السد الإثيوبي

التفاوض للتوصل لاتفاق قانوني ملزم.. مكسب لدول المصب أم خدعة إثيوبية جديدة؟

في تطور جديد لأزمة السد الإثيوبي، شارك الرئيس “عبد الفتاح السيسي” ورئيسا الوزراء السوداني “عبدالله حمدوك” والإثيوبي “آبي احمد”، مساء أمس الثلاثاء 21 يوليو 2020، في قمة مصغرة لرؤساء الدول الأعضاء بهيئة مكتب رئاسة الاتحاد الأفريقي عبر الفيديو كونفرانس، وذلك برئاسة الرئيس “سيريل رامافوسا” رئيس جمهورية جنوب أفريقيا والرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، وبحضور كلٍ من أعضاء المكتب الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا”، والرئيس المالي “إبراهيم أبو بكر كيتا”، والرئيس “فيلكس تشيسيكيدي” رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية.

جاءت هذه القمة، لمناقشة النتائج التي انتهت إليها جولة المفاوضات الأخيرة حول الجوانب الفنية والقانونية للسد الإثيوبي، والتي استمرت على مدار 11 يومًا بمشاركة وزراء الري والموارد المائية للدول الثلاث، وبرعاية الاتحاد الافريقي، دون إحراز أي تقدم في النقاط الخلافية المتعلقة بآليات ملء وتشغيل السد الإثيوبي.

مواصلة التفاوض للوصول لاتفاق قانوني ملزم

شهدت نتائج القمة حالة جديدة من التضارب والتخبط في التصريحات بين أطراف المفاوضات، ففي الوقت الذي أعلنت فيه إثيوبيا انها أنهت المرحلة الأولى من ملء السد، اكتفت السودان بالتأكيد على رفض أي اجراءات أحادية، فيما لم يتطرق بيان المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية في مصر لهذه المسألة، بينما لم يذكر رئيس جنوب افريقيا “سيريل رامافوسا” أي جديد بشأن القمة سوى أنه سعيد لإبقاء الملف في يد الاتحاد الافريقي.

ورغم حالة التخبط يبدو وفقًا لما هو مُعلن أن الأمر الذي تم التوافق عليه من كل الأطراف في ختام القمة هو الاتفاق على مواصلة المفاوضات والتركيز في الوقت الراهن على منح الأولوية لبلورة اتفاق قانوني مُلزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد الإثيوبي، يتضمن آلية قانونية مُلزمة لفض النزاعات يحق لأي من أطراف الاتفاق اللجوء إليها لحل أي خلافات قد تنشأ مستقبلًا حول تفسير أو تنفيذ الاتفاق، مع تركيز المفاوضات على السد الإثيوبي فقط باعتباره سدًا لتوليد الكهرباء غير مُستهلك للمياه وعدم إقحام أي موضوعات غير ذات صلة بالسد أو طموحات مستقبلية في عملية المفاوضات، على أن يتم لاحقًا العمل على بلورة اتفاق شامل لكافة أوجه التعاون المشترك بين الدول الثلاث فيما يخص استخدام مياه النيل.

وفي تصريحات للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية أوضح أن القمة تناولت المبادئ الأساسية التي تحكم المفاوضات وفي مقدمتها ضرورة الالتزام من قبل كافة الأطراف بعدم اتخاذ إجراءات أحادية لما يشكله ذلك من حجر زاوية لنجاح المفاوضات، وما يجسده من توفر حسن النية لدى كافة الأطراف والرغبة الحقيقية فى تعزيز إجراءات بناء الثقة والتعاون بين الدول الثلاث.

وهو ما يبدو وكأنه مكسب جديد لصالح دول المصب، حيث شهدت المفاوضات المطولة التي استمرت لسنوات حول السد الإثيوبي، محاولة إثيوبية مستميتة للزج بقضية تقسيم مياه النيل ضمن الاتفاق، ورفضها لإبرام أي اتفاق مُلزم حول قواعد ملء وتشغيل السد الإثيوبي، وهو المطلب الذي تراجعت عنه إثيوبيا اليوم ووافقت على التفاوض حول قواعد الملء والتشغيل للسد دون وجود اتفاق شامل لاستخدام مياه النيل كما كانت تُطالب، وربما في حالة أخرى كنا لنرى أن هذا الإجراء هو مكسب حقيقي لصالح المفاوضات، ولكن الخبرة السابقة حول المفاوضات الإثيوبية والمراوغات التي لا تنتهي، تشير بأن هنالك ثمة خُدعة جديدة يتم تدبيرها في الكواليس.

إثيوبيا تعلن الانتهاء من المرحلة الأولى لملء السد الإثيوبي

شهدت الأيام الماضية حالة من الجدل حول قيام اثيوبيا ببدء ملء السد بإرادة منفردة ودون التوصل لاتفاق مع مصر والسودان، وهو ما أعلنه التلفزيون الإثيوبي يوم الأربعاء 15 يوليو نقلًا عن وزير الري الإثيوبي، ونفته إثيوبيا بعد ذلك مبررة أن ما حدث هو مجرد أمطار غزيرة تجمعت خلف السد.

واليوم أعلن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد رسميًا في بيان له عقب مشاركته في القمة الأفريقية المصغرة بشأن قضية السد الإثيوبي، إن الفيضان الحالي وحالة الجريان السطحي في المنطقة جعلت الظروف مواتية لملء السد، وعلى مدى الأسبوعين الماضيين تم إنجاز أول ملء للسد.

وتحاول إثيوبيا بهذا التصريح التهرب من التزامها بـ”عدم الاقدام على أي اجراءات أحادية”، حيث ترتكن إلى أن الظروف الطبيعية والأمطار الغزيرة هي التي عملت على ملء السد بشكل تلقائي، وأنها لم تتعمد ذلك، وهو ما يتنافى مع واقع انخفاض منسوب المياه في السودان مقارنة بنفس الفترة في العام السابق؛ إذ تشير التقديرات التي نشرها الخبير السوداني الدكتور أحمد المفتي على حسابه الشخصي على فيس بوك، والتي أعلن انه تحصل عليها من مصادر سودانية موثوقه، إلى:

– انحسار المياه في محطة الديم الحدودية بمقدار 1.27متر

– قيام سد “الروصيرص” بتصريف ١٢٤ مليون متر مكعب، مقارنة بـ ٤٤٨ مليون متر مكعب العام الماضي .

– تصريف سد سنار ٧٣ مليون م3 مقارنة ب ٣٧٣ مليون م3 في نفس الفترة العام الماضي .

– وصول منسوب المياه في الخرطوم إلى ١٢م، مقارنة ب ١٤.٦م العام الماضي .

وبالتالي فإن المياه التي تم احتجازها لم تكن نتيجة زيادة في مياه الأمطار، وإنما هي جزء من مياه النيل التي كانت تنصرف تلقائيًا لدول المصب في تلك الفترة من كل عام.

وحول تعمد إثيوبيا لنكران بدء الملء في حديثها للخارج، على العكس مما تم إعلانه للداخل الإثيوبي، فالمسألة سياسية بالدرجة الأولى، لتهدئة الداخل الإثيوبي من جهة، والاستمرار في المراوغة والمماطلة لكسب الوقت وفرض الأمر الواقع على مصر والسودان من جهة أخرى، وتجدر الإشارة هنا إلى توقيت زيارة مبعوث آبي أحمد إلى تركيا ولقائه مع وزير الخارجية التركي يوم الخميس 16 يوليو، الأمر الذي يؤكد وجود يد لتركيا فيما يحدث في أزمة السد الإثيوبي، خاصة وأنها النموذج الذي تحاول إثيوبيا استنساخه في مسألة بناء السدود والإضرار بمصالح دول المصب للسيطرة على منابع المياه لأغراض سياسية. ومن جهة أخرى لا يمكن فصل هذه التطورات عما يحدث في ليبيا.

ولكن حتى مع إعلان إثيوبيا رسميًا الانتهاء من المرحلة الأولى للملء لا يمكن الجزم بذلك، فحالة الغموض التي تحيط بالمفاوضات، مع إصرار الاتحاد الأفريقي وهو الراعي لهذه الجولة من المفاوضات على الاحتفاظ بهالة من السريّة حول النتائج، تشير إلى أن هنالك سر ما لم يتم البوح به بعد، ولا ندري أن كانت التصريحات الإثيوبية حقيقية هذه المرة أم أنها مجرد بروباجندا يستغلها رئيس الوزراء الإثيوبي للسيطرة على الأوضاع السياسية المتأزمة في الداخل، ولكن الشيء المؤكد هو أن مصر والسودان لن يقبلا باتخاذ أي إجراء أحادي ينتقص من حصتهما المائية ويؤثر على شعبيهما بالسلب.

ما هي الخيارات المصرية والسودانية إذا تم الملء بإرادة منفردة؟

تعهدت إثيوبيا في قمة الاتحاد الأفريقي التي سبقت جلسة مجلس الأمن بعدم الإقدام على أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بعملية التفاوض، وهو ما تم التأكيد عليه في جلسة مجلس الأمن بشأن قضية السد الإثيوبي، فإذا ما قامت إثيوبيا بخرق هذا التعهد الدولي يصبح من حق الجانبين المصري والسوداني أولًا الانسحاب الفوري من المفاوضات، والانسحاب من اتفاق إعلان المبادئ الموقع في 23 مارس 2015، ولم تلتزم إثيوبيا ببنوده، ومن ثم العودة بالقضية إلى مجلس الأمن مرة أخرى ليقوم بدوره في حفظ السلم والأمن الدولي في المنطقة، حيث إن أي خيار تصعيدي آخر ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وختامًا، فإن النوايا الحسنة وحدها ليست كافية للتوصل لاتفاق بين الأطراف الثلاثة، فالأمر يتطلب إرادة سياسية قوية، وإلزام دولي، خاصة في ظل المراواغات اللامتناهية التي يقوم بها الجانب الإثيوبي لتحقيق أهدافه الخبيثة والتنصل من أي اتفاق مُلزم، وهو ما تسعى اليه مصر والسودان بإشراك مجلس الأمن في القضية.

وعلى جانب آخر إذا صدقت تصريحات إثيوبيا بإقدامها على ملء السد بإرادة منفردة فالأمر يقتضي أن يكون هناك رد فوري وحاسم من الجانبين المصري والسوداني على هذا الإجراء الأحادي، والذي ربما لن يكون ذا تأثير قوي على حصة مصر والسودان المائية الآن، ولكن منعًا لسلسلة من الاجراءات ستتخذها إثيوبيا فيما بعد، وحتى لا تكون سابقة للتعدي على حصة مصر المائية، الأمر الذي لن تقبله مصر قيادةً وشعبًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى