مقالات رأي

الدكتور حمدي عبد الرحمن يكتب : سد النهضة وسياسة النفس الطويل

يقولون في العامية المصرية “أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أستعجب ” ولعل ذلك ينطبق على الموقف الإثيوبي  في مفاوضات سد النهضة. إذ يبدو أنهم يقولون في الغرف المغلقة شيئا ويفعلون في العلن شيئا آخر.

ربما يوضح لنا الدكتور علاء الظواهري، عضو وفد التفاوض المصري جانبا من ملامح المشهد الذي يبدو عبثيا حينما قال بأن “تصريحات وزير خارجية إثيوبيا، غيدو أندارجاشيو، وقوله “النيل لنا”، وإن مياهه لن تتدفق خارج البلاد تعتبر “غريبة ومستفزة”.وأنها لا تصدر عن رجل سياسي.

على أن ما يعنينا هنا هو أن الدكتور الظواهري أكد أمرين أولهما هو أن إثيوبيا تعطي في قاعات التفاوض وعودا وهمية ولعل ذلك هو سبب وصفه لتصريحات الخارجية اثيوبية بأنها انقلاب. الأمر الثاني هو أن أثيوبيا أغلقت إحدى البوابات لتكمل المرحلة الأولى من الملء وهو ما أكدته السودان أيضا .ولعل ذلك ينفي صحة الادعاء الأثيوبي بأن الخزان ملء نفسه بنفسه نتيجة تزايد معدل الأمطار. النتيجة هنا أن أثيوبيا تعمدت القيام بعمل أحادي منفرد وبغير موافقة السودان ومصر.تم ذلك والاتحاد الأفريقي ودن من طين وودن من عجين .بل إنه تأخر في إصدار بيان قمة هيئة مكتبه الثانية ثلاثة أيام طوال. كما أن لغة البيان جاءت فضفاضة وتحمل أوجها عدة للتأويل.

من الخبرة السابقة بات من الواضح أن أثيوبيا تحاول شراء مزيد من الوقت لتفرض سياسات الأمر الواقع تارة بالحيلة وتارة بإطلاق الوعود الزائفة وتارة ثالثة بالتمسك بأهداب شعارات فضفاضة مثل الحلول الأفريقية للمشكلات الإفريقية.

في اتصال رامافوسا بالرئيس السيسي تم التأكيد على ثوابت الموقف المصري وهي اتفاق قانوني ملزم وعدم القيام بإجراءات أحادية .ولعل المطلوب في هذه الجولة هو تحديد سقف زمني محدد والاتفاق على الإطار المرجعي للمفاوضات بحيث يتم تحديد المفاهيم الأساسية مثل الجفاف والجفاف الممتد وآلية فض المنازعات والمشروعات المستقبلية على النيل الأزرق وهكذا.

ولعل ما يثير الدهشة أن حركات أثيوبيا تبدو متناقضة. ففي الوقت الذي اتهمت فيه إدارة الرئيس ترامب بالانحياز ورفضت التوقيع على مسودة اتفاق واشنطن نجدها تدفع المال من أجل كسب ود صانع القرار الأمريكي في قضية سد النهضة.

لقد تعاقدت السفارة الإثيوبية في واشنطن مع شركة بارنز أند ثورنبرج، وهي شركة علاقات عامة لممارسة الضغط السياسي، في 30 يونيو الماضي. تبلغ قيمة الاتفاقية 130 ألف دولار أمريكي وتستمر لمدة ثلاثة أشهر.

“سوف تساعد هذه الشركة السفارة الأثيوبية في ترتيب اجتماعات مع المسؤولين الحكوميين في الأمور التي تهم السفارة ، والمساعدة في التخطيط الاستراتيجي والدفاع عن تلك المصالح” .

ليست المشكلة في التعامل مع شركات العلاقات العامة وممارسة الضغط السياسي بكافة الدول تفعل ذلك .ولكن دلالات ذلك تعني أن أثيوبيا تتبنى سياسة النفس الطويل وإرهاق الخصوم في نفس الوقت الذي توظف فيه واقعها التاريخي البائس وتستخدم مفاهيم التخلف والمظلومية مقابل إظهار مصر بموقف المستفيد الأوحد من مياه النهر.

كل ذلك يدفعنا إلى إعادة النظر في مقارباتنا التفاوضية ووضع خطط بديلة في حالة عدم قدرة الاتحاد الأفريقي على إنجاز مهمته التي اضطلع بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى