكثر مراحلها توتراً منذ نهاية الحرب الباردة. فقد دعمت المملكة المتحدة دمج دول البلطيق في الناتو والثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا، الأمر الذي اعتبره روسيا اختراق لمجالها الحيوي الموروث من الاتحاد السوفيتي.
    ولطالما اعتبرت الحكومة الروسية المملكة المتحدة واحدة من أكثر دول الاتحاد الأوروبي تشددًا ضدها. فقد كانت المملكة المتحدة مؤيدًا قويًا للعقوبات الصارمة على روسيا بسبب سلوكها في أوكرانيا، وعارضت تدخل موسكو في سوريا. وفي عام 2018، قادت المملكة المتحدة أكبر عملية طرد للدبلوماسيين الروس من قبل الدول الغربية. ولطالما اعتبرت موسكو لندن كملاذ آمن لمنتقدي بوتين الفارين من روسيا، والذين هم بدورهم مستهدفين من قبل قوات الأمن الروسية.
    وغالبًا ما كانت المملكة المتحدة متحالفة مع دول الكتلة السوفيتية السابقة المعادية لروسيا. وأهم هذه الدول هي بولندا ودول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا. يضاف لذلك إن التطير الروسي من التحركات البريطانية يعززه “علاقتها الخاصة” مع الولايات المتحدة، فغالباً ما اعتبرت موسكو لندن وكيلاً للآراء الأمريكية في الاتحاد الأوروبي.
    وانعكس هذا العداء بين البلدين في تصريح بوريس جونسون لفلاديمير بوتين أن العلاقات بين المملكة المتحدة وروسيا لا يمكن أن تعود إلى طبيعتها. في أول اجتماع له وجها لوجه بعد فوزه بشهر واحد في مؤتمر برلين الخاص بليبيا. وأخبر رئيس الوزراء البريطاني الرئيس الروسي أن بريطانيا لا تزال غاضبة من محاولة اغتيال سيرجي سكريبال. يضاف لذلك صدارتها لمعسكر الرافضين لعودة روسيا لمجموعة دول السبع الكبار

دلالات التواطؤ البريطاني

  • بالرغم من حالة العداء المعلنة بين الطرفين، إلا أن التقرير المنشور يشير لحقيقة مخالفة، وهي أن جزء من النخبة السياسية كانت متخاذلة في وجه ما وصفته اللجنة بالاختراق للحياة الديمقراطية في المملكة المتحدة.
    فوصف التقرير كيف رحب السياسيون البريطانيون بالقلة الأوليغاركية الروسية في لندن، مما سمح لهم بغسل أموالهم غير المشروعة. وكيف نشأت على إثر ذلك طبقة مستفيدة من المحامين والمحاسبين ووكلاء العقارات ومستشارو العلاقات العامة لخدمة احتياجات تلك القلة. وقال التقرير إن هؤلاء الأشخاص ” لعبوا دورًا، سوءا عن قصد أو عن غير قصد، في توسيع النفوذ الروسي الذي غالبًا ما يرتبط بتعزيز المصالح الشائنة للدولة الروسية”. وأشار التقرير إن العديد من أعضاء مجلس اللوردات لديهم مصالح تجارية مرتبطة بروسيا أو يعملون لدى شركات لها علاقات روسية. وحث على التحقيق معهم، على الرغم من عدم ذكر أي أسماء.
    ولتلك الاتهامات وجاهة: فقبل عام 2015، كان لدى المملكة المتحدة برنامج تأشيرات ذهبية يشمل عرض الإقامة مقابل الاستثمار في السندات الحكومية. وقد استفاد العديد من الروس من هذه تأشيرات المستثمرين وشكلوا ثاني أكبر مجموعة من المتقدمين بعد الصينيين (2007-2015).
    وكذلك وفقًا لخبير الجرائم المالية أوليفر بولوغ، تدفّق نحو 85 مليار دولار (68 مليار جنيه استرليني) من روسيا إلى الأراضي البريطانية فيما وراء البحار ومحميات التاج مثل جزر فيرجن البريطانية وجراند كايمان وجبل طارق وجيرسي وجيرنسي بين عامي 2008 و2018، ومن المعروف أن تلك المناطق وجهة لتدفق الأموال غير المشروعة.
    بالإضافة لوجود أدلة جوهرية على تعرض حزب المحافظين للأموال والروابط الروسية منذ سنوات. فقد كان حزب المحافظين أكبر متلق للمال من المانحين الروس، وفقًا لتحقيق أجرته منظمة الديمقراطية المفتوحة. وعلى الرغم من الدعاية السيئة، رفض المحافظون إعادة الأموال ذات الصلة بالروسية حتى في أعقاب تسمم سكريبال في مارس2018. وبالرغم من أن التقرير لم يثبت أن هذا الدعم انعكس على توجهات النواب، أو في مواقفهم تجاه البريكست، إلا أن تلك الروابط خلقت بلا شك بيئة مشككة في مواقف هؤلاء.

في الختام

  • بالرغم من جهاز المخابرات السرية (MI6) قرر إعادة تصنيف روسيا على أنها تهديد “من الدرجة الأولى”، إلى جانب الإرهاب الإسلامي، بينما كانت روسيا في السابق تعتبر قضية أمنية ثانوية. مما يدل على أهمية الخطر الروسي على الأمن القومي للمملكة المتحدة. إلا أن هذا لا ينفى حقيقة أن روسيا لم تخلق الظروف التي سمحت بازدهار الأنشطة المُخربة وغيرها من أنشطة التأثير الضار في المملكة المتحدة. لذا فالمواجهة هذا التأثير، يجب أن تكون الأولوية هي لسد الثغرات الموجودة بالبيئة الداخلية سواء ماليًا أو تشريعيًا أو تكنولوجيًا، ومحاولة أخذ تحقيق جاد بعكس التحقيقات السابقة التي كان يتم وئدها من الحكومات المتعاقبة في السنوات الأخيرة عن حقيقة التدخلات الروسية، وإلا فلا مناص من اعتبار هذا الأمر أما تخاذل غير متعمد أو تواطؤ جرى توارثه من قبل الحكومات المتعاقبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى