مقالات رأي

خطيئة “فاروق” والحساب الغائب

مرة أخرى يجد المصريون أنفسهم ضحية لخطايا ما بات يسمى بالإعلام الرياضي. الخطيئة تلك المرة هي الطعن في واحدة من المحطات المضيئة في تاريخ مصر الكروي. الخطيئة تلك المرة تتعلق بنزاهة وصول مصر إلى كأس العالم عام ١٩٩٠. مرتكب الخطيئة هو الكابتن فاروق جعفر لاعب نادي الزمالك ومنتخب مصر قبل نحو أربعين عامًا. مكان ارتكاب الخطيئة قناة الزمالك وعلى الهواء مباشرة. حيث أدلى اللاعب خلال حوار معه قبل أيام بكلام أقل ما يقال عنه أنه لغو أو ثرثرة فارغة لا تليق بتاريخه الكروي، ولا بالخبرة التي يفترض أنه اكتسبها وهو في تلك السن.

والأهم أنها لا تليق ولا ترقى لأن تقذف هكذا في وجوه المصريين عامة ومحبي كرة القدم خاصة. الرجل وبكل بساطة قال إن الحكام الأفارقة كانوا يجاملون أو يسعون لمجاملة نادي الزمالك مقابل بعض الهدايا أو الامتيازات، مؤكدًا أن ذلك حدث معه ومع نادي الزمالك الذي كان يقوده في تلك الأثناء نهاية سبعينيات القرن الماضي. عند تلك النقطة ربما يكون الرجل حرًا في أن يقول ذلك باعتبار أن هذا الكلام واقعة شخصية تخصه وتخص النادي الذي كان يلعب له وهو صاحب القناة التي يطل من خلالها، أما أن يسقط ذلك الكلام على بعض الأندية الأخرى فتلك هي الخطيئة الأولى.

فهي ليست واقعة شخصية كونه بالتأكيد لم يكن حاضرًا وهو ما يمثل اتهامًا لتلك الأندية بدون أي دليل. الأندية الأخرى التى ذكرها الرجل كان في مقدمتها بالطبع النادي الاهلى الذي يمثل في تقديري المستهدف الرئيسي من تلك الترهات. ففي الفترة التي كان لاعب نادي الزمالك السابق في الملاعب كان ناديا الأهلي والزمالك هما ممثلي الكرة المصرية الرئيسيين في البطولات الأفريقية وليس غيرهما. ومن ثم فلن يكون من قبيل المبالغة أو الافتراء فهم ذلك الكلام في إطار المعركة الدائرة ضد الأهلي بشأن تتويجه بلقب نادي القرن.

فاروق جعفر باختصار يريد أن يطعن في جدارة الأهلي بلقب نادي القرن وفي سبيل ذلك لا يبدو مهتمًا كثيرا بصورة ناديه ولا الأندية الأخرى، وكأن ذلك لا يسيء إلى مصر والكرة المصرية قبل أن يسيء إلى نادي من الأندية التى ذكرها. ولو توقف اللاعب عن ذلك الحد لربما مر الموضوع. ولكن الفاجعة أو أم الخطايا هي تمادي اللاعب في ثرثرته ولكي يكسبها معنى أو أهمية فيذكر أن المنتخب المصري هو الآخر تمت مجاملته ليصل إلى نهائيات كأس العالم عام ١٩٩٠. 

في الحقيقة الرجل لم يذكر كيف تمت مجاملة المنتخب، ولكن حشر وقائع وصول المنتخب في سياق حديثه عن فساد الحكام الأفارقة الذي كان شاهدًا عليه قبل عشر سنوات من تصفيات وصول المنتخب إلى كأس العالم ١٩٩٠، يعني بوضوح رغبة منه في إثبات أن المنتخب وبالتالي مصر قد قدمت بعض الرشى للحكام لمساعدتها في الفوز بالمباريات في التصفيات. وهو الادعاء الذي تلقفته العديد من الصحف في بعض الدول خاصة الجزائر التي وصلنا لنهائيات كأس العالم على حسابها واتخذت منها ذريعة للنيل من مصر ومنتخبها، مستغلة أن الرجل من مشاهير الكرة المصرية، وهو بذلك من أهلها وقد شهد!

وبالطبع تغاضت عن حقيقة أن الرجل لم يكن أثناء التصفيات لاعبًا أو مسؤولًا في المنتخب، أو حتى عاملًا للعناية بغرف ملابس المنتخب، بما يجعل منه في أحسن الأحوال “شاهد ماشفش حاجة!”، ولأن الموضوع وصل المنتخب فقد استدعى ردًا من شهود العيان وأبطال الوصول إلى نهائيات كأس العالم الفعليين الذين أكدوا لشاهد الزور أن أيا مما قال لم يحدث، وأنهم لم يتصل علمهم به يومًا، وأن المنتخب المصري وصل النهائيات بجهد لاعبيه ومدربه ودعم الدولة.

ثلاثون عامًا مضت على كأس العالم ١٩٩٠ ولم يتذكر فاروق جعفر فساد الحكام والمجاملات للأندية المصرية والمنتخب المصري إلا الآن في ظل المعركة المفتعلة بشأن نادي القرن! لقد شوّه جعفر سمعة قطبي الكرة المصرية والمنتخب الوطني، وأهال التراب على الإنجازات الكروية لأجيال كثيرة لأسباب تخصه وتخص القناة التى خرج علينا منها، والغريب أنه لم يتفضل علينا ليقول لنا كيف حصل المنتخب المصري بقيادة رفيقه الكابتن حسن شحاتة على بطولة الأمم الأفريقية ثلاث مرات متتالية، وهل كانت هي الأخرى بالمجاملة؟!

والغريب أيضًا أن رئيس نادي الزمالك الذي لا يترك من يقترب بالتجريح تصريحًا أو تلميحًا من نادي الزمالك لم يصدر عنه تعليق بشأن تصريحات جعفر، وكأن شيئا لم يكن! أما الأغرب من ذلك فهو ألا يتحرك النادي الاهلي والأندية الاخرى للدفاع عن سمعتهم والاكتفاء برد بعض نجوم الأهلي الذين شاركوا في تحقيق حلم الوصول لنهائيات كأس العالم.

على أية حال فإن مهمة محاسبة جعفر تظل منوطة بشكل أساسي وواجب في حق جهتين هما اتحاد الكرة وربما وزارة الشباب أيضا وكذلك المجلس الأعلى للاعلام باعتبار أن جعفر ارتكب خطيئته في إحدى وسائل الإعلام على مرأى ومسمع من الجميع. وإذا كانت محاسبة فاروق جعفر مهما بلغت قسوتها ومهما رد عليه نجوم كرة القدم لن تمحي الاثار السلبية لما قاله، فإنها ربما تساهم في حماية المجتمع من انفلاتات الإعلام الرياضي ونجومه، وربما تمثل جرس إنذار جديد ينبه لخطورة ترك الإعلام الرياضي بلا ضابط ولا رابط، طالما أنه يحقق مصلحة المعلن والمنتج، ويساعد في تصفية الحسابات الشخصية مهما كان الثمن دونما اعتبار للمصلحة الوطنية.

تشويه سمعة مصر الرياضية لا يقل خطورة عن تشويه سمعتها السياسية والاجتماعية بصرف النظر عن انتماء الفاعل. فالنيران تحرق وتشوه حتى ولو كانت نيرانًا صديقة! 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى