السد الإثيوبي

فورين بوليسي: ترامب يفكر في وقف المساعدات لإثيوبيا بسبب السد المثير للجدل

نشرت مجلة “فورين بوليسي” يوم الاربعاء 22يوليو، تقريرًا على موقعها الإلكتروني بعنوان: “ترامب يفكر في وقف المساعدات لإثيوبيا بسبب السد المثير للجدل”، يتناول الحديث حول وجود ارتباك وخلاف داخل الحكومة الأمريكية، بسبب سد النهضة، حيث يشعر العديد من المسؤولين بالقلق من أن واشنطن تميل إلى الزاوية المصرية.

وقال ستة مسؤولين ومساعدين بالكونجرس مطلعين على المسألة لـ “فورين بوليسي” إن إدارة ترامب تدرس حجب بعض المساعدات لإثيوبيا بسبب مشروع السد الذي أدى إلى توتر شديد في علاقتها مع دولتي المصب السودان ومصر.

ووفقًا لما ذكره التقرير فقد أصبح السد الضخم، أكبر سد في أفريقيا، سببًا في التوترات الجيوسياسية بين مصر وإثيوبيا، حيث أشار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أن بلاده يمكن أن تستخدم القوة العسكرية لوقف المشروع، حيث يخشى الكثير من المصريين من أن السد يمكن أن يهدد إمدادات المياه لمصر. أيضًا تسبب السد في حدوث حالة من الانقسامات والارتباك داخل الحكومة الأمريكية، منذ أن طلب الرئيس “عبد الفتاح السيسي” من الرئيس “دونالد ترامب” التوسط في المفاوضات بشأن السد العام الماضي.

وأوضح التقرير أن مشاركة الولايات المتحدة في المحادثات الرباعية حول السد في وقت سابق من هذا العام، بقيادة وزارة الخزانة الأمريكية، ساعدت على دفع المحادثات إلى الأمام. ومع ذلك، رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاق نهائي.

حالة الإنقسام داخل الحكومة الامريكية بشأن السد

وتوضيحًا لحلة الارتباك داخل الحكومة الامريكية، نقلت مجلة فورين بوليسي عن مسؤول أمريكي مُطّلع على الأمر قوله: “لقد أدركت إدارة ترامب أنها يجب أن تقف إلى جانب مصر في هذا الصدد”. وأضاف المسؤول: “لا أحد في البيت الأبيض يبدو أنه ينظر إلى ذلك من خلال عدسة أفريقيا وتأثيرها على إثيوبيا، وهو أمر مهم بنفس القدر”. واصفًا الأمر أنه بمثابة “إطلاق النار على أنفسنا في القدم.”

وفي المقابل، نقل التقرير عن متحدث باسم وزارة الخزانة أن الإدارة الأمريكية تعمل كوسيط محايد، مؤكدًا على ان الهدف الوحيد للحكومة الأمريكية، كان ولا يزال، هو مساعدة مصر وإثيوبيا والسودان في التوصل إلى اتفاقية عادلة بشأن ملء وتشغيل السد بما يتوافق مع مصالح البلدان الثلاثة.

واستكمالًا لحالة الانقسام، أوضح التقرير أنه على الرغم من أن وزارة الخارجية الأمريكية تتعامل تقليديًا مع القضايا الدبلوماسية، فقد استغل ترامب وزير الخزانة “ستيفن منوشن” لقيادة جهود الوساطة خلال مكالمة هاتفية مع السيسي العام الماضي. قال بعض المسؤولين الأمريكيين أن ذلك أدى إلى تزايد الانقسامات بين الخزانة والدولة والارتباك في السفارات في أفريقيا حول كيفية تعامل واشنطن مع المفاوضات.

بينما رفض آخرون هذه الرواية، وأصروا على أن الجهتين (الخزانة والخارجية) كان التنسيق بينهما يتم بشكل وثيق. وقال المتحدث باسم وزارة الخزانة: “لقد عمل السكرتير “منوشين” والوزير “بومبيو” بتنسيق وثيق طوال هذه العملية، كما فعلت فرق الخزانة والخارجية”. تم إخبار فورين بوليسي بأن وزارة الخارجية شاركت في كل اجتماع حول هذه القضية منذ أن بدأت واشنطن في تسهيل المفاوضات من نوفمبر 2019 حتى فبراير2020.

التقدم المحرز في المفاوضات خلال الأشهر الأخيرة

نقل التقرير عن إثيوبيا قولها يوم الثلاثاء إن الدول الثلاث أحرزت تقدما “كبيرا” في نزاعها في محادثات توسط فيها الاتحاد الأفريقي ووافقت على مزيد من المفاوضات التي تهدف إلى حل شامل لقضايا المياه حول السد. ويرى التقرير ان هذا الإعلان يرسل إشارة إيجابية لبعض المسؤولين والمراقبين الأمريكيين الذين يخشون من أنه إذا استمرت إثيوبيا في ملء الخزان خلف السد دون اتفاق مع مصر، فقد تتحول التوترات الإقليمية إلى مواجهة عسكرية.

ووصف مسؤولان في الإدارة الأمريكية تحدثا إلى فورين بوليسي الإعلان بأنه مؤشر على أن المفاوضين وضعوا الأساس لاتفاق نهائي. قال أحد المسؤولين: “لقد ساعدت مشاركة إدارة ترامب مصر وإثيوبيا والسودان على إحراز تقدم في المفاوضات خلال الأشهر التسعة الماضية أكثر من السنوات التسع الماضية”. وأضافوا “إن العمل الكبير الذي قامت به مصر وإثيوبيا والسودان على مدى الأشهر التسعة الماضية يُظهر أنه من الممكن التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن إذا كان هناك التزام بين الجميع للقيام بذلك”.

وأشار التقرير إلى توصل إثيوبيا ومصر والسودان يوم الثلاثاء، إلى تفاهم مشترك اتفقت فيه الدول الثلاث على إجراء مزيد من المناقشات الفنية حول وتيرة ملء الخزان وإجراءات التخفيف من الجفاف مع التركيز على إبرام اتفاق نهائي.

صورة لسد النهضة بالقمر الصناعي © 2020 MAXAR TECHNOLOGIES

وكانت فكرة مشروع كهرومائي ضخم على أعالي نهر النيل في المرتفعات الإثيوبية حلمًا منذ أيام الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي في الستينيات. ولم يكن حتى عام 2011 سد النهضة الإثيوبي الكبير قد بدأ بشكل جدي – ولكن منذ ذلك الحين، كانت العلاقات مع دول المصب السودان ومصر مشحونة. وبالنسبة لإثيوبيا، التي قام مواطنوها بتمويل المشروع الذي تبلغ تكلفته 4.6 مليار دولار، فإن السد ليس مجرد وسيلة لتوفير الكهرباء لزاوية متعطشة للقوة في القارة، ولكنه أصبح نقطة فخر وطني ورمزًا لطموحات البلاد كقوة إقليمية.

وكانت إثيوبيا قد أوضحت أنها ستواصل مشروع السد على الرغم من الخلافات المستمرة مع الدول الأخرى التي تعتمد على النيل، وفي الواقع بدأت في ملء الخزان الضخم خلف السد هذا الشهر، مستفيدة من موسم الأمطار في إثيوبيا. يخشى المصريون من أن إثيوبيا ستملأ السد على مدى بضع سنوات فقط ، مما قد يؤدي إلى خنق إمدادات المياه التي تحتاجها مصر في المصب، خاصة للزراعة. وتقول الحكومة الإثيوبية إن وتيرة التعبئة لا ينبغي أن تؤثر على حصة مصر للمياه، وتصر على أن مصر استخدمت مياه النيل أكثر مما يحق لها منذ عقود.

إدارة ترامب تهدد بخفض المساعدات لإثيوبيا إذا لم تلتزم بإتفاق

يشير التقرير إلى قول العديد من المسؤولين الأمريكيين إن إدارة ترامب يمكن أن تمضي قدمًا في خفض المساعدات لإثيوبيا إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود آخر ولم يتمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق نهائي.

ويوضح أن وزارة الخزانة طلبت هذا الشهر من وزارة الخارجية عرضًا موجزًا ​​لجميع المساعدات الأمريكية التي تم التعهد بها لإثيوبيا، وهي خطوة قال ثلاثة مسؤولين إنها تهدف إلى حجب بعض أو كل المساعدات غير الإنسانية كوسيلة ضغط إذا توقفت المفاوضات. ومع ذلك، فإن أي قرار بتغيير أو منع المساعدات الأمريكية، سيكون بيد البيت الأبيض أو الكونغرس.

وقال عدد من المسؤولين إنه ليس من الواضح ما هي المساعدة المحددة التي سيتم حجبها إذا نفذت الإدارة الخطة قيد النظر. قال مسؤولان إن إحدى نقاط النفوذ قيد المناقشة هي مشاريع من مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) يمكن أن تحفز استثمارات تصل إلى 5 مليارات دولار. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية إن الولايات المتحدة قدمت في العام المالي 2019 ما مجموعه 824.3 مليون دولار لمساعدة إثيوبيا، من بينها 497.3 مليون دولار مساعدات إنسانية. وشدد المسؤولون على أنه لن يتم تعليق تمويل المساعدات للاحتياجات الإنسانية. ورفض المتحدث التعليق على مزيد من المداولات بين الوكالات. ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق.

وقال العديد من المسؤولين الأمريكيين، الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، إن البعض في وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عارضوا وقف المساعدة لإثيوبيا، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بالعلاقات المتوترة بالفعل بين أديس أبابا وواشنطن في مرحلة محفوفة بالمخاطر في التحول السياسي في إثيوبيا.

حيث أثار مقتل مغني إثيوبي بارز أواخر الشهر الماضي تصاعداً في الاحتجاجات وزاد من حدة التوترات الدينية والعرقية في البلاد، مما يمثل أحد أكبر التحديات حتى الآن لاستقرار البلاد في عهد رئيس الوزراء أبي أحمد. وقال أحد المسؤولين إن وزارة الخارجية “تسير ببطء” لطلب وزارة الخزانة.

وقالت المتحدثة باسم مركز دبي المالي العالمي، عندما تم الاتصال بها للتعليق على ما إذا كانت DFC تفكر في تعليق مشاريعها لإثيوبيا، “لقد عملنا عن كثب مع إثيوبيا بشأن الإصلاحات الرئيسية لتعزيز الأسواق التنافسية المفتوحة، مما يساعد على وضع إثيوبيا لالتزام كبير من DFC سيحفز المليارات في التمويل من القطاع الخاص. استثمارات القطاع الخاص ستساعد في خلق فرص عمل وزيادة الفرص الاقتصادية في البلاد.

ويختتم التقرير بالإشارة لأهم النقاط الخلافية في المفاوضات، حيث تركزت المفاوضات الدبلوماسية المشوشة بين مصر وإثيوبيا لسنوات على مدى سرعة ملء إثيوبيا للسد. وطالبت مصر إثيوبيا بملء السد ببطء على مدى عقد أو أكثر – الأمر الذي قد يؤخر تزويد السد بكميات كبيرة من الكهرباء – بينما طالبت إثيوبيا بملء السد خلال ثلاث سنوات. نقطة خلافية أخرى بين البلدين هي الخطوات التي قد تتخذها إثيوبيا لتغيير جدول الملء في حالة الجفاف، لضمان ألا تتسبب موجة الجفاف المفاجئة خلال سنوات الملء في ترك مصر تعاني من الجفاف. وفي الأشهر الأخيرة، حاولت مصر ممارسة الضغط على إثيوبيا لوقف ملء السد من خلال إدارة ترامب ومن خلال اجتماعات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

إثيوبيا تستأجر لوبي في واشنطن

في سياق متصل، نشر موقع “فورين لوبي” يوم 17 يوليو الجاري، خبر استئجار إثيوبيا لشركة ضغط أمريكية وسط تصاعد التوترات مع جيرانها وإدارة دونالد ترامب بشأن سد النهضة، حيث يشير الخبر إلى قيام السفارة الإثيوبية في واشنطن بتوقيع عقد مع شركة “بارنز أند ثورنبرج” للمحاماة في 30 يونيو، وفقًا لإيداع جديد مع وزارة العدل الأمريكية. تبلغ قيمة الاتفاقية 130.000 دولار أمريكي وتستمر لمدة ثلاثة أشهر.

“سوف تساعد الشركة السفارة في ترتيب اجتماعات مع المسؤولين الحكوميين في الأمور التي تهم السفارة، والمساعدة في التخطيط الاستراتيجي والدفاع عن هذه المصالح”، ولم ترد السفارة ولا الشركة المستأجرة على الطلبات المتعلقة بأولويات إثيوبيا في العقد. لكنها تأتي في الوقت الذي تواجه فيه البلاد تحديات متعددة.

ويشير الموقع إلى ان المحادثات المتعثرة بشأن سد النهضة تسببت في توترات غير معتادة بين الحكومتين الأمريكية والإثيوبية، حيث قالت أديس أبابا إن واشنطن تلقت معلومات “غير دقيقة وغير كافية” من مصر. 

ويمكن لهذا الخبر أن يُفسّر جزء من الخلاف الداخلي للحكومة الأمريكية، حيث استطاعت إثيوبيا ان تخلق جبهة داعمة لها داخل حكومة ترامب، في مقابل جبهة وزارة الخزانة والبيت الأبيض الداعمين لموقف مصر والسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى