الصحافة المصرية

“بعد ختام كان 2019 ” …. مصر “تتوج” بروعة التنظيم .. والجزائر بالبطولة

اختتمت فعاليات واحدة من أكثر بطولات الأمم الافريقية نجاحا والتي استضافتها مصر في الفترة من 21 يونيو وحتى 19 يوليو 2019، بتتويج منتخب الجزائر بلقب البطولة على حساب منتخب السنغال، وسط أجواء احتفالية وتنظيم مصري خالص بصبغة أوروبية، وقد ساهمت البطولة في صناعة علامة جديدة من علامات الدولة المصرية التي دائما ما تقدم نموذجا فريدا في تنظيم المحافل الدولية الكبرى.

يأتي ذلك بينما شكك البعض في قدرة مصر على انجاز مهام التنظيم في فترة الأربعة الأشهر – ما بين اعلان فوز مصر بتنظيم أمم افريقيا، وبداية المباريات – باعتبار أن هناك كثيرا من الأعباء التي يستحيل إنجازها، وبرغم ذلك استطاعت مصر أن تبهر الجميع، وقدمت لوحة فنية متكاملة الأركان، تنظيما وأمنا وسياحة وملاعب مجهزة، وذلك بتعليمات الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيا، ما جعل كافة الوزارات والجهات المعنية تبذل قصارى جهدها، ما تجلى في كل فعاليات البطولة وكذلك احتفالات القرعة، والافتتاح والختام.

 نجاح على كافة الأصعدة

بشهادة الجميع وبلا استثناء، فإن بطولة أمم أفريقيا تعد انتصارا سياسيا وأمنيا واقتصاديًا وسياحيًا كبيرًا لمصر، فقد جاءت في توقيت صعب، حيث مازالت مصر في حربها ضد الإرهاب، كما أن حال الدول على حدودها ليس بالأفضل، فضلا عن مشكلات الإقليم.

وبرغم ذلك، تسابق قيادات القارة ومسئوليها، على حضور المباريات، سواء الافتتاحية أو غيرها، الأمر غير المسبوق، حيث اعتاد القادة والرؤساء على الحضور الرسمي في المباراتين الافتتاحية والنهائية فقط الأمر الذي قدم مصر نموذجا للدولة الرائدة حيث جاءت استضافت مصر لبطولة الأمم الافريقية 2019، لتسجل رقما قياسيا جديدا للدولة المصرية لم تحققه أي دولة أفريقية قبلها، إذ أصبحت مصر رائدة في تنظيمها للبطولة الأفريقية عبر تاريخها، حيث نجحت في تنظيم فعاليات البطولة القارية الأهم خلال 4 مناسبات من قبل وذلك في أعوام (1959، 1974، 1986، 2006) وعليه يأتي استضافت مصر لبطولة 2019 لتصبح بذلك الدولة الافريقية الوحيدة التي نظمت البطولة على أرضها 5 مرات.

وتأتي استضافت مصر لبطولة أمم افريقيا تزامنًا مع رئاستها للاتحاد الافريقي، الأمر الذي يؤكد فاعلية ونجاح السياسة الخارجية المصرية في استعادة الملف الافريقي كأحد الدوائر المهمة لمصر خارجيا، وقدرتها على كسب ثقة الدول الافريقية التي صوتت لها لاستضافت البطولة بعد سحب التنظيم من الكاميرون لعدم جاهزيتها، إذ حصلت مصر على 16 صوتاً من أصل 18 صوت، في حين حصلت جنوب أفريقيا التي سعت لتنظيم البطولة على صوت واحد مقابل امتناع الاتحاد النيجيري عن التصويت لأيا من الملفين.  

ونجحت مصر في جذب مئات الآلاف من المشجعين من مختلف أنحاء القارة، واستطاعت تهيئة مدنها لاستضافة المباريات والجماهير، عبر إعداد البنية التحتية للملاعب لتنافس المستويات العالمية بالإضافة إلى توفير وسائل مواصلات لتسهل عملية تنقل المشجعين داخل البلاد.

وكان للتكنولوجيا كلمتها، حيث شهدت أمم افريقيا ميلاد تجربة ناجحة في القضاء على السوق السوداء لبيع التذاكر ، وهي بداية نجاح تجربة“fan ID”  من خلال شركة “تذكرتي” التي كانت نقطة فارقة في القضاء على تلك السوق ، فضلا عن القضاء على الزحام الذي كان يمتد لساعات لشراء تذكرة المباراة، ما أدى لإشادة جماهير بعض الدول بها، لدرجة مطالبة جماهير “دولة النيجر” بتطبيق نفس المنظومة ببلادهم. 

وجاءت المنصة الإعلامية المصرية “تايم سبورت”، حتى تقدم نفسها باعتبارها نصرا جديدا نجحت البلاد في احرازه خلال البطولة، فهي منصة إعلامية تتيح وتعرض المباريات الرياضية مجانيا ، ما قطع الطريق أمام المنصات الإعلامية المناظرة، والتي تحتكر عرض المباريات مقابل الحصول على رسوم مالية من المشاهدين.

أما عن الظهور المشرف للشباب المصري المتطوع، فكان على رأس قائمة الإنجازات التي حققتها مصر في البطولة، والذي استطاع بجهوده وأخلاقه الراقية أن يثبت أن مصر لديها الثروة البشرية التي يمكن الاعتماد عليها، في شتى المجالات. 

فقد نجحت مصر في تنظيمها للبطولة الافريقية في التأكيد على استراتيجية الدولة المصرية الرامية إلى دعم وتعزيز قدرات الشباب واستمرار الرهان عليهم باعتبارهم نصف الحاضر وكل المستقبل، إذ تمكنت اللجنة التنظيمية – برئاسة محمد فضل 38 عام – والتي تشكلت أغلبها من عنصر الشباب من التأكيد على أن مصر دولة شابة ومستقبلها مرهون بسواعد هؤلاء الشباب، خاصة وأن هؤلاء – أي الشباب- نجحوا في تقديم نموذج يمكن الاعتماد عليه، الأمر الذي تكرر في أكثر من مناسبه من بينها منتدى شباب العالم الأول والثاني والذي قام على اعداده وتنظيمه مجموعة من الشباب المصري.

فيما كانت كلمة السر في ابهار الجميع تتلخص في كلمة واحدة وهي “الأمن“، الذي بات حديث العالم كله، والذي وصفه الخبراء بأنه انتصار كبير لمصر في حربها ضد الإرهاب والإرهابيين، خاصة في ظل عديد من التهديدات بحوادث إرهابية لإفساد البطولة، حيث دفعت وزارة الداخلية بخدمات تأمين ومجندين من ليكونوا واجهة حضارية مشرفة، فضلا عن نشر خدمات تأمين على الطرق والمحاور المؤدية للإستاد خلال كل مباراة، كما تأمين جميع استادات البطولة لأول مره باستخدام طائرات “درونز”.

وأكد نجاح مصر في تنظيمها لبطولة الأمم الأفريقية أن مصر دولة آمنه تتمتع بالاستقرار على خلاف ما حاول البعض الترويج له، إذ تمكنت الأجهزة الأمنية من تأمين البطولة والخروج بها إلى بر الأمان، خاصة وأن بطولة هذا العام شهدت تمثيلا أعلى من البطولات السابقة لها، إذ احتضنت البطولة 24 منتخباً مقارنة ب 16 منتخبا كان قد شارك في بطولة أمم أفريقيا 2017 بالجابون، وهو ما شكل تحديا اضافيا نجحت مصر في تجاوزه.

ولم يقتصر الأمر على الجانب الأمني فقط انما ساهمت بطولة الأمم الافريقية في تعزيز قيمة الفرد وأهمية العمل التطوعي، وكذا التأكيد على نموذج التشاركية في صناعة الحدث، حيث اضفى الجانب التطوعي قيمة جديدة من قيم بناء وتعزيز ثقافة المواطن والفرد المسئول، فضلاً عن تشكيل وصياغة ثقافة عامة قائمة على مجموعة من القيم من بينها أهمية المشاركة المجتمعية، تعزيز مهارات التواصل مع الغير، والعمل الجماعي، وقبول التعدد والاختلاف، حيث استقبلت اللجنة المنظمة لبطولة أمم أفريقيا نحو 5428 استمارة لشباب وفتيات يرغبان في التطوع، وقد تراوحت أعمار هؤلاء في الفئة ما بين المرحلة الجامعية حتى 35 كأحد الشروط التي وضعتها اللجنة المنظمة، ولم يقتصر التطوع على الشباب المصري فحسب بل امتد ليشمل عدد من المتطوعين الأجانب حيث استقبل فريق العمل التطوعي نحو 67 متطوعا أجنبيا بينهم أفارقة وأوروبيين وهو ما صرحت به ” جهاد عامر” نائب رئيس اللجنة المنظمة للبطولة.

 مكاسب مصر من البطولة × أرقام

جاءت تقديرات وزارة الشباب والرياضة لتؤكد أن مكاسب وعوائد مصر من تنظيم بطولة كأس الأمم الإفريقية، تصل إلى 36 مليون دولار، أي ما يعادل 603 ملايين جنيه، بالإضافة إلى حصول مصر على 20% من عوائد البطولة التي يحصل عليها الاتحاد الافريقي، سواء العوائد المرتبطة بالإعلانات أو حقوق البث التليفزيوني وبيع التذاكر. 

ونجحت مصر في تحقيق مكاسب سياحية من تنظيم البطولة، حيث بلغ عدد زائري مصر نحو 700 ألف سائح من الدول العربية والإفريقية، أثناء البطولة، ما انعكس إيجابا على معدلات الإشغال الفندقي خلال هذه الفترة ما بين 70% و80%، والذي ترتب عليه زيادة في معدلات الوظائف المتاحة.

تجدر الإشارة إلى أن مصر اعتمدت في تنظيمها للبطولة على تمويل الرعاة، الذين بلغ عددهم 32 راعيا، ولم تتحمل الموازنة العامة للدولة أي أعباء إضافية جراء تنظيم البطولة.

وفي هذا الصدد لفت أحمد احمد رئيس الاتحاد الافريقي أن عوائد البطولة بلغت نحو 83 مليون دولار بزيادة نحو 16 مليون دولار عن عائدات بطولة عام 2017 بالجابون، كما لا يمكن تجاهل العائدات الاقتصادية على الافراد والكيانات الصغيرة كالمقاهي واكشاك ومحلات بيع الأدوات الرياضية ومستلزمات التشجيع.

إشادة واسعة على جميع المستويات

“أهنئ مصر على هذا التنظيم الممتع لكأس الأمم الأفريقية حيث قدمت بطولة ممتازة”، هكذا أشاد السويسري جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، مؤكدا أن مصر أبهرت العالم بعد أن قدمت بنية تحتية رائعة وملاعب أكثر من ممتازة.

ويلتقط أطراف الحديث منه أحمد أحمد، رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “كاف”، والذي وصف التنظيم بالرائع، موجهًا الشكر للرئيس السيسي، خلال مؤتمر صحفي عقده بأحد فنادق القاهرة، فضلا عن ثناء الناطق باسم الحكومة الجزائرية ووزير الاتصال حسن رابحي، على كرم ضيافة المصريين.

وأشاد مسئولو الاتحاد الأفريقي «كاف» بالشكل المميز وقدرة مصر على تنظيم بطولات كبرى، مشيرين إلى قدرة الملاعب على استضافة مباراتين في نفس اليوم دون أية مشكلات، فضلا عن قيام العديد من اللاعبين العالميين، بتقديم الشكر لمصر على حسن الاستقبال، وأبرزهم الكاميروني صامويل ايتو، والسنغالي ساديو مانى، والتونسي فرجاني ساسي، والجزائريين رابح ماجر، وعبد الحفيظ تاسفاوت، الذي أكد بأن منتخب بلاده كان محظوظًا باللعب في مصر، بينما قال مهاجم نادى آرسنال الإنجليزى ومنتخب نيجيريا، أليكس إيوبى “أرشح مصر للجميع”، فيما علق اللاعب المصري أبو تريكة بأن “مصر أتعبت من سيأتي بعدها في التنظيم”، مضيفا فشلنا من الناحية الفنية، لكننا نجحنا بامتياز من الناحية التنظيمية”.

فيما أثنت الجماهير العربية والأفريقية على اهتمام مصر بتقديم كل سبل الراحة من حيث الفنادق والمواصلات وشراء التذاكر، وتجلى ذلك في رفع شعار “شكرا لمصر”.

وقد نجحت مصر من خلال تنظيم البطولة في تعزيز القيم الاجتماعية المشتركة بين الشعوب ودعم التقارب وتعزيز السلام والحوار وتجاوز الخلافات، وهو ما تم ترجمتها من خلال دعم عدد كبير من الجماهير المصرية لمنتخب الجزائر في مباراة النهائي أمام السنغال، بما يعني تجاوز حالة الاحتقان الرياضي التي أفرزتها المباراة المؤهلة لكأس العالم 2010 والتي تسببت في مزيد من الاستقطاب والاحتقان الجماهيري بين البلدين.

وكان “الأمن، التنظيم، وجودة الملاعب” عناوين الصحف المتابعة للحدث، فقالت صحيفة “الشروق” الجزائرية أن “الأمن المصري استحق العلامة الكاملة”، في حين وصفت صحيفة “الرياضية” السعودية، حفل الافتتاح بالمذهل، فيما أشادت صحيفة “آس الإسبانية” بالتنظيم.

وعلى الصعيد المحلي، فقد أشاد المصريون بالتنظيم المبهر، واصفينه بـ “الأوروبي“، كما هنأ نائب رئيس اتحاد الكرة السابق ، أحمد شوبير، مصر بالتنظيم، فيما أكد هاني يونس، المستشار الإعلامي، لرئيس مجلس الوزراء، أهمية دور القيادة السياسية في خروج البطولة بشكل مشرف.

وعلى هامش الفعاليات أعلنت اللجنة المنظمة لبطولة أمم أفريقيا مصر 2019، جمع نصف مليون جنيه لصالح مستشفى “أبو الريش” للأطفال ضمن مبادرة اللعب من أجل إيصال صوت كرة القدم للعالم أجمع، حيث زار محمد فضل، مدير بطولة الأمم، مستشفى أبو الريش، نيابة عن اللجنة المنظمة، وكان بصحبته بعض من لاعبي كرة القدم الأفريقية، وهم نوانكو كانو ودانيل أموكاشي وخاليلو فاديجا وكالوشا بواليا، حيث روى كل لاعب منهم قصته الشخصية الناجحة للأطفال لإلهامهم، وقدموا لهم هداياهم.

وحرص عدد من لاعبي ونجوم المنتخبات العالمية على زيارة معالم وآثار مصر قبل العودة إلى بلادهم، حيث تواجد النجم أحمد أحمد، وزميله عبد الله شيهو، في منطقة الأهرامات، وكذلك السويسري جيانى أنفانتيو رئيس «فيفا».

ختاما، يمكن التأكيد على نجاح مصر في تقديم نموذج تنظيمي وتسويقي معبرا عن مصر الحضارة والعراقة، فضلاً عن التأكيد على عبقرية الشخصية المصرية في مواصلة النجاحات وابهار العالم، وهو ما يضعنا أمام تحدي آخر يتعلق بحتمية الاستمرار في تقديم هذا النموذج فيما هو قادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى