كورونا

تداعيات جائحة كورونا على سوق الاتجار بالبشر

أكدت الدكتورة غادة وإلى، المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، الاثنين 20 يوليو 2020,  أن تزايد الفقر وقلة فرص العمل في ظل التباطؤ الاقتصادي بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد يهدد بترك المزيد من الأفراد تحت رحمة المتاجرين بالبشر، مطالبة الحكومات بتكثيف الإجراءات لمنع الاستغلال في أزمة كورونا مع تحديد ضحايا الاتجار بالبشر ودعمهم وتقديم الجناة إلى العدالة.

تعريف الاتجار بالبشر 

يُقصد بالاتجار بالبشر؛ تبني العديد من الجماعات الإجرامية المنظمة – سواء كانت هذه الجماعات محلية أو دولية-  استخدام البشر واستغلالهم في جني الأرباح، أيا كان مجال ذلك سواء كان استخدامهم في ممارسة الدعارة أو العمل القسري أو  نزع  أعضائهم وبيعها للقادرين، وهو المصطلح القانوني الذي يعبر عن صورة العبودية المستحدثة.

مؤشرات الاتجار بالبشر

يُقدَر عدد ضحايا الاتجار بالبشر على الصعيد العالمي بنحو 25 مليون ضحية.  وذلك لفقد العالم  ما يقرب من  ٤٠٠ مليون وظيفة في ظل جائحة كورونا، علاوة علي فقد  ٤٠% من النساء وظائفهن وتوقف 60% من الأطفال والشباب عن الذهاب للمدارس والجامعات ما يجعل هذه الفئات أكثر هشاشة وعرضة للمخاطر، علمًا بأن ٧٧٪ من الشباب في العالم يعملون في القطاع غير الرسمي بدون حماية اجتماعية أو عقود، مما يؤدي إلى  ارتفاع نسب الفقر عالميًا وجعلها سببًا مباشرًا لزيادة معدلات استغلال الضحايا ووقوعهم فريسة لعصابات الجريمة المنظمة. 

الفقر والبطالة أهم عوامل الاتجار بالبشر

لطالما تم تحديد الفقر باعتباره أحد العوامل التي تجعل الناس أكثر عرضة للخطر,  حيث تسبب تفشي كوفيد-19, في خسارة فادحة في الدخل وحالات تسريح العمال, فقد  أعلن البنك الدولي بأن تفشي وباء كوفيد-19, سيدفع نحو 40-60 مليون شخص إلى الفقر المدقع, وسيكون له التأثير بشكل خاص علي ملياري شخص يعملون في القطاع غير الرسمي. 

وبناءً عليه, عندما يفتقر العمال غير الرسميين إلى الحماية الاجتماعية الأساسية, بما في ذلك الوصول إلى الخدمات الصحية ، ومع فقدان الدخل إلىومي الأساسي لفترة طويلة ، سيجدون أنفسهم في خطر الفقر المدقع ، مما قد يؤدي بهم إلى التحول إلى عمل محفوف بالمخاطر و الاستغلال.

في ذات السياق,  افاد برنامج الغذاء العالمي أن أكثر من ربع مليار شخص سيعانون من الجوع الحاد بحلول نهاية العام, مما يجعل عائلي الأسر ملزمين بالعمل تحت ظروف قهرية وغير آدمية من اجل توفير الأساسيات للأسرة.

علي الصعيد الاخر,  يُقدر البنك الدولي أن التحويلات العالمية من المتوقع أن تنخفض بشكل حاد بنحو 20 % , في عام 2020 بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة كوفيد-19. مما سيؤثر فقدان التحويلات على قدرة الأسر على الإنفاق على الاحتياجات المعيشية العاجلة ويعرضها لمخاطر أعلى من الفقر.

من هم الضحايا؟

من الصعب التعرف علي ضحايا الاتجار بالبشر حتي في الظروف العادية, لأن ضحايا الاتجار غالبًا ما يُستغلون في قطاعات غير قانونية وغير رسمية أو غير منظمة مثل ” الجرائم الصغيرة كالسرقة والسطو والتسول , الاستغلال الجنسي, زراعة المخدرات والاتجار بها, الزراعة والبناء, العمل القسري, الزواج القسري.  ولكن يمكن التكهن بأن الضحايا من النساء والأطفال هم الأكثر عرضة للخضوع لعمليات الاتجار وذلك يرجع إلى عدم استعدادهم للإبلاغ عن ايذائهم او حتي عدم قدرتهم علي ذلك .

الاستغلال الجنسي للأطفال 

 يتعرض الأطفال لخطر الاستغلال المتزايد في ظل انتشار  وباء كوفيد -19 خاصة بعد اغلاق المدارس مما ادي إلى زيادة استغلال الأطفال جنسيًا عبر شبكة الإنترنت, حيث يقضي الأطفال وقتًا أطول عليها, ربما بدون اشراف مستمر من ابائهم .

 كما اشارت الدراسات حول العالم إلى أن اغلاق المدارس ادي إلى تصاعد حالات الاتجار بالأطفال حيث فقد العديد من الأطفال المأوى والوجبات المدرسية المدعمة, مما شكل عبئًا جديدًا علي اقتصادات الاسر الهشة. ونتيجة لذلك قد اضطرت العديد من الاسر إلى تسريح أطفالها سواء في أعمال التسول أو اللجوء للعمل لسد احتياجاتهم, إضافة إلى تعرض الأطفال من الاناث إلى الزواج قسرًا للتخفيف من أعباء اسرهن.

العاملين بالخارج اكثر عرضة للاتجار 

يتعرض العاملين المغتربين في الدول التي تنفذ عمليات الاغلاق الكلي أو الجزئي إلى الوقوع ضحايا لعمليات الاتجار, حيث يظل العاملين محاصرين في أماكن عملهم دون العثور علي طريق للمغادرة أو الرجوع إلى بلادهم, وقد يواجهون زيادة في معدلات العنف في ايدي متاجريهم واضطرارهم إلى الاستمرار في العمل في ظروف غير امنه ودون حماية صحية كاملة, وبعدد ساعات عمل إضافية لتحقيق المزيد من الأرباح في وقت الاضطراب الاقتصادي, وقد يحتجز المتاجرون لوثائق العاملين لديهم مما يعيق قدرتهم علي الحصول علي مزايا الحماية الاجتماعية وبدون تلك الوثائق قد يتعرضون لخطر الاعتقال والايذاء. 

نظرة استباقية للحد من زيادة معدلات الاتجار بالبشر 

كان للحكومة المصرية نظرة استباقية مع بداية تفشي الوباء حيث قامت مع بداية الازمة بطرح إجراءات أدت إلى الحد من زيادة معدلات الاتجار البشر, فكانت المنح الاستثنائية التي صرفت للعمالة الغير منتظمة المستفيدة والمسجلة بقواعد بيانات مديريات القوى العاملة بالمحافظات، بمثابة طوق النجاة لرفع العبء عن كاهل هذه الفئة في ضوء الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما تعانيه العمالة غير المنتظمة، مما ادي إلى حماية  المواطنين من أي تداعيات لفيروس كورونا المستجد والحد من تزايد حالات الاتجار بهم او استغلالهم.

الخلاصة 

يؤثر تفشي الوباء على الافراد في جميع أنحاء العالم ، ويعطل الأنشطة الاقتصادية، ووظائف الدولة، وخيارات سبل العيش، ويعيد تشكيل الديناميكيات العالمية.  لذلك هناك احتمالان مطروحان في ظل استمرار الجائحة حول العالم. 

الاحتمال الأول: والمرجح وهو رواج سوق الاتجار بالبشر فمع استمرار التردي الاقتصادي قد يصبح الأشخاص الذين يعانون من خسائر مادية واجتماعية واقتصادية بأن يجدوا أنفسهم ضحايا للمُتجِرين الذين يستغلون الاحداث العالمية لكسب الأرباح. 

الاحتمال الثاني قد يبدو ضعيفًا ولكنه قابل للطرح وهو انهيار المنظومة الخاصة بالاتجار بالبشر, حيث ادي انتشار الفيروس إلى اغلاق النوادي والملاهي الليلية لفترة كبيرة إضافة إلى سياسة التباعد الاجتماعي ومع صعوبة الاتصال المباشر، وهو ما ادي إلى عدم توفر البيئة المناسبة لهؤلاء التجار والتي من خلالها يتم فيها اصطياد ضحاياهم .

وختامًا، يجدر القول أنه مع تعمق التداعيات الاقتصادية للوباء، ينبغي للمجتمع الدولي أن يتوقع بأن يقع ملايين آخرين فريسة لتجار البشر في أعقاب تلك الأزمة. لذلك يجب ان يعاد النظر في الحماية الاجتماعية المقدمة للنساء والأطفال والفئات الأضعف، بالإضافة إلى تنسيق الجهود الرامية إلى منع حدوث طفرة في الاستغلال والاتجار بالبشر من خلال اتباع نهج شامل لمكافحة هذه التجارة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى