دول الخليج العربي

“عُمان” في عهد السلطان “هيثم بن طارق”

 تولى السلطان “هيثم بن طارق بن تيمور ال سعيد” الحكم في سلطنة عُمان خلفاً لابن عمه السلطان قابوس بن سعيد طبقاً لوصيته، وقد تم إعلان  وفاة السلطان “قابوس بن سعيد بن تيمور” يوم السبت الموافق 11 يناير 2020عن عمر يناهز 79 عاماً، بعد حكمه للبلاد منذ 23 يوليو 1970.

 وشغل السلطان “هيثم بن طارق” العديد من المناصب التنفيذية، كان أبرزها رئيساً للاتحاد العماني لكرة القدم بين عامي 1983 و1986، كما عينه السلطان قابوس أميناً عاماً لوزارة الخارجية في عام 1994، وتولى منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية لمدة ثماني سنوات(1986-1994) ، وعيّنه السلطان قابوس أميناً عاماً لوزارة الخارجية سنة 1994، وعيّن وزيراً للتراث والثقافة منذ 2002 حتى تنصيبه سلطاناً  في 11 يناير2020، كما شغل منصب رئيس اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية عُمان 2040.

 وفى ضوء المناصب التنفيذية التي شغلها السلطان “هيثم بن طارق”، فإنه يملك من الخبرة في المجال السياسي والاقتصادي على مدار عقدين من الزمان، ما أهله لنيل ثقة الراحل السلطان قابوس لتولي إدارة السلطنة بعد رحيله، وتثار تساؤلات بشأن إن سلطنة عُمان ستشهد تغيراً في السياسة الداخلية والخارجية في عهد السلطان “هيثم بن طارق” أم ستظل امتداداً لسياسة السلطان الراحل “قابوس”، وهو ما يحاول هذا التقرير استعراضه على صعيد السياسة الداخلية والخارجية لسلطنة عُمان.

السياسة الداخلية ورؤية “2040”

تتضح توجهات السلطان “هيثم بن طارق آل سعيد” حيال الشأن الداخلي لسلطنة في خطابه 23 فبراير من العام الجاري، عندما أقسم اليمين الدستورية خلفًا للراحل السلطان “قابوس بن سعيد”، والذي استعرض فيه الخطوط العريضة لمستقبل إدارته لسلطنة عُمان، وأعلن أهم المبادئ والخطوات.

ويعطى السلطان السلطان “هيثم” أولوية لإصلاح الشأن الاقتصادي وسبل العيش والشؤون الاجتماعية في سلطنة عُمان، ويؤمن بأن هناك حاجة لإحداث تغييرات تشريعية من أجل تحقيق نقلة اقتصادية كبيرة. فقد لعب دوراً في صياغة رؤية 2040 لمستقبل عُمان الاجتماعي والاقتصادي، ففي ديسمبر من عام 2013 صدرت توجيهات من السلطان الراحل “قابوس” بتشكيل لجنة رئيسية للرؤية المُستقبلية عُمان 2040 برئاسة “هيثم بن طارق آل سعيد”، خاصة في ضوء توقعات بعدم قدرة النفط على لعب دور مركزي في الاقتصاد بعد 2040.

وتقوم رؤية السلطنة على استراتيجية التنويع في عُمان، من خلال تحويل اقتصاد الدولة إلى خمسة قطاعات محورية: السياحة، واللوجستيات، والتصنيع، وصيد الأسماك، والتعدين، وتهدف رؤية 2040 إلى زيادة نسبة عمالة المواطنين العمانيين في القطاع الخاص إلى 42% بحلول عام 2040، وزيادة الاستثمارات الأجنبية إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ومضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد لكي يصل إلى معدل نمو يبلغ 6%، ومن المتوقع أن تسهم القطاعات غير النفطية بنسبة 93% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويرتكز السلطان “هيثم” على الشباب للإعداد لمستقبل سلطنة عُمان، في إطار رؤية 2040، حيث ساهمت المناصب الثقافية والرياضية التي شغلها في تحقيق تواصل بينه وبين الشباب، كما أنه عقد كثير من اللقاءات مع الشباب العماني لتوضيح رؤية 2040، حينما كان يرأس اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية عُمان 2040.

  • ويمكن القول أن، القيام بإصلاحات اقتصادية سيشكل أولوية لدى السلطان العماني الجديد، بما يتيح فتح الباب لتوفير فرص عمل للشباب العماني.

السياسة الخارجية العمانية في عهد السلطان الجديد

انتهجت عُمان في عهد السلطان الراحل قابوس (1970 – 2020) سياسة “الحياد الإيجابي”، واتسمت دبلوماسيتها بالواقعية والتوازن في دوائر حركتها الخارجية.

وهناك مرتكزات أساسية تتسم بها السياسة الخارجية لسلطنة عُمان، حيث تنتهج سلطنة عُمان في سياستها الخارجية استراتيجية الحياد وعدم الانحياز إلى أي طرف، والقيام بجهود التهدئة بين الأطراف المتصارعة، وإبقاء جميع قنوات الاتصال مفتوحة مع كافة الأطراف للمساهمة في تسوية الأزمات، وترفض عُمان سياسة الأحلاف والمحاور الإقليمية وعسكرة الصراعات الدولية، وتؤكد دائماً على أن حل الصراعات السياسية يكون سلمياً، عبر الوساطات والمفاوضات.

وبناء على ما سبق، طرح رحيل السلطان “قابوس بن سعيد” تساؤلات بشأن مستقبل السياسة الخارجية العُمانية، ومدى إمكانية استمرارها أو حدوث تغيرات فيها.

تولي السلطان “هيثم” الحكم في خضم أحداث إقليمية مليئة بالتوترات، وقد أعلن “هيثم بن طارق” بعد تعيينه سلطاناً جديداً أنه سيواصل سياسة “عدم التدخل”. وتستند هذه السياسة إلى التعايش السلمي بين الأمم، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واحترام السيادة الوطنية للدول الأخرى وتفعيل التعاون الدولي.

وهو ما يعتبر مؤشراً لاستمرار أغلب الخطوط العريضة في سياسة عُمان الخارجية، واستمرار  سياسة ممارسة عُمان دور الوساطة على مستويات عدة بين الدول المتناحرة في إقليمها، بما يقلل من حدة الاستقطاب الذي يشكِّل خطراً على استقرارها، ونجد  أن ممارسة الوساطة يمنح عُمان وزناً في النظام الإقليمي، ويتضح ذلك على النحو التالي:

  • الموقف العُماني من الأزمة اليمنية: منذ اندلاع الأزمة اليمنية، أتبعت سلطنة عُمان سياسة عدم الانحياز في النزاع اليمني، حيث لم تنخرط السلطنة في التحالف العربي ضد الحوثيين في مارس 2015، كما أنها تعاملت بتوازن مع الطرفين حيث استقبلت الرئيس اليمني “عبدربه منصور هادي”، كما استقبلت الجرحى الحوثيين بناءً على وساطة أممية منذ ديسمبر 2018، وتدعم السلطنة العُمانية دعم جهود الأمم المتحدة في الملف اليمني، دون الانزلاق إلى مستنقع الحرب في اليمن.
  • الأزمة القطرية: على الرغم من قيام المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر بقطع العلاقات مع قطر في يونيو 2017، لم تقم سلطنة عٌمان بقطع العلاقات مع قطر، واكتفت بخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع الدوحة. وانتهجت مسقط في هذه الأزمة سياسة الوقوف على مساحة واحدة من جميع الأطراف في المنطقة، والقيام بدور الوسيط والعمل على تقديم المساعدات الإنسانية، وقد قامت عُمان بوضع طائراتها في الخدمة لنقل المواطنين القطريين العالقين داخل الدول التي قاطعت الدوحة، كما يبذل وزير الشؤون الخارجية لسلطنة عُمان “يوسف بن علوي” جهوداً للتنسيق مع الكويت التي تقود جهود المصالحة الخليجية.
  • الموقف العُماني تجاه التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران: تميزت عُمان بعلاقاتها مع إيران، فقد عملت عُمان خلال السنوات الأخيرة كوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، لتسهيل المباحثات للوصول للاتفاق النووي في عهد الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما”؛ ولكن انسحاب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” من الاتفاق في 2018 أعاد التوتر للمنطقة، وهو الأمر الذي تخشى عُمان من التأثر بانعكاساته السلبية. وقد سعت عُمان للقيام بدور إيجابي لإنهاء الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وقدمت عُمان عرضاً للوساطة يرتبط بالحوار مع الولايات المتحدة، إلا أن الخارجية الإيرانية أكدت أن التفاوض مع الإدارة الأمريكية غير وارد وغير موجود.

ترتيباً على ما سبق، يمكن القول إن استمراره في السياسة المتوازنة، والعمل على الاستقرار، ونزع فتيل التوتر بين إيران والولايات المتحدة، سوف يبقى دون تغيير؛ بل ربما يشهد مزيداً من الجهود لتحقيق الاستقرار.

الخلاصة:

من خلال الاستعراض السابق، يتضح توجه السلطان العماني “هيثم بن طارق آل سعيد” على صعيد السياسة الداخلية، بأنه سيعمل بشكل مركز على التنمية الاقتصادية، وتحسين البنية التحتية في عُمان، وتنويع الاقتصاد العماني، ومنح الأولوية لرؤية 2040. ويبدو من المرجح أن تكون استراتيجية استمرار الحياد في السياسة الخارجية، المتمثلة في “الصداقة مع الجميع ولا عداء لأحد”، بما يحافظ على الاستقرار السياسي والأمني والنمو الاقتصادي في سلطنة عمان، في ظل التوترات التي يشهدها الإقليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى