تركيا

بين الرمزية والرسائل.. بندقية البغدادي وسيف آيا صوفيا

بين إرث قديم لحقبة تاريخية من عمر هضبة الأناضول تُقدّر بخمسمائة عام، وحاضر معاصر قارب على إتمام قرنه الأول، وشهد تغيير الجلد واللون، تارة ادعاء وجاهة أوروبية، وأخرى ارتداء لعباءة عربية إسلامية؛ تتأرجح السياسات التركية بين كمون استراتيجي دام قرابة ثمان سنوات منذ العام 2002، في انتظار حصائد خططه للتغلغل الناعم في المحيط العربي والإسلامي والإفريقي، بقوة الدراما والمساعدات الإنسانية، وإعلاء قيم التعايش السلمي. لينتهي الكمون الاستراتيجي عند عتبة “الربيع العربي”، حيث ظهرت بجلاء نزعة الهيمنة التركية على جوارها العربي والإسلامي. بيد أنها لم تكن قيد ولادة لحظة “الربيع العربي” بل كانت حاضرة منذ تأسيس الجمهورية التركية المعاصرة على يد مؤسسها “مصطفي كمال أتاتورك”، وكذا، منذ وصول العدالة والتنمية لسدة حكم أنقرة قبل ثمانية عشر عام.

استندت نزعة الهيمنة التركية على محيط يُقدّر بعشرة أضعاف مساحتها، على مرتكزات تاريخية، ومزاعم استحقاق استعادة إرث الدولة العثمانية البائدة، وأيديولوجية، دعم كافة كيانات وتنظيمات الإسلام السياسي في الدول العربية، والإفريقية المطلة على مناطق الاختناقات المرورية البحرية والغنية بموارد الطاقة، فيما بات يُعرف بالاشتباك المباشر مع الجغرافيا السياسية، الذي بات محدداً للسياسة الخارجية التركية، حيث أفرز جملة تداعيات أبرزها:

1- التعاون الوثيق مع الشبكة الإقليمية لتنظيمي داعش والقاعدة، لاقتطاع مساحات برية من أراضي دول الجوار العربي، وتهديد وإضعاف الجيوش النظامية للدول العربية المركزية.

2- الدخول في تحالفات إقليمية ودولية لتطويق جهود الدول العربية المركزية لإعادة بناء “الدولة الوطنية” في الدول العربية المنكوبة والتي تشهد تفشي ظاهرة الإرهاب وانتشار الميليشيات المسلحة، وإنهاء احتكار الدولة ومؤسساتها الأمنية للقوة الإكراهية.

3- محاولة فرض وقائع ميدانية ولاسيما بمناطق الثروات الطبيعية لمساومة الدول المعنية إما بتخفيض احتمالات المواجهة العسكرية معها والدخول في معادلات الطاقة الناشئة، أو تعطيل مشاريع خطوط وإمداد الطاقة وخاصة تلك المتجهة لأوروبا.

4- توسيع خطط انشاءات البني التحتية العسكرية خارجيًا من خلال التركيز على الانتشار والتمركز في نقاط تطل على مسارح بحرية محورية في الاستراتيجية العسكرية الإقليمية “الخليج العربي – البحر الأحمر – بحر العرب – شرق المتوسط”.

5- تصدير خطاب الأممية الإسلامية، المُغلف بتطلعات الشخصية التوسعية التركية، حيث وقفت تركيا المعاصرة الآن بوجهين يحملا تناقض الذاكرة السياسية، فالأول، وجه القومية التركية المعاصرة دون إغفال المكون الفكري الأتاتوركي الذي ينسب إليه الفضل في تجنيب تركيا سيناريوهات التفتت بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولي واستعادة السيطرة على كامل الأناضول ومضائقها البحرية الهامة استراتيجيا التي تنازل عنها الامبراطور العثماني – حرب الاستقلال -. والوجه الثاني، مذهبي، يستند على النسخة السنُية من أدبيات الحاكمية الإسلامية “الخلافة”. ما جعل التناقض أبرز سمات المشهد التركي في أروقة صانع القرار، فصورة كمال أتاتورك الذي تنظر إليه كوادر الحزب الحاكم كونه محطم الخلافة كانت تعلو قاعة اجتماع مجلس الأمن القومي التركي في أنقرة، الثاني والعشرين من يوليو الجاري. إذ نوقش في الاجتماع كافة قضايا الانخراط التركي العسكري خارجيًا في الجبهات الأربعة “سوريا – العراق – شرق المتوسط – ليبيا”.

وفي اليوم التالي من اجتماع مجلس الأمن القومي، زار أردوغان ضريح “أتاتورك” في أنقرة، برفقة أعضاء مجلس الشورى العسكري الأعلى في البلاد، وكتب رسالة له في دفتر الزائرين، قائلا: ” القائد أتاتورك، نحن أعضاء مجلس الشورى العسكري الأعلى، وبمناسبة اجتماع العام 2020 نقف في حضرتكم، ونحن مستمرون في العمل للوصول إلى أهداف عام 2023 لتركيا التي أسستموها وأوكلتموها لنا”. 

عبّرت النقطة الخامسة من جملة تداعيات الانخراط التركي “الاشتباك المباشر مع الجغرافيا السياسية”؛ عن توظيف تركيا تحت حكم الرئيس أردوغان كافة الموروث القومي والتاريخي ضمن مشروعه التوسعي، الذي بات الآن يتجاوز عتبة تناقض الذاكرة السياسية بين أمس علماني منكفئ على الذات والداخل، وحاضر إسلاموي يُعبّر عن تطلعات الشخصية القومية التركية. فبعد زيارة الضريح الأتاتوركي، كانت تركيا على موعد مع واحدة من أكثر لحظات تاريخها دراماتيكية، إذ كشفت وبحق صدقية التطلع القومي والمشروع التوسعي.

سيف آيا صوفيا.. بين الرمزية والدلائل

بعد مُضي أسبوعين تقريبًا على التوقيع على مرسوم بتغيير وضعه إلى مسجد، وفي ذكرى توقيع معاهدة لوزان، أدى آلاف المصلين أول صلاة جمعة في “آيا صوفيا” في إسطنبول، حيث تقدَّمهُم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، برفقة رئيس الشؤون الدينية علي أرباش، وأعضاء من حكومته، وزعيم حزب الحركة القومية التركي دولت باهتشلي، في الصفوف الأولى داخل المتحف الذي يعود لنحو 1500 عام. 

وتلي الرئيس التركي آيات من القران الكريم، في مشهد لم يكن بالغريب، أو حدثًا لافتًا وفريدًا، فالرئيس صاحب الكاريزما اعتاد ذات المشهد وأجاد سابقيه. اللافت والفارق كان في لحظة صعود “على أرباش” المنبر والبدء في خطبة الجمعة. وعلى قدر مشاعر العالم الغربي التي اتصلت بوقائع تاريخية نفذت لـ 1500 عام؛ عبّر “على أرباش” ومنظمي الحدث عن تقاليد عثمانية أصيلة، فالخطيب ظل متكئًا على سيف طوال الخطبة، وظهرت رايتان للدولة العثمانية القديمة، في تقليد درامي لما كان يحدث في بعد حروب العثمانيين وسيطرتهم على أكبر الكنائس في المناطق التي يدخلونها، حيث في العهد العثماني عندما يتم تحويل أكبر كنيسة في الأماكن التي تم غزوها إلى مسجد، يتم تعليق رايتين على منبر المسجد ووضع سيف على جانب المدخل الأيمن للمنبر. 

فسيفساء تصور العذراء والمسيح داخل قوس مزخرف تعود إلى القرن التاسع الميلادي، طلت على سيف الخطيب، ومعها مئات الكنائس وملايين المسيحيين، في مشهد استدعى الإرث العثماني، وبرهن على تدريجية الهبّة التركية في المنطقة، التي تسير وفق مخطط مدروس، يشهد الإقليم منه مراحله الأخيرة، باستعداد أنقرة الوصول لعام 2023، ومعها جملة استحقاقات تضعها في وضع مقارب لليلة الأخيرة قبل سقوط الدولة العثمانية. 

أثار سيف “آيا صوفيا” العديد من ردود الفعل السلبية، حيث أعلنت اليونان وقادة الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية في أثينا الحداد وتنكيس الأعلام احتجاجًا على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد. ووصفت الكنيسة القرار التركي بتحويل الصرح التاريخي إلى مسجد بـ “المتسرع” مضيفة “أن تسييس القضايا الإيمانية سيقلل فرص التنوع الديني والاحترام بين ممثلي الأديان المختلفة للعب دورها في تعزيز السلام والاستقرار”.

شعبيًا، نظم يونانيون عدة وقفات احتجاجية تنديدًا بالقرار التركي. وأحرق متظاهرون في مدينة سلانيك اليونانية، العلم التركي، مرددين شعارات من قبيل “هذا من أجل الوطن والمذهب الأرثودوكسي”. من ناحية أخرى، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استيائه من تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، متهما السلطات التركية بانتهاك حرية الأقليات الدينية في البلاد.

أراد صانع القرار في أنقرة ومعه مخرج مشهد صلاة الجمعة في “آيا صوفيا”، توجيه عدة رسائل للداخل والخارج أبرزها:

  1. تركيا تتحرك في الإقليم لاستعادة إرث عثماني، تتزايد حدة تلك التحركات مع اقتراب العام 2023. ففي كلمةٍ ألقاها في مناسبة بوزارة الخزانة والمالية في 4 يوليو، وعد أردوغان بتحويل تركيا إلى قوة لا يمكن وقفها، بحلول عام 2023، وهي الذكرى المئوية لنهاية آخر إمبراطورية للأتراك العثمانيين.
  2. تعاظم رهانات تركيا على الدائرة الإسلامية وخاصة بعد انهيار آمال التحاقها بركب الاتحاد الأوروبي، حيث أصبحت الدائرة الإسلامية هي مرمى سهام قوس الهيمنة التركية.
  3. تركيا لن تتخلى عن توظيف أدوات الإسلام السياسي ودعم التنظيمات والميليشيات المسلحة في مواجهتها مع المحيط الدولي والإقليمي. فصناعة المرتزقة وأكثر من 20 تنظيم وفصيل مسلح في الأراضي الليبية والسورية أثبتوا فعاليتهم كونهم أسلحة ابتزاز للمحيط الدولي والإقليمي للإقرار بأدوار تركية التوسعية في المنطقة. وإطالة أمد حالات عدم الاستقرار الممتد الناجمة عن وجود جيوش غير نظامية وحكومات تعمل بالوكالة لصالح أورقة الحكم في أنقرة.
  4. الكاريزما أمام الضوابط القانونية، فبدون ضوابط وتوازنات النظام الديمقراطي أو قيود البيروقراطيات الضخمة، تخضع الأنظمةُ المارقة لأهواء الأفراد الذين يتمتعون بالكاريزما. وقد يتحكم هؤلاء القادةُ في مستقبل الاستقرار الدولي.

وعلى قدر اندماج تركيا في النظام الدولي واقتصاده المعلوم، إلا أن مشهد “أرباش” يتكئ على سيفِ أثناء خطبة الجمعة الماضية، كان مشابهًا للظهور الأخير لقائد تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، حين كان يردد نفس أدبيات الحاكمية الإسلامية وبجواره بندقية الكلاشنكوف الكلاسيكية، فالاختلاف بين المشهدين لم يغادر حيز التطور التقني وعدم لجوء تنظيم داعش للخطبة في كنائس المناطق التي سيطر عليها بين العامين 2014-2016.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى