مقالات رأي

د. صبحي عسيلة يكتب : الجيش الشريف يتدخل بطلب ويخرج بأمر

لا تحتفظ الذاكرة بتصريحات لمسئول مصري حالي أو سابق تحدد طبيعة ودور الجيش المصري بالقوة والانضباط والوضوح الذي تتحلى به تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي، سواء فيما يتعلق بطبيعة الجيش ودوره في الساحة الداخلية أو في الساحة الإقليمية المتصلة بنصرة الأشقاء العرب. مراجعة كل التصريحات التي أدلى بها الرئيس فيما يتصل بعلاقة الجيش بهاتين الساحتين تؤكد ذلك بوضوح. فهو الذي قال وهو وزيرا للدفاع مطمئنا الشعب المصري ابان حربه ضد الإخوان “احنا أيدينا تتقطع قبل ماتمسكوا”، ووصف الجيش بأنه “شريف أوي” و”صلب أوي”، مؤكدا أن صلابته “جايه من شرفه”. وعاد وأكد للداخل والخارج أن الجيش المصري “جيش رشيد.. يحمي ولا يهدد، وقادر على الدفاع عن أمن مصر القومي داخل وخارج الحدود”. وأن هذا الجيش “عمره ماكان معتدي ولا غازي لأراضي غيره”. وعن نصرة الدول العربية قال الرئيس جملته الشهيرة “مسافة السكة”، وحين وصل الأمر إلى ليبيا قال الرئيس إن الجيش المصري يتدخل لإنقاذ ليبيا من الغزو التركي بطلب من الشعب الليبي ويخرج منها بأمر الليبيين بعد انتهاء المهمة، وأضاف الرئيس مخاطبا الليبيين “إن تنتصروا بنا فسننصركم بإذن الله”، فهو ليس جيشا غازيا ولا أطماع لديه في ليبيا أو غيرها. الرئيس السيسي بذلك التصريح يؤكد وحدة الشعبين المصري والشعبي وربما انصهارهما في شعب واحد. فالرئيس لم يطلب تفويضا ولم يأنس لفكرة توجيه أمر له وللجيش المصري سوى من الشعب المصري أثناء تفجر إرهاب الإخوان في أعقاب ثورة 30 يونيو. الموقف المصري مما يجري في ليبيا يرتكز في الواقع على ادراك الرئيس السيسي التام والثابت أن ما يحدث ويتم التخطيط له من قبل تركيا لا يستهدف ليبيا وحدها بقدر ما يستهدف مصر بعدما فشل مشروع استهدافها عبر دعم جماعة الإخوان بتمكينهم من السلطة في مصر ولاحقا في محاولاتهم هدم الدولة بعد إجبارهم على ترك السلطة. فالأذرع التي تعيث إرهابا في ليبيا هي نفسها أو على الأقل على صلة بالأذرع الإرهابية التي حاربت مصر، بل إن تلك الأذرع اتخذت في وقت ما من ليبيا قاعدة للانطلاق ضد مصر. والكفيل الذي رعى ومول ودرب ودعم الأذرع الإرهابية في مصر هو نفسه أيضا الذي يفعل الشئ نفسه في ليبيا. وهو الأمر الذي يؤكد أن كفيلي وراعيي الإرهاب في المنطقة تركيا وقطر ما زالا يواصلان مؤامرتهما ضد مصر وضد ما تيسر من الدول العربية الأخرى سواء الداعمة لمصر أو تلك التي يمكن من خلالها استهداف وتهديد الأمن القومي المصري.

الشعب الليبي ممثلا في كل من البرلمان المنتخب ومشايخ وأعيان القبائل الليبية عبروا عن ترحيبهم بل وألحوا في طلب تدخل الجيش المصري للتصدي معهم ومع جيشهم الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر للغزو التركي الذي يتسرب إليهم عبر بوابة حكومة شخص بات فاقد للأهلية والشرعية هو فايز السراج. تلك الحكومة التي تتصور أن الاعتراف الدولي الذي منحه إياها اتفاق الصخيرات قبل نحو خمس سنوات يعطيها الشرعية لتتاجر بليبيا وشعبها وتعرضهما في مزاد الطامعين في ثرواتها، وتقدمها قربانا لمن تتوهم أنه قادر على تأمين بقاء رئيسها وأعضائها على مقاعدهم واللهو بمقدرات الشعب الليبي. لقد تحولت حكومة فايز السراج من حكومة معترف بها إلى حكومة مغرر بها من قبل الأتراك والقطريين، الذين أوهموا الرجل وحكومته أنهم قادرون على حمايتهم. السؤال هنا منذ متى استطاع هؤلاء حماية أحد لفظه اهله!. هل يتصور السراج أنه أهم لدى الأتراك والقطريين من محمد مرسي وجماعة الإخوان التي لم يستطيعوا حمايتها، وانتهى الأمر باستضافة فلولها وتأمين قوت يومهم من النباح ليل نهار في أبواق إعلامية تبث من أنقرة والدوحة ضد الدولة المصرية. هل يتصور السراج أن الأتراك والقطريين أقوى من الأمريكيين في حماية رجلهم. كيف للسراج أن يتصور أن مصيره مع الأتراك والقطريين سيكون أفضل من الجلبي مع الأمريكان! كيف للسراج أن يتصور أن من يسهل احتلال دولته يمكن أن يكون له مكانا فيها أو ترحيبا من شعبها وهو الذي استقوى عليه وعلى جيشه بتركيا وميلشياتها الإرهابية المستأجرة للعمل في الساحة الليبية الغنية بالثروات مقارنة بالساحة السورية.    

الواضح والمؤكد اننا امام أحمق ليبي يحتمي بأحمق تركي مصدوم وهائج نتيجة انهيار أحلامه في الخلافة، وتدهور أوضاعه داخليا وانصراف رفقائه عنه. الحماقة وحدها هي ما يفسر مغامرة أردوغان اليوم في ليبيا كما مغامرته سابقا في سوريا. والحماقة هي الوصف الذي أضافه الرئيس الأمريكي ترامب لقائمة الأوصاف السلبية التي أطلقت على اردوغان بعدما وجد أن كل الأوصاف السلبية التي وصف بها الرجل لا تفسر ما يقوم به. وهي القاىمة التي أطلقها معارضون أتراك داخل تركيا وخارجها وجهات حقوقية تركية ودولية والأهم قادة دول أفزعهم ما يقوم به أردوغان ضمت أوصافا عديدة مثل الديكتاتور، الاستبدادي الفاشل، الطاغية، السفاح، سفاك الدماء، سلطان الدم، مجرم حرب، راعي الإرهاب، الشيطان، هتلر العصر، ماحق الأكراد، الكاذب، المختل عقليا، المجنون، عدو حقوق الإنسان، سجان الصحفيين، عدو الإعلام، اللص، معلم اللصوص، الحرامي، حرامي البترول والغاز. مشكلة الحماقة أنها أكبر من أن تعالج، فكما يقول الشاعر “لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقةَ أَعيت من يداويها”، أما الأوصاف الأخرى التي تضمنتها القائمة فمن الممكن معالجتها والشفاء منها. مسلسل حماقة أردوغان لم يتوقف بطبيعة الحال عند سوريا، وها هو اليوم يواصل حماقته في ليبيا متصورا أن بإمكانه أن يجعل منها سوريا أخرى. تحذير الرئيس السيسي واضح: سرت الجفرة خط أحمر ومصر لن تقف مكتوفة الايدي امام تجاوزه والجيش المصري قادر وجاهز والليبيون أعطوه التفويض، فهل يفهم العملاء والحمقى!

نقلا عن صحيفة الأهرام”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى