السد الإثيوبي

في حين دعا الاتحاد الأفريقي إليه ..إثيوبيا لا تريد اتفاقا ملزما !

أفرزت مفاوضات السد الاثيوبي مشكلة جديدة، بعد ان أعلنت إثيوبيا عقب انتهاء قمة الإتحاد الإفريقي حول السد الإثيوبي في 21 يوليو 2020، انتهاء المرحلة الأولى من ملء السد، مُدّعية انها لم تتعمد ذلك وانما الأمطار الغزيرة هي التي تسببت في الملء.

وتوالت التصريحات الاستفزازية من الجانب الإثيوبي، فيما اصدر الاتحاد الافريقي بيانًا له يوم 24 يوليو 2020، حول نتائج القمة تضمن رسائل هامة لحسم الجدل الدائر، والتصريحات المتضاربة حول ما توصلت إلية جلسة المفاوضات الأخيرة برعاية الاتحاد الافريقي.

تصاعد التصريحات الإستفزازية من الجانب الإثيوبي

شهدت الساعات الأخيرة، منذ إعلان رئيس وزراء إثيوبيا “آبي احمد” إنتهاء ملء المرحلة الأولى لسد النهضة، تصاعُد للتصريحات الإستفزازية الصادرة عن عدد من المسؤولين في الحكومة الإثيوبية، أبرزهم التصريح الذي كتبه وزير الخارجية الإثيوبي “غيدو أندارجاشيو” على حسابه الشخصي على “تويتر”، حيث هنأ مواطني إثيوبيا على استكمال المرحلة الأولى من ملء خزان سد النهضة، ولكنه تابع حديثة بأسلوب أكثر تصعيدًا، واصفًا نهر النيل بأنه اصبح الآن بحيرة ولن تدفق مياهه مره أخرى للنهر، ثم اختتم كلماته بجملة ” في الواقع .. النيل لنا“، الأمر الذي أغضب الكثير من المصريين والسودانيين، فالنيل ملك للجميع وفقًا لقواعد القانون الدولي، وليس ملكًا لإثيوبيا وحدها كما تدّعي.

لم تتوقف التصريحات الإستفزازية عند هذا الحد، حيث أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية في تصريح آخر لها، انها لا تريد اتفاقًا يكبلها ويقيد حركتها في المستقبل وأنها تسعى إلى اتفاق “استرشادي .. غير مُلزم” بشأن سد النهضة. وهو ما يتعارض مع ما توصلت إليه نتائج المفاوضات الأخيرة، وما أعلنته مصر والسودان وأكد عليه بيان الاتحاد الافريقي من ضرورة التوصل إلى اتفاق مُلزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي.

على صعيد آخر، نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن نائب رئيس الوزراء “ديميك ميكونين” قوله إن “الإنجاز التاريخي للمرحلة الأولى من ملء سد النهضة هو شاهد على نهاية الاستخدام غير العادل لنهر النيل“، وذلك خلال كلمته التي ألقاها أمام اجتماع مراجعة الأداء السنوي لتنسيق المشاركة العامة في بناء سد النهضة، وخلال نفس الاجتماع؛ أكد وزير المياه والري الإثيوبي “سيليشي بيكيلي” أن توليد الطاقة الكهربائية من السد سيبدأ اعتبارًا من فبراير وأبريل 2021، بواسطة توربينين اثنين، وبالتوازي سيتم تثبيت 11 توربين جدد.

وبالرغم من كون هذه التصريحات (الغير مسؤله) موجهة للداخل الإثيوبي في الأساس في محاولة من الحكومة الإثيوبية لإستخدام قضية السد في إحتواء الإحتجاجات الداخلية، إلا انها على جانب آخر تتعمد استفزاز الجانب المصري والسوداني، لتستدرجهم للإنسحاب من المفاوضات وبالتالي الدفع بعد ذلك بأن مصر والسودان لا يبديان تعاون بشأن المفاوضات الجارية في إطار الاتحاد الافريقي، وقد فوتت مصر هذه الفرصة من قبل على إثيوبيا عندما دفعت إثيوبيا بورقة الاتحاد الافريقي قبل يومين فقط من جلسة مجلس الأمن، وكانت تتوقع انها بذلك تضع مصر في مأزق إما القبول بالمفاوضات الجديدة برعاية الاتحاد الافريقي، وبالتالي لا حاجة إلى الذهاب لمجلس الأمن، أو رفض المسار التفاوضي الجديد، ومن ثم تدفع إثيوبيا بالتعنت المصري في جلسة مجلس الأمن، ولكن السياسة الحكيمة لمصر استطاعت ان تخرج من هذا المأزق عندما جارت إثيوبيا فيما تريده، دون التنازل عن مسار مجلس الأمن، لتُثبت مصر أمام العالم انها تتمسك بالحلول الدبلوماسية حتى النهاية، وان التعنت لم يكن ابدا من الجانب المصري في أي مرحلة من مراحل التفاوض. وهو ما يبرر عدم انسحاب مصر من المفاوضات الأخيرة برعاية الاتحاد الافريقي، بالرغم من خرق إثيوبيا لتعهداتها، وكسرها لأحد المبادئ الأساسية المتفق عليها للتفاوض وهو “عدم الاقدام على فعل أي اجراءات احادية من شأنها الإضرار بعملية التفاوض”.

ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال التعاون (الإثيوبي–التركي) و (الإثيوبي-الإسرائيلي)، في قضية سد النهضة، وبالتالي يصعُب تبرئة نوايا إثيوبيا من محاولة تشتيت الجهود المصرية وسحبها للحرب في أكثر من جبهة، والضغط عليها فيما بعد بسلاح المياه، وهو ما تعي اليه القيادة المصرية جيدًا، ولن تسمح بحدوثه.

مصر والسودان يتمسكان بالمسار الدبلوماسي

يظل الموقف المصري ثابتًا كما كان خلال كل مراحل التفاوض السابقة حول سد النهضة، متمسكًا بالمسار الدبلوماسي لحل القضايا الخلافية، بالرغم من كل الاستفزازات الإثيوبية. وكذلك الموقف السوداني رغم تأرجحه في السابق إلا انه أدرك مقدار الخطورة التي يسببها سد النهضة اذا لم يتم حل القضايا العالقة، واصبح للسودان موقف داعم للمسار الدبلوماسي ورافض لأي إجراء أحادي ومطالب بإتفاق مُلزم كما تنادي مصر، بالرغم من المخاوف المختلفة للجانبين.

ويذكر ان تخزين إثيوبيا للمياه بشكل منفرد تسبب في عجز محطات مياه السودان؛ وخروج عدد منها عن الخدمة نتيجة انحسار المياه، نظرًا لعدم التنسيق بين الجانبين السوداني والإثيوبي بالنسبة لمواعيد تصريف مناسيب المياه وتخزينها، الأمر الذي أثر بالسلب كذلك على تصريف السدود وانتاج الكهرباء في السودان.

وقامت إثيوبيا خلال المرحلة الأولى للملء بإحتجاز ما مقداره 4.9مليار متر مكعب من المياه، وسيتضح تأثير هذه الكمية على مصر في غضون 18 إلي 21 يومًا من الملء، ويتوقع الخبراء ان هذه الكمية لن تؤثر كثيرًا على مصر في الوقت الحالي، ولكن بالنظر إلى المرحلة الثانية والتي مقرر لها ان تكون في موسم الأمطار من العام 2021، ستقوم إثيوبيا بإحتجاز أضعاف هذه الكمية، وهو ما سيؤثر سلبا على مصر والسودان إذا لم يتم التوصل لإتفاق مُلزم قبل هذا التاريخ، لذا من الضروري الإسراع في عملية الوصول لإتفاق، وعدم الإنسحاب خلف سياسة إثيوبيا المعهودة في تضييع الوقت، واذا لزم الأمر يمكن لمصر العودة لمجلس الأمن لإلزام إثيوبيا بجدول زمني محدد للوصول لإتفاق، وفي سياق متصل، منذ ايام نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقرير يوضح ان واشنطن تدرس حجب بعض المساعدات لإثيوبيا بسبب مشروع سد النهضة، إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود آخر ولم يتمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق نهائي .

وبالتالي فإن نجاح مصر في كسب دعم دولي لموقفها في قضية سد النهضة، وتوضيح التعنت الإثيوبي أمام دول العالم، وإقدام إثيوبيا على خرق التعهدات، وعدم إلتزامها بقواعد القانون الدولي، سيكون نقطة إنطلاق لضغوط جديدة على إثيوبيا للتوصل لإتفاق يحقق منافع لإثيوبيا دون الإضرار بدولتي المصب، قبل بلوغ موعد الملء الثاني.

الاتحاد الافريقي يؤكد ضرورة الوصول لإتفاق مُلزم

بعد حالة التخبط في التصريحات، بشأن نتائج الاجتماع، أصدر الاتحاد الافريقي بيانًا يوم الجمعة 24يوليو حول نتائج الاجتماع الأخير لمكتب رؤساء دول وحكومات الاتحاد الافريقي وقيادات الدول الثلاث الأطراف في قضية سد النهضة (مصر والسودان وإثيوبيا)، تضمن البيان مجموعة من الرسائل الهامة:

اولًا: التأكيد على ضرورة الوصول لإتفاق مُلزم حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة في أسرع وقت.

ثانيًا: الاتفاق على اجراء مفاوضات مستقله للوصول لإتفاقية شاملة حول نهر النيل الأزرق في أقرب وقت ممكن.

ثالثَا: تأكيد الأمم المتحدة على استعداد المجتمع الدولي لتعبئة الموارد المالية والتقنية لدعم الأطراف في إدارة المياه العابرة للحدود والقضايا ذات الصلة، بمجرد إبرام الاتفاق.

رابعًا: الامتناع عن الإدلاء ببيانات أو اتخاذ أي إجراء قد يقوض العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي.

ليحسم بذلك الخلاف الدائر، ويرد على إدعاءات إثيوبيا بأنها ستعقد اتفاقًا غير ملزم، ويؤكد على ما تناولته مصر والسودان في بياناتهما بشأن نتائج القمة، ويثير نقطة جديدة وهي عملية الربط بين الوصول لإتفاق وتقديم مساعدات من المجتمع الدولي لإدارة المياه في الدول الثلاث، ولكن دعونا لا نكون متفائلين بدرجة كبيرة، فبالرغم من كون بيان الاتحاد الافريقي أكد على الامتناع عن اتخاذ أي اجراء يقوض عملية المفاوضات التي يقودها الاتحاد الافريقي، إلا انه لم يذكر ان ما فعلته إثيوبيا هو إجراء من شأنه تقويض المفاوضات، وبالتالي تظل التعبيرات التي يستخدمها الاتحاد الافريقي في بياناته بشأن سد النهضة فضفاضة، إلى الدرجة التي تسمح بتأويلها بمعان مختلفة من كل طرف.
وختامًا، يبدو ان مستقبل هذه الأزمة لا يزال مُبهمًا، فكلما اقتربنا من نقطة النهاية تُفاجِئنا إثيوبيا بتطور جديد يعيدنا خطوات إلى الخلف، ولا ندري إلى متى ستستمر سلسلة المراوغات الإثيوبية؟ وإلى أي حد سيصمد الموقف المصري على نفس المستوى من الصبر والحكمة والتعامل بدلوماسية مع هذه القضية الحيوية؟  هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة. ولكن الشيئ الوحيد المؤكد الآن هو؛ أن النيل ليس ملكًا لأحد، انه ملكًا لكل الشعوب التي عاشت على ضفافه لآلاف السنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى