دول المشرق العربي

ماذا وراء عملية حزب الله ضد قوات إسرائيلية في مزارع شبعا؟

هجوم أو محاولة تسلل أو استهداف من قبل حزب الله اللبناني في مزارع شبعا على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، أعقبه بيان من إسرائيل يعلن إحباط الهجوم، أعقبه نفي من حزب الله ضلوعه في أي من هذه الهجمات أو التوترات على الحدود مع إسرائيل. أحداث بدأت منذ عصر اليوم، في سياق ملتهب طوال الأسبوع الجاري على إثر مقتل أحد عناصر حزب الله والذي يُدعى علي كامل محسن في غارة من الغارات الإسرائيلية التي لا تتوقف على الأهداف التابعة لإيران وحزب الله في الأراضي السورية يوم 20 يوليو الجاري، مستهدفة موقعًا عسكريًا قرب مطار العاصمة السورية دمشق.

هجوم مُنتظر

الغارة الإسرائيلية على الموقع العسكري في سوريا حاولت إسرائيل التنصل من تعمدها قتل علي كامل محسن فيها؛ إذ قالت قناة الميادين اللبنانية المقربة من حزب الله إن إسرائيل أرسلت رسالة إلى حزب الله عبر الأمم المتحدة تخبره فيها أنها “لم تكن على علم بوجود محسن ولم تكن تقصد قتله”، محذرة إياه من مغبة أي تصعيد عسكري انتقامي. وعلى إثر ذلك اتخذت إسرائيل كافة استعداداتها للعمل العسكري الانتقامي المتوقع من قبل حزب الله كما تعود الطرفان في وقائع سابقة، ومنها استهداف آلية عسكرية إسرائيلية على طريق افيفيم وإصابة من فيها في سبتمبر الماضي، ردًا على مقتل عنصرين تابعين للحزب في غارة إسرائيلية على سوريا.

وقد بدأت المناوشات طوال الأسبوع الجاري، مع الاستعدادات الإسرائيلية المتواصلة ورفع حالة الطوارئ على الحدود مع لبنان، وزيارة وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس إلى المنطقة الحدودية بالأمس، وإعلان نشر بطاريات القبة الحديدة المضادة للصواريخ ومدافع تحسبًا لأي هجوم، وتأكيد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي خلال الزيارة بصحبة جانتس ضرورة استعداد الجيش لرد محتمل من حزب الله ومطالبة قيادة المنطقة الشمالية بتقليص تحرك القوات على الحدود كي لا تتحول إلى أهداف لحزب الله. ثم إعلان الجيش الإسرائيلي عن إسقاط طائرة مسيّرة تابعة له في لبنان أثناء قيامها بنشاط عملياتي على الحدود.

وكان نائب أمين حزب الله نعيم قاسم قد أكد أمس في لقاء مع قناة الميادين أن “معادلة الردع قائمة مع إسرائيل ولا تغيير في قواعد الاشتباك”، مستبعدًا في الوقت ذاته نشوب حرب في الأشهر المقبلة.

تأكيد ونفي

حسب بيان الجيش الإسرائيلي فإنه قد “أحبط عملية تخريبية في منطقة جبل روس، حيث تمكنت القوات من تشويش عملية خططت لها خلية من حزب الله مكونة من بين 3 إلى 4 مخربين، والتي تسللت أمتارًا معدودات للخط الأزرق ودخلت إلى منطقة سيادية إسرائيلية، وتم فتح النيران نحوهم وتشويش مخططهم”، مشيرًا إلى أنه لم يتم تسجيل إصابات في صفوفه، وسُجّلت إصابات في صفوف عناصر حزب الله.

وحسب مصادر إعلامية إسرائيلية فإن الهجوم قد بدأ عند الساعة الثانية عشرة والنصف مساءً بتوقيت جرينتش، إذ حاولت خلية تابعة لحزب الله التسلل إلى موقع “غلاديولا” في جبل روس شمالي إسرائيل والسيطرة عليه، ولكن رد الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار على الفرقة بالمدافع والصواريخ وقذائف الهاون. فيما أفادت وكالة رويترز أن حزب الله أطلق صاروخًا على آلية عسكرية إسرائيلية في مزارع شبعا، وهو ما نفاه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي هيداي زيبرمان، مؤكدًا أن “الحكومة الاسرائيلية تعتبر أن تبعاتٍ كبيرة ستنتج عن هذه الحادثة، وهناك توتّر وأيام صعبة ومعقدة تنتظرنا”.

ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه العملية بأنها “عملية ليست سهلة”، مشيرًا أمام الكنيست إلى أن “الجيش مستعد لأي سيناريو. نحن نعمل في كل ساحات الدفاع الإسرائيلي، بالقرب من حدودنا وبعيدا عنها”. فيما قال وزير الدفاع الإسرائيلي بني جانتس إن “حزب الله اللبناني والحكومة اللبنانية مسؤولة عن إطلاق نار على الجيش الإسرائيلي وإسرائيل لن تصمت”.

وفي المقابل أصدر حزب الله بيانًا أكد فيه أن “كل ما تدعيه وسائل إعلام العدو عن إحباط عملية تسلل من الأراضي اللبنانية إلى داخل فلسطين المحتلة وكذلك الحديث عن سقوط شهداء وجرحى للمقاومة في عمليات القصف التي جرت في محيط مواقع الاحتلال في مزارع شبعا هو غير صحيح على الإطلاق، وهو محاولة لاختراع انتصارات وهمية كاذبة، تؤكد المقاومة الإسلامية أنه لم يحصل أي اشتباك أو إطلاق نار من طرفها في أحداث اليوم حتى الآن، وإنما كان من طرف واحد فقط هو العدو الخائف والقلق والمتوتر، إن ردنا على استشهاد الأخ المجاهد علي كامل محسن الذي استشهد في العدوان الصهيوني على محيط مطار دمشق الدولي  آت حتماً، وما على الصهاينة إلا أن يبقوا في انتظار العقاب على جرائمهم”.

دوافع التحرك الإسرائيلي

تأتي الغارة الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل عنصر حزب الله علي كامل محسن يوم 20 يوليو ضمن الغارات الإسرائيلية المتواصلة للأهداف الإيرانية في سوريا، ضمن الصراع الأعم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران ووكلائها وعلى رأسهم حزب الله من جانب آخر.

إسرائيل ورغم نفيها المثير للاندهاش لعلمها وجود  علي كامل محسن في المقر الذي استهدفته في سوريا، فإن هناك عدة دوافع تقف وراء تصعيدها ضد حزب الله، على الرغم من علمها التام بأن رد الحزب سيكون حاضرًا في “المكان والزمان الذي يحدده” وفق الصيغة التي اعتاد الحزب تأكيدها في مثل هذه الحوادث المشابهة.

  • الصراع مع إيران

يمثل الوجود الإيراني في سوريا خطرًا ومهددًا استراتيجيًا لإسرائيل، ولذلك تسعى إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة إلى إنهاء هذا الوجود، ولذلك أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت في نهاية شهر أبريل الماضي بدء مرحلة “طرد إيران” من سوريا، مؤكدًا أن إسرائيل انتقلت من مرحلة كبح نفوذ طهران في سوريا إلى مرحلة إجبارها على الخروج من هناك،

ولذلك فإن الضربات الإسرائيلية التي تستهدف إيران ووكلاءها في سوريا تهدف إلى تحقيق هذا المأرب، وفي نفس الوقت استفزاز حزب الله لشن هجوم كهجوم اليوم أو هجوم آخر، يستطيع بمقتضاه رئيس الوزراء الإسرائيلي إعادة خلق العدو القريب أمام المجتمع الإسرائيلي.

  • إعادة خلق العدو القريب

يعاني رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من وضع داخلي متأزم، بفعل اتهامات الفساد الموجهة إليه منذ فترة طويلة، والخلافات التي دارت حول تشكيل الحكومة الجديدة والتي أدت إلى انتخابات تشريعية في ديسمبر الماضي هي الثالثة في أقل من عام، ثم الوصول إلى اتفاق سياسي مع غريمه رئيس حزب أزرق أبيض ووزير الدفاع الحالي بيني جانتس على إدارة المرحلة المقبلة.

إضافة إلى ذلك تتزايد يومًا بعد آخر موجات الغضب الشعبي ضد نتنياهو، على إثر فشل حكومته في إدارة أزمة جائحة كورونا كما ينبغي، ومعاناة الكثيرين منهم من عواقب اقتصادية ومعيشية وخيمة، فضلًا عن استمرار الإصابات بالفيروس حتى الآن بأعداد تفوق الألف إصابة يوميًا. وهو ما أدى إلى خروج الإسرائيليين في مظاهرات ضد نتنياهو طوال الأسبوعين الماضيين، ومطالبتهم باستقالته، وهو ما يهدد دولة الاحتلال باللجوء إلى انتخابات رابعة.

وأمام ذلك كله يسعى نتنياهو عبر العملية التي استهدف فيها العنصر التابع لحزب الله في سوريا إلى استفزاز حزب الله ومن خلفه إيران المستفزة بالفعل بناء على الضربات المتلاحقة التي توجهها إسرائيل لها في سوريا، والواقعة الأخيرة لاعتراض طائرتين أمريكيتين من طراز إف-15 لطائرة مدنية إيرانية أثناء تحليقها في المجال الجوي السوري. ومن ثم يسوق نتنياهو ردات الفعل الانتقامية وخاصة من حزب الله أمام الإسرائيليين بأن العدو لم يعد إيران فحسب، بل أن العدو الكامن الذي لا يفيق إلا بين فترة وأخرى وهو حزب الله قد يطور المواجهة لتكون حربًا شاملة ضد إسرائيل، على غرار حرب يوليو 2006.

دوافع رد حزب الله

إن صدقت الرواية الإسرائيلية بشأن ما حدث فإن حزب الله قد أقدم على رد انتقامي محدود للغاية على مقتل العنصر التابع له في سوريا، متمثلًا في هجوم بضعة عناصر على منطقة وتبادل إطلاق النار مع الجنود الإسرائيليين فيها، هذا بعيدًا عن رواية الحزب بأنه لم يقم بأي هجوم على داخل إسرائيل، وأن الرد على مقتل علي كامل محسن آتٍ لا محالة، وعن رواية وكالة رويترز بأنه تم استهداف آلية عسكرية إسرائيلية، ولحزب الله عدة دوافع وراء ذلك:

  • الحفاظ على معادلة الردع

يهدف حزب الله من وراء هذا الهجوم وإن كان محدودًا الإبقاء على معادلة الردع التي أنتجها في مواجهة إسرائيل منذ حرب يوليو 2006، ووفق الوقائع الثابتة التي تؤكد حتمية رد حزب الله على أي استهداف لأي من قياداته أو قواته داخل لبنان أو خارجها. عدم رد حزب الله على الهجوم يضعه في موقف صعب ويظهر بموجبه بمظهر الضعيف أمام إسرائيل وأمام عناصر الحزب ذاته، ولذا كان لزامًا على حزب الله أن يرد على الحادث الإسرائيلي، حتى وإن كان ردًا محدودًا.

  • الرد على المناوئين

يعاني حزب الله من تزايد موجة الغضب الشعبي ضده ورفض الشعب اللبناني وبعض الأحزاب السياسية لنفوذه السياسي المستمد من نفوذه العسكري في الداخل اللبناني، ولذلك تزايدت الدعوات خلال الفترة الأخيرة إلى سحب سلاح الحزب، وجعل الأمر مقصورًا على الجيش اللبناني فقط. 

ومن ثم يسعى حزب الله إلى التأكيد للبنانيين أن سلاحه هو الحامي للبنان في مواجهة إسرائيل، وهو المحافظ على معادلة الردع الاستراتيجي معها، وبالتالي نزع سلاح الحزب يعني الضعف المطلق للبنان أمام إسرائيل. كما يسعى الحزب لإثبات قوته أمام دول العالم، وأنه رقم صعب لا يٌستهان به ولا يمكن تجاوزه في الداخل اللبناني، وذلك ردًا على الدعوات الغربية بضرورة تنحي حزب الله من المشاركة في الحكومة اللبنانية كشرط رئيس لتقديم أي مساعدات مالية للبنان الذي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة.

سيناريوهات التصعيد

بناء على المعطيات السابقة يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التصعيد بين إسرائيل وحزب الله:

  • السيناريو الأول: هجوم حقق أهدافه

الهجوم اليوم حقق لحزب الله ما يريد من الحفاظ على معادلة الردع الاستراتيجي مع إسرائيل، وإثبات حضوره، وفي الوقت نفسه حقق لإسرائيل ما تريد إذ أعاد إشعال الجبهة على الحدود مع لبنان، مما يمكن تسويقه بشكل يؤدي إلى وأد المظاهرات التي نشبت ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

ومن هنا فقد يتم الاكتفاء من قبل كلا الطرفين بهذا الهجوم الذي كان متوقعًا ومنتظرًا وجاء في حدوده الدنيا، خاصة وأن كليهما يعاني من أزمات سياسية واقتصادية، وغير مستعدين للتوجه إلى مواجهة ممتدة أو حرب، فإسرائيل تعاني انقسامًا سياسيًا مستمرًا، وأزمات معيشية، وحزب الله قد أنهكته الحرب في سوريا، مع تراجع الدعم المادي المقدم له من إيران، ودخوله في مواجهة مع إسرائيل في هذا الوقت لن يكون في صالحه.

  • السيناريو الثاني: الرد لم يحدث بعد

يمكن تفسير نفي حزب الله للهجوم الذي أعلن الجيش الإسرائيلي إحباطه في سياق التصريحات الإسرائيلية التي حمّلت لبنان وحكومته بجانب حزب الله مسؤولية الهجوم، متوعدة بالرد، وذلك اتصالًا أيضًا بما ذكرته تقارير إعلامية إسرائيلية قبل أيام أن إسرائيل أرسلت تهديدًا للحكومة اللبنانية عبر وساطة أجنبية بأنها لن تقبل بمقتل أي جندي من جنودها، وأنها ستضرب العمق اللبناني لمهاجمة أهداف حزب الله إن حدث ذلك.

ومن هنا فإما أن حزب الله لم يقم بهذا الهجوم بالفعل كما أعلن في بيانه، وأنه لم يرد حتى اللحظة على مقتل علي كامل محسن، وسيكون رده قادمًا بشكل يفوق ما حدث في هذا الهجوم، أو أن التصريحات الإسرائيلية وإقدام الحزب على الهجوم بقرار منفرد كعادته دون التنسيق مع حكومة بيروت قد زاد من السخط الحكومي على ممارساته، وخلق ضغطًا داخليًا أو خارجيًا أدى إلى إصدار بيان النفي؛ حتى لا يكون لبنان هو ضحية هذا الهجوم، وحتى لا ينفجر الشعب ضده؛ إذ يزيد من معاناته الاقتصادية معاناة أخرى بهجمات إسرائيل.

  • السيناريو الثالث: التصعيد والمواجهة الممتدة

إذا ما رُبط هذا الهجوم الأخير بالسياق الإقليمي الأوسع بين إيران وإسرائيل، في ظل الغارات الإسرائيلية على سوريا، وتفجير مجمع “نطنز” النووي الإيراني في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، وتوجيه أصابع الاتهام فيه إلى إسرائيل، وتهديد إيران بالرد بحزم على أي حكومة أو نظام يثبت تورطه في الحادث، فإن الأمور قد تتجه إلى خيار المواجهة الممتدة بين إسرائيل وحزب الله أولًا، ثم إسرائيل وإيران ثانيًا، وقد يكون لبنان هو الساحة الأنسب لإيران لإشعال هذه المواجهة، ولكن عوائق كثيرة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا قد تقف دون حدوث هذا السيناريو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى