مكافحة الإرهاب

صراع الأجنحة داخل قطر وتركيا.. أسباب خلاف محمد ناصر مع بلال فضل وعزمي بشارة

في تلاسن هو الأعنف من نوعه، هاجم محمد ناصر الهارب إلى تركيا، زميله الهارب إلى بريطانيا بلال فضل، على ضوء انتقاد الأخير لمراسم إعادة افتتاح “آيا صوفيا” كمسجد، حيث اتهم ناصر العاملين بقناة العربي الجديد وتليفزيون العربي بالغيرة من نجاح الهاربين إلى تركيا ممن يعملون في قنوات الشرق ومكملين ووطن، رغم أن الهاربين إلى بريطانيا يتلقون تمويلاً مباشراً من الأمير “تميم بن حمد آل ثاني” حاكم قطر كما وصفهم محمد ناصر.

وقد توسعت دوائر التلاسن والهجوم وشملت أغلب العاملين في القنوات، خاصة عزمي بشارة، الذي وصفه ناصر بأنه “الجاسوس القومجي عزمي بشارة الذي يكره كل ما هو إسلامي، الأمير تميم يصرف على عزمي بشارة ولا أريد أن أدخل قطر، عزمي بشارة تربى في أحضان الصهاينة وكان عضوًا في الكنيست واليوم ينتظر زي بتوع حزب البعث”.

وقد اشتعلت منصات وسائل التواصل الاجتماعي بالتعليق على هذا السجال، خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يتعارك فيها “الهاربون إلى قطر” مع “الهاربين إلى تركيا”، ولكن خلف هذا السجال توجد شبكة من المصالح أعقد مما يظهره هذا التلاسن، تعود إلى عام 2013 حينما اندلعت ثورة 30 يونيو 2013، وفرت العناصر الإخوانية والموالية للإخوان هاربة خارج مصر من أجل الارتماء في أحضان الدول التي صنعت نظام محمد مرسي ودعمت تنظيم الإخوان للوصول للسلطة في مصر ما بين عامي 2012 و2013.

كيف هرب هؤلاء خارج مصر؟

عقب قيام ثورة 30 يونيو 2013، أدركت الدوائر الإسلامية الحاكمة في تركيا وقطر أنه يصعب إدارة ما يسمى بالمعارضة المصرية من داخل الأراضي المصرية مرة أخرى، وأنه يجب صناعة معارضة موالية لهم في الخارج، من أجل أن تكون الأصوات التي تعارض الدولة المصرية هي أصوات مصرية الميلاد، تنسب الى الأوساط الثقافية والأكاديمية والسياسية المصرية.

وعلى إثر ذلك اندلع في أوساط المعارضة المصرية بيزنس السفر واللجوء الى الخارج، واستنفر التنظيم الدولي للإخوان اتصالاته ودوائره في أوروبا وآسيا من أجل تشكيل تلك الشبكات، وتشكلت شبكة لتهريب المعارضين الذين قرروا بيع صوتهم إلى المال الإخواني، وذلك عبر عدد من المنافذ:

1 – السودان: وذلك قبل سقوط نظام عمر البشير الإخواني عام 2019.

2 – قطاع غزة: وذلك قبل العملية الشاملة سيناء 2018.

3 – ليبيا: قبل الضربات المصرية الجوية عام 2017 التي مهدت للجيش الليبي الوطني الشرعي السيطرة على شرق ووسط ليبيا بالكامل.

وهنالك عناصر غادرت مصر عبر المنافذ الشرعية على ضوء عدم وجود أحكام قضائية تمنع سفرها للخارج.

وكانت مناطق تجمع عناصر ما يسمى بالمعارضة هي قطر وتركيا وماليزيا وألمانيا وبريطانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية والكويت وإيران.

صراع بين قطر وتركيا على إدارة “الإسلام السياسي”

لاحقاً بدأ صراع بين قطر وتركيا على وجه التحديد في استقطاب هذه العناصر، ولم يكن الصراع بين الدوحة وأنقرة على كيفية استهداف الدولة المصرية، ولكن الصراع كان على “من يدير هذا الملف” فأنقرة ترى أن الدوحة تولت ملف الإسلاميين في الشرق الأوسط منذ عام 1999 وحتى 2013 وأخذت فرصتها وفشلت على ضوء قيام ثورة 30 يونيو المصرية ثم سقوط الإسلاميين بالانتخابات في ليبيا وتونس، وحتى سقوط مشروع الإخوان في سوريا وقطاع غزة، وأنه حان الوقت لتركيا أن تتسلم إدارة ملف الإسلاميين في الشرق الأوسط وأن يعمل كافة الإسلاميين تحت إدارة ورؤية رجب طيب أردوغان.

أما الدوحة فلم تستسلم لهذه الرغبة التركية، ونظراً لآن الدوحة لها باع في إدارة ملف الإسلاميين فإن إمكانيات التنظيم الدولي في بريطانيا كانت تحت إدارتها، وتعتبر العاصمة البريطانية لندن هي – بدورها – عاصمة التنظيم الدولي للإخوان، وقررت الدوحة صناعة إمبراطورية للهاربين من مصر في بريطانيا مقابل قيام تركيا بالأمر ذاته ولكن في إسطنبول.

لندن تفتح أذرعتها للهاربين من مصر

حينما قرر الغرب أثناء الحرب الباردة أن يتم استخدام الجماعات الإسلامية ضد الاتحاد السوفيتي، سواء بالشكل المسلح المباشر في أفغانستان، أو قبلها بشكل مجتمعي غير مباشر منذ خمسينات القرن العشرين، اتفقت دول الكتلة الغربية أن تصبح لندن هي مركز التقاء ومقر للتنظيم الدولي للإخوان الذي يقع تحت إدارته كافة الجماعات الإسلامية التي تعمل بشكل وظيفي لخدمة الأجندة الغربية، سواء الجماعات التي تنسق بشكل علني مع تنظيم الإخوان أو التي تدعي علناً أنها في خلاف مع الإخوان وتعمل معهم في الخفاء، لذا لا عجب أن نرى في لندن عناصر من الجماعات الجهادية وتنظيم الجماعة الإسلامية وحتى عناصر عملت بعد ذلك في صفوف القاعدة وداعش وقد عملت تحت لواء التنظيم الدولي للإخوان في سنوات في لندن أو ميونخ الألمانية.

هكذا انتقل الصراع على إدارة ملف المشروع الإسلامي بأجندته الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً بين قطر وتركيا إلى أجنحة ما يسمى بالمعارضة المصرية، وقد صدرت توصيات من التنظيم الدولي للإخوان بأن المزاج العام في مصر اليوم لا يميل إلى الوجوه الإسلامية عقب ثورة 30 يونيو 2013، لذا تبارت قطر وتركيا في وضع الأقنعة الليبرالية على أذرعتها الإعلامية الناطقة باللهجة المصرية.

أبرز وجوه الفريق الموالي لقطر

كانت قطر أكثر نجاحاً، على ضوء طول أمد استهدافها لمصر وطول أمد تعاملها مع النخب المصرية، حيث أدركت الدوحة حتمية ترميم شعبية الظهير المدني للإخوان وذلك عبر تبني آراء وأسماء وشخصيات لا تنتمي إلى الاخوان أو الإسلام السياسي بل ولا مشكلة في أن يتم مهاجمة بعض أفكار التيار الإسلامي في إطار خطاب علماني أو تنويري، وذلك من أجل كسب جمهور جديد من خارج القواعد الإسلامية، تماماً كما فعلت قطر في السنوات العشر الأخيرة لحكم مبارك حينما اخترقت عناصرها في مصر المعارضة المدنية والنخب الثقافية، حتى تلك المعارضة للتوجه الإسلامي بشكل صارم، قبل أن تجذبهم بشكل جماعي لتأييد انتخاب مرشح الاخوان في مؤتمر فيرمونت الشهير صيف 2012.

أخرجت الدوحة شبكة تلفزيون العربي الجديد وصحيفة العربي الجديد، وأتت ببعض شباب حملة أبو الفتوح مثل محمد أبو الغيط – الذى أشار الناشط وائل غنيم في تغريدة خلال فبراير 2020 إلى أنه أحد مديري “صفحة الموقف المصري” التي تستهدف الحكومة والشعب المصري عبر منصة فيس بوك – وتامر أبو عرب وسلمى الدالي وليليان داوود ويوسف حسين “جو تيوب”، وبعض الأسماء الشابة التي تنصلت من انتمائها الإخواني منذ سنوات، إضافة إلى بعض الصحفيين مثل بلال فضل ووائل قنديل، كما قدم المغني حمزة نمرة برنامج ريمكس على القناة لفترة من الوقت من أجل إقناع المتلقي غير المنتمي للتيار الإسلامي أن القناة العامة في هذه المجموعة التلفزيونية ليس لها توجه محافظ.

ولم يستغرب أي من متابعي ما يسمى بالمعارضة المصرية كيف يمكن لشباب في مقتبل العمر – ظلوا حفاة حتى خروجهم من مصر – أن ينفقوا أموالا للإقامة والسكن فحسب في لندن أغلي عاصمة في العالم! إذ إن شعارات المعارضة يمكن أن تخدر أي قطيع مستعد لإرضاء نفسه بالاستماع الى أي قول ينتقد الدولة المصرية.

وتم تكليف عزمي بشارة برئاسة تلفزيون وجريدة العربي الجديد، وأطلقت موقع صحفي يحمل الاسم ذاته، إلى جانب تكليف بشارة برئاسة “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” الذي يعتبر مركز الأبحاث الخاص بهذه المجموعة، إضاhttps://m.facebook.com/story.php?story_fbid=3239762552729819&id=169542199751885فة إلى أكاديمية الشرق أو “الشرق أكاديمي” وهى أكاديمية قطرية في لندن تنظم محاضرات برعاية سيف عبد الفتاح مستشار محمد مرسي حينما كان الأخير يمثل مكتب الارشاد في قصر الاتحادية.

كما أطلقت قطر منصة “الجزيرة بلس” عبر موقع الفيديو YouTube، واستقدمت عبد الله الشريف وأحمد الغندور “الدحيح”، قبل تعليق التعاقد مع الأول بسبب الفضائح الأخلاقية التي نشرت له وتعليق التعاون مع الثاني بعد الفضائح المهنية والنقل والسرقة من اعمال اخري لا تلتزم بالدقة المعلوماتية والتاريخية.

وحافظت قطر على شبكة الجزيرة والجزيرة الرياضية تحت إسم “بي إن سبورت”، وسارعت باحتضان لاعب الكرة المصرية محمد أبو تريكة على هذه المنصة الرياضية، بالإضافةإلى إيواء الدوحة لعناصر هاربة من مصر تضم تنوع كبير سواء من الصف الأول قادة الإخوان وصولاً إلى بعض مؤسسي شبكة رصد مثل أنس حسن أو الشاعر تميم البرغوثي الفلسطيني الأصل.

أبرز عناصر الفريق الموالي لتركيا

يمكن القول إن قطر استطاعت أن تصنع توازنًا بين الجناح الإسلامي والليبرالي لشبكتها في لندن والدوحة، بينما حملت تركيا للعناصر الموجودة لديها مشكلة إضافية ألا وهى الترويج للنموذج التركي بوجه ما يحدث في مصر، والترويج للوجه الإسلامي الجديد لتركيا ذات الصيت العلماني في الشرق الأوسط لعقود.

ومن أبرز العناصر التي تستضيفها تركيا وتمول إقامتها بشكل كامل على الأراضي التركية، أعضاء من مجلس الشعب والشورى المنتخبين عامي 2011/2012، إضافة الى بعض أعضاء حكومة هشام قنديل، وبعض العناصر الهاربة من أحزاب تنظيم الإخوان والجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وهي أحزاب قام القضاء المصري بحلها عقب ثورة 30 يونيو 2013، بالإضافة الى محمد الإسلامبولي مفتي الجماعة الإسلامية ذو الاتصال الوثيق مع الحرس الثوري الإيراني وأحد رفقاء بن لادن وأحدى مؤسسي تنظيم القاعدة.

إضافة إلى معتز مطر ومحمد ناصر وسامي كمال الدين المكلف بقيادة اللجان الإلكترونية الإخوانية، ودشنت تركيا قناة الشرق وقناة مكلمين على أراضيها، وقد تولى رئاسة قناة الشرق في بادئ الأمر الناشط الإخواني باسم خفاجي الذي كرس وقته عام 2014 للدعوة للتظاهر في 25 يناير 2015، ولما فشلت دعوته تعاقدت تركيا مع أيمن نور رئيس حزب غد الثورة الهارب إلى إسطنبول من أجل ترأس القناة في أغسطس 2015!

انفلات الاعصاب وانهيار المعنويات

ورغم التنافس إلا أن كلًا من الفريقين الموالين لقطر والموالين لتركيا قد عملوا وفقًا لأجندة التنظيم الدولي للإخوان، ولكن الأيام تحولت الى أشهر والأشهر إلى سنوات دون أن ينجح عناصر المؤامرة في خلخلة النظام المصري أو تحقيق اختراق يتفاخرون به أمام الممولين، وهكذا وكما علمتنا كتب التاريخ فإن طول أمد المؤامرة وفشلها يؤدي إلى صراعات داخلية بين أركان المؤامرة وافتضاح أمرهم واحداً تلو الاخر.

وعقب اتخاذ الرباعي العربي (مصر، السعودية، الإمارات، البحرين) قرارات 5 يونيو 2017 الخاصة بمقاطعة قطر، تسلمت تركيا ملف الإسلاميين من الدوحة بتوصية غير قابلة للنقاش من أركان التنظيم الدولي للإخوان، مع توصية أخرى بضرورة أن تساعد قطر القيادة الإقليمية التركية الجديدة للإسلاميين في الحرب المعلنة من الجماعات الإسلامية ضد الدولة الوطنية في الشرق الأوسط.

لذا لم يكن غريباً أن تندلع الخلافات علناً بين الإسلاميين والليبراليين في مجموعة “لندنستان القطرية”، أو مع مجموعة إسطنبول، سواء الفضائح المالية أو حتى الجنسية، أو التراشق الأيديولوجي الذي يخفى خلفه انفلات الأعصاب وانهيار المعنويات.

صراع القصر ينتقل إلى شاشات المؤامرة

ومع فشل تلك العناصر الهاربة في تنفيذ الأجندة الغربية المكلف بها قطر وتركيا ضد الدولة المصرية، أو حتى تنفيذ الأجندات الإقليمية لكل من أنقرة والدوحة، وحتى تثبيت زعامة تركيا للإسلام السياسي، بدأ يوكل لهذه الجماعات بعض المهام الأخرى.

والحاصل أنه عقب المقاطعة العربية لقطر، إضافة الى بعض الإشارات الغربية الراغبة في استبدال الشيخ تميم، وجد رجل قطر القوي “سابقا” حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء الأسبق ووزير الخارجية السابق، الذي لعب دوراً كبيراً في صعود قطر الإقليمي على أنقاض دول الربيع العربي في العراق وسوريا وليبيا واليمن، الفرصة سانحة من أجل العودة للأضواء مرة أخرى في الدوحة، وذلك عبر التحالف مع أنقرة ضد تميم المتدثر بنفوذ والدته الشيخة موزة بنت ناصر.

هكذا قرر حمد بن جاسم تحريض عناصر “الشرق” و”مكلمين” على مهاجمة عناصر “لندنستان القطرية”، وانتقل صراع القصر بين حمد بن جاسم وتميم بن حمد إلى شاشات القنوات الإخوانية التي تبث من لندن وإسطنبول، وبالطبع لم تكن المخابرات التركية المسؤول الأول عن إدارة ملف “الهاربين الى تركيا” بعيدة عن رعاية هذا التحريض والاتفاق مع حمد بن جاسم، بل وحتى أردوغان نفسه الذي يستخدم حمد بن جاسم ورقة في جيبه لوضع تميم تحت السيطرة وتخوفيه بالبديل الجاهز، إضافة الى مستشاره ياسين اقطاي.

.. وماذا بعد؟

هكذا تحولت عناصر ما تسمى نفسها بالمعارضة المصرية في تركيا وقطر وبريطانيا إلى جماعات وظيفية صغيرة تعمل لدى جماعات وظيفية كبيرة من أجل تنفيذ أجندات دولية من جهة وأجندات إقليمية ومحلية من جهة اخري، تشعب طريق العمالة والخيانة وعشق المال على حساب تراب الوطن حتى أصبحت عناصر ادعت يوماً أنها تسعى لإصلاح مصر إلى قطع شطرنج في صراع بين اثنين من مشايخ آل ثاني لحكم قطر، أو خلاف داخل منظمة إرهابية دولية منذ التنظيم الدولي للإخوان حول مسؤولية قطر أو تركيا حيال ملف الإسلام السياسي في الشرق الأوسط!

من المؤكد أن التداعي والتهالك الذى أصاب تلك الدوائر، بحاجة إلى إعادة نظر على يد من يمول وينفق ويكلفهم، وهو أمر يدركه حكام انقرة والدوحة، ولكن كافة جماعات الإسلام السياسي تنتظر حسم “صراع الأسياد” في الانتخابات الرئاسية الامريكية نوفمبر 2020 لمعرفة سيد البيت الأبيض في السنوات الأربع المقبلة وعلى ضوء هوية القابع على رأس الدولة الأمريكية سوف يعيد الإسلام السياسي إعادة هيكله أذرعته في قطر وتركيا، ولن يتوقف الأمر عند الذيول المصرية الهاربة بل سوف يمتد إلى الرؤوس الكبيرة سواء تنظيم الحمدين الحاكم في قطر أو تنظيم العثمانيين الجدد الحاكم في تركيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى