آسيا

القصة الكاملة للنزاع الأرميني الأذربيجاني

أعلنت وزارتا الدفاع في أذربيجان وأرمينيا –الاثنين 13 يوليو- سقوط عدد من الجنود بين قتيل وجريح في اشتباكات وقعت على الحدود بين البلدين، وتلي ذلك أن أتهم كل منهما الآخر بالتعدي على أراضيه. بحيث أعلنت وزارة الدفاع الأذربيجانية، إن أربعة من جنودها قتلوا وأصيب خمسة آخرون، في حين تحدثت وزارة الدفاع في أرمينيا عن إصابة اثنين من جنودها. ويُذكر أن تبادل إطلاق النار قد بدأ –الأحد 12 يوليو- على الرغم من وجود اتفاق لوقف إطلاق النار يرجع إلى عام 1992.

ويقع إقليم ناجورني كارباخ المتنازع عليه حوالي 270 كيلو متر غرب العاصمة الآذرية باكو، ولا تتجاوز مساحته 4800 كم مربع، ويبلغ تعداده السكاني حوالي 145 ألف نسمة، غالبيتهم من الأرمن. ومن الناحية الجغرافية يقع الإقليم في أذربيجان، ومن ناحية الديموغرافية يسكنه غالبية أرمنية ساحقة.

الجذور التاريخية للصراع

تبدأ جذور الصراع في عشرينيات القرن الماضي خلال الحقبة السوفيتية إبان حكم جوزيف ستالين. فقد بدأت الأمور في الاشتعال بمجرد أن أقدمت السلطة السوفيتية عام 1932 على ضم الأقلية الأرمينية في الإقليم للحدود الآذرية.  في المقابل، تركت الأقلية الأذربيجانية معزولة في إقليم “ناختشيفان”، داخل جمهورية أرمينيا. وبالإضافة إلى ذلك منحت الدولة السوفيتية للإقليم الحق في الحكم الذاتي مع تبعيته لأذربيجان مما ساهم في تحويله إلى قنبلة موقوتة آيلة للانفجار في أي لحظة. 

وتُجدد الاشتباكات الحالية بين أرمينيا وأذربيجان، في الأذهان ذكريات أولى الضربات القوية التي وُجهت إلى وحدة أراضي الاتحاد السوفيتي. إذ أن كلا البلدان كانتا جزءًا من الأراضي السوفيتية. وبحلول فبراير 1988 بالتزامن مع بوادر انهيار الاتحاد السوفيتي، كان هناك حالة من القلق العميق تستمر لأشهر في منطقة –ناجورني كارباخ- المتنازع على سيادتها بين البلدين. تلي ذلك أن بدأت صراعات على أساس عرقي في الاندلاع، ترتب عليها أن ناشد البرلمان المحلي –للمنطقة التي كانت تخضع لحكم ذاتي آنذاك- الرئيس الروسي آنذاك ميخائيل جورباتشوف، وطالب بنقل سلطة الحكم الذاتي من تحت لواء جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفيتية إلى أرمينيا. 

وسرعان ما اعترض القادة الآذريون لدى موسكو، واشتعلت الاشتباكات بين الطرفين والتي تحولت بسرعة مدهشة إلى حرب أهلية تركت قتلى وجرحى ولاجئين لدى الطرفين. كما ازدادت الأمور تعقيدًا بعد أن أعلن المجلس السوفيتي الأرمني عن توحيد إقليم ناجورني كارباخ تحت العلم الأرمني. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي في 1991، أعلن انفصاليو الإقليم عن استقلالهم عن أذربيجان ورفضهم الانضمام إلى أرمينيا. 

بعد ذلك، زودت أرمينيا مقاتلي كارباخ بالسلاح والرجال، وتوغلت قواتها بعد ذلك داخل أذربيجان. واحتلت الشريط الجغرافي المُسمى –رواق لاجين-  بالإضافة إلى أراضي 6 مقاطعات أخرى شرق وجنوب كارباخ. ترتب على كل هذه التحركات أن فر في 1993 مئات الآلاف من السكان الآذريين من مساكنهم هربًا من توغل القوات الأرمينية. وفي 1994، قبلت جميع الأطراف بما فيها أذربيجان التوقيع على اتفاقية لوقف إطلاق النار والاحتكام إلى المفاوضات السلمية، وكان الوسيط الرئيسي في المفاوضات هو الاتحاد الأوروبي.

تجدر الإشارة كذلك إلى أن أرمينيا كانت قد ضمنت لنفسها سيطرة كاملة ليس فقط على جزء شاسع من كارباخ ولكن أيضًا عبر العديد من المناطق الواقعة بينها وبين أذربيجان، خلال حربها مع أذربيجان في أوائل التسعينيات. وهو الشيء الذي لم تتقبله أذربيجان بسلاسة أبدًا، خاصة في ظل القانون الدولي الذي لايزال معترفًا بأن –ناجورني كارباخ- هي جزء من الأراضي الآذرية. واستمر الأمر على ما هو عليه، في ظل قناعات مستقرة في نفوس الآذريين بأنهم سوف يستردون أراضيهم المفقودة عاجلًا أم آجلًا، يقابلها ثقة كبيرة في النفس من قِبَل الأرمن العازمين على الاحتفاظ بالأرض في حوزتهم إلى الأبد. فيما تندلع المناوشات الحدودية بين البلدين من وقت لآخر منذ التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار، وفي الكثير من الأحيان تتصاعد لتبلغ وقوع أعمال عدائية أكثر خطورة كان آخرها في عام 2016. 

الموقف الروسي من الصراع

على مدار السنوات الماضية، لطالما حاولت روسيا مرارًا وتكرارًا التوفيق بين الجمهوريتين السوفيتيين السابقتين لكن دون جدوى. والسبب هو أنه ينبغي أن تتوافر الإرادة السياسية أولاً قبل التحرك لأجل التوصل إلى حلول وتسويات مرضية للطرفين، وهذا أمر يبدو جليًا أنه لم يكن متوافر في هذه الحالة. إذ إن أيًا من الطرفين يرفض تقديم أدنى تنازلات لحل الأزمة. فأرمينيا على سبيل المثال تخشى من الموافقة على منح أذربيجان جزءًا ولو ضئيلًا من المناطق الواقعة بين ناجورني كارباخ وأرمينيا، خوفًا من أن تتخذها أذربيجان فيما بعد كنقطة انطلاق للهجوم عل ناجورني كارباخ بالكامل. 

ومن ناحية أخرى، تُدرك أذربيجان جيدًا أن عنصر الوقت يجري لصالحها، إذ إن تعدادها السكاني يفوق نظيره لدى أرمينيا بأربعة أضعاف، وتملك ناتج محلي كبير للغاية بالمقارنة بأرميني، وميزانية عسكرية عملاقة، لذا فإن باكو تملك يقين راسخ بأن أرمينيا أضعف من أن تحتفظ لنفسها بهذه الأراضي إلى الأبد. وكل هذه عوامل ليست ببعيدة عن فهم أرمينيا، فهي بالتأكيد تدرك موقفها الحقيقي من الصراع. إلا أنها تظن أن ورقة رابحة تملكها وتستطيع أن تُعدل من سياق موازين النزاع إلى جانبها، وهذه الورقة هي روسيا. فإنه بالإضافة إلى القاعدة العسكرية الروسية الموجودة في أرمينيا، فإن الدولتين عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، أي أن أرمينيا ترغب في الاستفادة من تحالفها العسكري مع العملاق الروسي. 

وفي الوقت الراهن، سعت روسيا جاهدة منذ بدء اشتعال الأزمة إلى خفض التصعيد وإلزام كافة الأطراف باتفاقية وقف إطلاق النار. ولكن هناك سؤال محوري يطرح نفسه، إذا احتدمت الأمور بين الطرفين، يصبح من مصلحة روسيا الوقوف إلى جانب أي طرف تحديدًا؟! 

 تدرك موسكو أنه لا يوجد أي مصلحة في أن تتطور الأمور في أراضي القوقاز القريب إلى حرب شاملة. إذ إن روسيا تملك علاقات وثيقة ومتزنة مع كلا الطرفين المتنازعين وتربطها بكليهما مصالح متنوعة. فعلى سبيل المثال، تعيش في روسيا جالية أرمنية تعد هي الأكثر عددًا بين مثيلاتها في سائر بلدان العالم، بحيث يقدر عدد الأرمن في روسيا بمليوني شخص. وفي الوقت نفسه، تعداد الجالية الآذرية في روسيا ليس هينًا، وتشارك العمالة الآذرية في الكثير من مناحي الحياة المحلية بروسيا. وتقدر إجمالي تحويلاتها المالية من روسيا إلى وطنها بما يتراوح بين 1.8 و4.2 مليار دولار سنويًا. فضلاً عن التعاون العسكري الذي يربط فيما بين روسيا وأرمينيا من جهة، وروسيا وأذربيجان من جهة أخرى. بحيث لا يمكن اعتبار مصالح روسيا في أمن القوقاز بمثابة ضامن كافي لرغبات أرمينيا. وقد يكون من الأصدق القول إن وجود روسيا لا يُعد ضامنًا أمنيًا لأرمينيا فحسب، ولكنه يُعد أولاً وقبل أي شيء بمثابة ضامن لوجود كلا الدولتين. فلطالما لعبت روسيا دور المكابح التي تمنع كليهما من الانزلاق في حرب شاملة، من الأكيد أنها إذا اشتعلت سوف ينتج عنها إبادة كل طرف منهم للآخر.

المصالح التركية في تأجيج النزاع

تتدخل تركيا على الفور بمجرد أن يطفو أي نزاع تُعد أرمينيا طرفًا به على سطح الأحداث الدولية. إذ أن خلافًا تاريخيًا يجمع بين كلتا البلدان، بفعل المذابح التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن والتي نتج عنها مقتل عدد يقارب المليون والنصف المليون أرمني. في الوقت الذي تواصل فيه أنقرة إنكارها لوقوع هذه المذابح وتردد أن مذابح مشتركة وقعت بين الطرفين.

ووفقًا للخلفية السابقة، فإن أنقرة لم تحذُ حذو سائر الدول التي طالبت بتخفيض حدة التصعيد والالتزام بوقف إطلاق النار. بل جاء ردها على العكس تمامًا، إذ ألقى الرئيس التركي خطابًا –الثلاثاء 14 يوليو- ألقى من خلاله اللوم على يريفان واتهمها بالمبادرة في إشعال الأزمة، كما أدان الهجمات الأرمنية على “دولة أذربيجان الشقيقة”، وتوعد بدعم باكو ضد أي هجمات. 

يبدو جليًا كيف ألهم أردوغان الاستفزاز الأخير بين البلدين، وبالتأكيد هذا النوع من التحركات لا يرجع فقط إلى عدائه التاريخي مع أرمينيا. ولكن يمكن أن تُفهم أسبابه في ظل المكاسب التي قد يحرزها أردوغان على المدى البعيد من وراء تأجيج هذا النوع من الخلافات. 

وما يمكن أن نفهمه من موقف تركيا، هو أن أردوغان يستخدمها كذريعة مبدئية لأجل التدخل لصالح دعم حليفه الرئيس الكازخستاني إلهام علييف أولاً، وثانيًا ما سوف يلي تضخم النزاع وتضخم حجم الدعم التركي وتمدد نفوذه في تلك المنطقة الحيوية. بالشكل الذي يساعده على إعادة إحياء نفوذه العثماني الذي امتد قديمًا عبر مناطق شاسعة من القارة. وبالإضافة إلى ذلك، يرى أردوغان في تأجيج هذا الخلاف في الوقت الحالي ما يُرضيه من إثارة توترات في منطقة النفوذ الروسي الجيوسياسي، والتسبب في المزيد من المتاعب لروسيا التي تربطه بها في الوقت الراهن مواقف خلافية في جبهات صراع أخرى مثل ليبيا.

مواقف دولية أخرى من النزاع

إيران، أعلن عباس موسوي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عن أسفه إزاء الأحداث الأخيرة التي حدثت بين البلدين المتاخمتين لإيران. وقال موسوي إن موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن النزاع بين هذين البلدين وقضية ناجورني كارباخ واضح منذ البداية. وشدد على ضرورة استخدام الأساليب السلمية والمفاوضات الثنائية والوساطة لجل حل وتسوية هذه الخلافات. وأعلن استعداد إيران للتوسط بين الطرفين لحل هذه الخلافات متى ما طلبا منها. مُعربًا عن أمله بخفض حدة التوترات ووقف التصعيد بين البلدان. 

ومنذ اندلاع الصراع حول الأزمة من بدايتها، وإيران تحاول دائما التوسط لحل النزاع بين الطرفين بالطرق السلمية، ويرجع ذلك إلى أن المنطقة تمثل أهمية استراتيجية لإيران. وعلى الرغم من أن طهران حرصت منذ بدء الصراع على الظهور في المشهد الوسيط المحايد بين الطرفين، إلا أن الحقيقة تعكس بوضوح كيف تميل إيران نحو أرمينيا وتُفضلها على أذربيجان. والأسباب كثيرة ومفهومة، يأتي على رأسها أن إيران تنظر لأرمينيا باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأول لها في منطقة جنوب القوقاز. كما أن البلدين يرتبطان ببعضهما البعض بشركات تجارية مميزة يتخللها تعاون في مجالات الطاقة. وتحتاج يريفيان إلى طهران لما تستورده منها النفط والغاز في حين تعتبر أذربيجان منافس لطهران في مجال تصدير مواد الطاقة. ويُعد خط أنابيب نقل الغاز الإيراني إلى أرمينيا والذي كان الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد قد دشنه من أبرز أوجه التعاون بين البلدين. 

بالإضافة إلى ذلك، يوجد تحالف قوي بين أذربيجان وإسرائيل، وتعد الأخيرة عدو واضح لإيران، مما يؤكد بدوره على مدى أهمية الترابط الإيراني الأرميني على الجانب الآخر. كما تستهدف من خلال علاقتها مع أرمينيا منع الولايات المتحدة وإسرائيل من محاصرتها في دول منطقة القوقاز وبوجه عام، موقف إيران من الأزمة يمكن فهمه في ضوء قيام السلطات الإيرانية بإلقاء القبض على 10 متظاهرين –الخميس 16 يوليو- بسبب تظاهرهم أمام السفارة الأذربيجانية للتعاطف مع أذربيجان. ومن ناحية أخرى، تكتسب الروابط الإيرانية مع دول الإقليم أهمية قصوى لما تمنحه من قدرة لطهران على مقاومة الحصار الأمريكي المفروض عليها بشكل دولي.

أوكرانيا، أصدرت وزارة الخارجية الأوكرانية بيانًا أعربت من خلاله عن قلقها إزاء التصعيد المتزايد بين البلدين. ودعت أرمينيا إلى ضرورة احترام السيادة الأذربيجانية على أراضيها. وهو موقف يُفهم في ضوء اعتبار أوكرانيا أن –شبه جزيرة القرم- أرض محتلة من قِبَل روسيا. وكذا الحال بين أذربيجان التي تنظر إليها أوكرانيا بعين نفس الموقف وهو أن جزءًا من أراضيها محتل من قبل طرف آخر. وعدا ذلك، يمكن القول إن هناك مصالح تجارية تفسر موقف كييف. إذ إن اذربيجان وعلى خلاف أرمينيا لديها ما تقدمه لأوكرانيا، يأتي النفط أولاً وقبل أي شيء، وثانيًا كثرة شراكات الأعمال الآذرية مع أوكرانيا. فيما اتحدت مواقف سائر الأطراف الدولية نحو نفس الهدف، وهو تخفيض التصعيد ووقف إطلاق النار. وهو ما طالبت به واشنطن والاتحاد الأوروبي على حد سواء. 

علاقة إسرائيل بالنزاع.. استدراج عسكري أم تدخل متعمد؟!

على الرغم من أن الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الأذربيجانية، لم يذكر إسرائيل صراحة تحت البند المخصص لسرد أسماء الدول التي تعقد أذربيجان معها شراكات عسكرية. إلا أنه وبعد مرور عدد من الأيام على الاندلاع الأخير للأحداث بينها وبين أرمينيا. باتت تردد أنباء عبر المواقع الإخبارية تشير إلى وصول خبراء عسكريين إسرائيليين إلى باكو للمشاركة في الأحداث المتصاعدة. ويتبين من الأنباء أن الخبراء الإسرائيليين قد وصلوا إلى باكو بعد أن حطمت أرمينيا عددًا من طائرات الجيش الأذربيجاني –إسرائيلية الصنع- مما تطلب من الحكومة الأذربيجانية أن تطلب من شركة “البيط سيستيم” الإسرائيلية أن تقوم بإرسال مشغلين وتقنيين إسرائيليين إلى باكو من أجل المساعدة في تسيير المعركة. ولا تُعد الطائرات الإسرائيلية “هيرميس-900″، هي المعدات الإسرائيلية الوحيدة المشاركة في العتاد الاذربيجاني. إذ أنه هناك ايضًا الأنظمة الإسرائيلية المضادة للدبابات التي يطلق عليها “سبايك” والتي يتم استخدامها بالفعل في سياق المعركة، بالإضافة إلى طائرات من طراز هاروب. كما يُذكر كذلك أن الطائرة الإسرائيلية هيرمس تعد نظامًا دفاعيًا باهظ للغاية، تقدر قيمة القطعة الواحدة بمبلغ 30 مليون دولار وتمتلك أذربيجان إجمالي 10 قطع منها. ويُعد سفر الخبراء الإسرائيليين بمثابة خطوة لافتة تُلقي بظلالها على خلفية العلاقات الإسرائيلية الأذربيجانية ككل. 

وفي هذا الصدد، يُذكر أنه في عام 2011، تم تسريب وثائق أمريكية عبر موقع ويكيلكس تُفيد بأن إسرائيل وأذربيجان وقعتا على صفقات أسلحة تقدر بملايين الدولارات.  ووفقًا لما ورد بالوثيقة، تسعى إسرائيل لاستخدام أذربيجان كمنصة انطلاق لعمليات التجسس على إيران. كما اشتملت وثيقة أخرى تم تسريبها في نفس السياق في 2009، أن إسرائيل تحاول الشروع في بناء تحالف أمني مع أذربيجان ضد إسرائيل وقامت في عقد تعاون معها بخصوص تصنيع طائرات بدون طيار. وتهدف إسرائيل بوجه عام من خلال تعاونها مع أذربيجان إلى بناء تحالف أمني ضد طهران من جهة، ومن جهة أخرى إلى تسويق منتجاتها العسكرية لأذربيجان من جهة أخرى. 

في فبراير 2012، وقعت البلدان على عقود صفقة أسلحة تُقدر بقيمة 1,6 مليار دولار، تقوم إسرائيل بموجبها بتوريد طائرات بدون طيار وأنظمة دفاعية لباكو. في نفس الوقت الذي كانت فيه وكالة رويترز قد ذكرت أن هناك مباحثات مشتركة بين خبراء من كلاً البلدان يعملون على دراسة كيف من الممكن لإسرائيل أن تستخدم القواعد الآذرية لأجل شن هجوم على إيران، ومن جانبها نفت أذربيجان بشكل رسمي تلك المزاعم. 

في عام 2016، تطورت العلاقات الأمنية والعسكرية بين البلدان بشكل كبير، عندما وقعت إسرائيل مع أرمينيا على اتفاقية لشراء منظومة “القبة الحديدية” الصاروخية. ووفقًا لإفادة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بوقتها، أنه قد تم توقيع عقود بين شركات أذرية وإسرائيلية، خلال السنوات الماضية، لأجل شراء معدات دفاعية بقيمة تبلغ خمسة مليارات دولار. 

وهناك أيضًا علاقات تجارية وطيدة بين أذربيجان وإسرائيل، جعلت من إسرائيل واحدة من ضمن أكبر خمس شركاء تجاريين لباكو، فيما تعد الأخيرة واحدة من أكبر موردي تل أبيب بالنفط، حيث تزودها بحوالي 40 بالمائة من استهلاكها السنوي، بينما تُعتبر إسرائيل سادس أكبر مستورد لصادرات النفط الأذربيجاني، حيث يصل النفط الآذري إلى إسرائيل عن طريق خط أنابيب يمر عبر تركيا.

سيناريوهات مستقبلية لتطور النزاع

  • خفض التصعيد ووقف إطلاق النار، وهو السيناريو المعتاد والمتكرر للأزمة عبر تاريخها الممتد. إذ عادة ما تتدخل روسيا وقوى الغرب وتقوم بالضغط على الطرفين وإجبارهم على التهدئة. 
  • اندلاع حرب شاملة بين البلدين، في وضع مماثل لن يكون هناك أي طرف دولي مستفيد من وراء الحرب سوى تركيا وإسرائيل. نظرًا لما سوف تمنحه الحرب لتركيا من إمكانيات للتدخل وبسط المزيد من النفوذ عبر أذربيجان خلال المعركة، التي سوف يضمن الانتصار فيها لأردوغان صاحب الطموحات العثمانية القديمة، القدرة على الجلوس جنبًا إلى جنب مع علييف في نهاية المطاف والمطالبة بمكتسبات ثمينة لتركيا نظير مساعدتها له أثناء الحرب. وإسرائيل أيضًا سوف تكون طرفًا مستفيدًا من الحرب التي سوف تُعزز من وارداتها العسكرية إلى أذربيجان، بالإضافة إلى نفوذها هناك. وهو الأمر الذي سوف يعود في نهاية المطاف بالضرر على إيران عدوها اللدود في المنطقة. وفي هذا السيناريو تكون روسيا أولًا طرفًا متضررًا بشكل مباشر، وإيران ثانيا. 
  • المخرج الأكثر رصانة، إن المخرج الآمن أمام كلا البلدان وأمام المنطقة برمتها سوف يظل دائما عبر طاولة المفاوضات وعبر نية حقيقية لتحقيق التقارب. وفي هذه الحالة، قد يأتي السبيل الأمثل لهذا التقارب عبر إعادة الإدماج التدريجي لكلا البلدان ليس فقط مع الشريك الإقليمي الموثوق –روسيا- ولكن أيضًا من خلال اندماجهما في الاتحاد الأور آسيوي. قد توفر لهما المنظمة مظلة جيدة ومناسبة للتفاوض حول حلول وسط مثل مسألة تبادل بعض الأراضي وعودة اللاجئين بشكل جزئي وتطبيق سياسات أمنية مريحة للطرفين. قد يكون اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي كذلك لأجل التوسط فكرة جيدة ولكن مع ضرورة تواجد حضور روسي قوي لعملية المفاوضات برمتها..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى