تركيا

معاهدتا “سيفر ولوزان”.. كيف نثرت أوروبا رماد الإمبراطورية العثمانية؟

في مصنع الخزف الكائن في ضاحية باريس اجتمع دبلوماسيون أوروبيون ووقعوا الوثيقة الأخطر التي أعادت تقسيم الشرق الأوسط على أنقاض الإمبراطورية العثمانية بعد أن تم نثر رمادها. مائة عام بالتمام والكمال تكون قد مرت على معاهدة “سيفر” في أغسطس القادم.

وعلى الرغم من الانهيار السريع للخطة إلى درجة أن أحدًا لم يعد يتذكرها الآن، إلا أن تلك المعاهدة قصيرة الأجل لا تقل أهمية عن اتفاقية سايكس بيكو التي تمت مناقشتها وتحميلها مسؤولية تقسيم الشرق الأوسط بلا هوادة بينما قبعت “سيفر” في طي النسيان.

مناديل الحرير في جاليبولي

قبل توقيع سيفر بخمس سنوات تنبأت بريطانيا بأن نهاية العثمانية قد أوشكت، بل قامت حكومة لندن بطباعة ذلك على مناديل من حرير ووزعتها مبشرة بقرب أفول الإمبراطورية.

وفي ذلك الوقت رأى البعض أن تفاؤل لندن سابق لأوانه، خصوصًا وأن العثماني انتصر في معركة “جاليبولي” خلال الحرب العالمية الأولى، ولكن بحلول العام 1920 تأكد للجميع أن ثقة اللورد البريطاني كانت في محلها عندما دخلت قوات التحالف عاصمة الإمبراطورية العثمانية وأجبر ممثلو القوى المنتصرة في الحرب الأستانة المهزومة على توقيع المعاهدة التي قسمت أراضيها إلى مناطق نفوذ أوروبية.

ونزولًا على “سيفر” تم منح أراضٍ من الأناضول لليونانيين والأكراد والأرمن والفرنسيين وعن طريق التعرف على أسباب فشل خطة أوروبا الأولى لتقسيم الشرق الأوسط، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل حدود المنطقة الشرق أوسطية الحالية وكذلك تناقضات القومية التركية والتحديات السياسية التي تواجه الدولة التركية الحديثة.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\download-2-3.jpg

أوروبا بالغت في تقدير ذاتها

لكن بعد مرور عام على توقيع المعاهدة المنسية “سيفر”، بدأت العواصم الأوروبية تدرك أنها قضمت أكثر مما يمكنها مضغه، وظهر ضابط عثماني يدعى “مصطفى كمال أتاتورك” استطاع توحيد قطاعات من الجيش العثماني من جديد، وبعد سنوات من محاولات القتال اليائسة استطاعوا طرد الجيوش الأجنبية التي تسعى لتطبيق المعاهدة فنتج عن ذلك تركيا التي نعرفها اليوم والتي رسمت حدودها الجديدة بموجب معاهدة لوزان.

وقد كان لهذه الفترة أعظم الأثر على التاريخ التركي الحديث؛ إذ خلفت ما يطلق عليه اصطلاحًا ” إرث سيفر” أو ” متلازمة سيفر “، وفي الوقت الذي طوى فيه الغرب اتفاق سيفر تمامًا ساعدت بنود المعاهدة مباشرة في تغذية شكل من أشكال جنون العظمة القومي لدى الأتراك.

 ويستخدم تعبير متلازمة سيفر لوصف حالة التشكك التي تلازم السياسيين الأتراك بمختلف توجهاتهم إزاء الآخرين، بما في ذلك الحلفاء التقليديين أو المجموعات العاملة في الداخل، التي سوف تتهم كذلك بالتواطؤ مع الخارج لتحقيق مصالح قد تتضارب مع المصلحة القومية. التشكيك في الأطراف الداخلية لم ينتج من فراغ، وإنما مما ورثه الأتراك من قصص حول تآمر الأقليات والمجموعات، التي كانت ترى أنها مهمشة، أو أنها لم تلق ما كانت تظن أنه يليق بها من فرص في الثروة أو السلطة. هذا التآمر الذي يكاد يتفق المؤرخون على وقوعه، خاصة حينما يتعلق الأمر بالمثالين الكردي والأرمني ربما يتسبب في فناء تركيا.

وسيفر كمتلازمة سيكولوجية قد تنجح في تفسير موقف السلطات التركية المتشدد منذ بدايات العهد الجمهوري الحديث، إزاء قضايا الأكراد وتطلعاتهم، كما قد تكون هذه المتلازمة سببًا في سهولة إقناع المواطنين الأتراك بالمؤامرة التي تؤسس لها الكيانات الموازية، ولذلك يؤمن المواطنون الأتراك بأن الإبادة الجماعية للأرمن –  والتي يستخدمها دبلوماسيون أوروبيون على نطاق واسع  كانت دائمًا مؤامرة معادية لتركيا وليست مسألة حقيقة تاريخية.

ولذلك فإن إرث سيفر يمتد إلى ما هو أبعد من تركيا، وهذا بالضبط السبب في ضرورة تضمين هذه المعاهدة إلى جانب سايكس بيكو في تاريخنا في الشرق الأوسط. لأنه سيساعد في تحدي الفكرة السائدة بأن مشاكل المنطقة بدأت مع رسم الأوروبيين حدودًا على خريطة فارغة.

والنظر إلى التاريخ من خلال عدسة معاهدة سيفر يشير إلى نقطة أعمق حول العلاقة بين السبب والنتيجة، بين الحدود المرسومة في أوروبا وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من أن البعض يرى أن تركيا قد جنت الفوائد السياسية والاقتصادية بانتصارها على معاهدة سيفر. لكن البناء على هذا النجاح يتطلب الآن صياغة نموذج سياسي أكثر مرونة، نموذج يساعد على جعل المعارك حول الحدود والهوية الوطنية غير ذات صلة.

من سيفر إلى لوزان 

في 24 يوليو 1923، وقعت الحكومة التركية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان واليونان ورومانيا وبلغاريا والبرتغال وبلجيكا ويوغوسلافيا معاهدة لوزان. خلال المفاوضات، تم الاتصال بين الوفد التركي والحكومة عن طريق تليجراف يسيطر عليه البريطانيون والفرنسيون. مع العلم أن البرلمان التركي لم يقبل المعاهدة كما كانت، فقام مصطفى كمال باشا بتأسيس حكومة جديدة مؤلفة من مؤيديه لتمرير المعاهدة. ومع ذلك، صوّت 14 نائبًا ضد معاهدة لوزان، التي دخلت حيز التنفيذ في أغسطس من نفس العام.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\0r4Nd (1).jpg

وعلى إثر انصياع تركيا تم شطب ديونها بعد دخول معاهدة لوزان حيز التنفيذ. ومع ذلك، تم تقسيم بقية الديون بين الولايات الجديدة التي تم إنشاؤها على الأراضي السابقة للإمبراطورية العثمانية. كما تم تحديد مواعيد السداد بشكل مناسب. على الرغم من أن معظم سكانها كانوا يونانيين.

وعلى أي حال فإن أخطر أحكام معاهدة لوزان هو جر تركيا إلى الخلافات المصطنعة، ووضع الدولة الجديدة تحت التزام كبير لا يمكنها تحمله. ووفقًا لمعاهدة سيفر كان الجيش التركي يقتصر على 50000 جندي وقد كانت هذه نعمة بالنسبة لتركيا في ذلك الوقت حيث أنه وفي الواقع، كان ذلك السبب وراء صعود ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. فقد استفادت العاصمتين اليابانية والألمانية من الدعم الأجنبي إلى جانب الميزانية القليلة الموفرة لجيوشهم الصغيرة.

 وحسب مؤرخين فإن معاهدتي سيفر ولوزان هي اتفاقيات متماثلة، ولكن تختلف فقط عن بعضها البعض من حيث نسبة فقدان الأراضي والقيود العسكرية الناجمة عنهما. ففي كلتا المعاهدتين، كان البوسفور في إسطنبول والدردنيل تحت سيطرة قوى أجنبية.  في حين استمرت الاستقلالية القانونية للجاليات غير المسلمة في كلتا المعاهدتين. 

ويعد الفارق الأوضح هو أنه في معاهدة لوزان، تم التخلي عن الشرق الأوسط بأكمله وقبرص والجزر في بحر إيجة، وعلى غرار سيفر، لم يبق سوى مساحة صغيرة لجمهورية تركيا التي تأسست حديثًا. كانت معاهدة سيفر إذاً خطوة تمهيدية، لأن الهدف الرئيسي كان معاهدة لوزان لإضعاف تركيا.

 وفي الوقت الذي بدأت فيه الإمبريالية الكلاسيكية في الانحلال، لم تكن الإمبراطورية العثمانية تشكل أي تهديد للغرب الذي كان على استعداد لتوجيه حواسه للنفط في الشرق الأوسط وقد كان حقيقة على أتم الاستعداد، ولذلك تفاوضت بريطانيا مع الأتراك على الموصل العراقية الغنية بالنفط لتبقى تحت الانتداب البريطاني في حين أن الأراضي العربية التي لم تكن تشكل أهمية اقتصادية للغرب تم التنازل عنها لتركيا ويعد لواء الإسكندرون المثال الأبرز على ذلك.

وعلى الرغم من ذلك لم تكن هذه المعاهدة هزيمة كما وصفها الجانب المحافظ، ولم تكن انتصارًا كما وصفه الفصيل الكمالي التابع لأتاتورك. لكن من منظور مختلف، وجد الأتراك الفرصة لتأسيس دولة قومية جديدة لأنفسهم وكان ذلك انتصارًا، بينما كان بالنسبة للمحافظين خسارة، لأنهم فقدوا تاريخهم بالكامل بما في ذلك سلطانهم.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\كيف-مات-الطاغية-مصطفي-كمال-أتاتورك.jpg

تركيا تسفر عن وجهها 

 بعد لوزان، لم تكن أنقرة بأكثر رأفة تجاه القوميات التي جمعتها بين حدودها   من القوى الغربية بأنقرة نفسها، فقد نفذت الحكومة التركية سياسات سكانية عنيفة.  شملت الجميع من غير المسلمين، وخاصة الأرمن واليونانيين والمسيحيين الشرقيين، بل أن حتى المسلمين غير الأتراك، تعرضوا للطرد وإعادة التوطين من أجل إنشاء الأناضول الجديدة مع مجتمعات أكثر تجانسًا. 

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\sddefault.jpg

وباستثناء بعض المناطق الصغيرة، كان السكان مختلطين لغويًا على الأقل في الداخل التركي، وعلى الرغم من ذلك فقد اتحدت جميع الأقليات في رغبتها في الانفصال عن الهيمنة العثمانية وحكمها الجائر.

يوليو من كل عام

يعد شهر يوليو من كل عام هو الميعاد الرسمي الذي تخرج علينا فيه أنقرة لتطالب بإلغاء اتفاقية لوزان بدعوى أن شروطها المجحفة قد فرضت عليها في وقت الضعف وأن هذا الأمر لابد أن يتغير الآن.  

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\18188630_101.jpg

 وذلك في محاولة لإحكام سيطرتها من جديد على بلاد المشرق العربي وشمال أفريقيا والجزر اليونانية وقبرص وحتى بعض المناطق في البلقان. حتى إن الرئيس التركي وفي إحدى زياراته لليونان قال إن اتفاقية لوزان تحتاج إلى تحديث وأن تركيا تمتلك صكوك ملكية الشرق الأوسط.

 وهو ما يفسر السعي التركي الحثيث للسيطرة على الأراضي العربية في ليبيا والعراق وسوريا؟ بل والتنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية رغم الإدانات الدولية.

وكان العام 2011 هو ما شهد الإعلان عن الرؤية التركية لعام 2023 والتي تضمنت إعادة إحياء ما يعرف بالليرة الموصلية باعتبار أن العراق بل والمنطقة العربية كلها قد أخذت عنوة من أنقرة، وكانت هي الفترة التي شهدت الإعلان بوضوح عن الأطماع العثمانية في المنطقة العربية مستغلة الظروف التي تمر بها المنطقة وحالة الضعف والتشتت لتفرض وتعيد إحياء واقع انتهى منذ ما يقرب من قرن الآن، وإذا كانت تركيا لا تستطيع تقبل هزيمة مرت عليها اكثر من مئة سنة ولا تستطيع تصور انتزاع الأراضي العربية التي احتلتها هي بالأساس فكيف يرد إلى توقعاتها أن المنطقة العربية قد تقبل بذلك الإرث العثماني المختل.

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تطالب إمبراطوريات كانت لا تغيب عنها الشمس من فرط اتساعها بنفس المطالب التركية، وفضلًا عن ذلك فلم تذكر معاهدة لوزان في بند واضح أو غير واضح أن مدة الاتفاقية هو مئة عام فقط!! فمن أين خرج الرئيس التركي بهذا الطرح.

كانت الأحداث التي مرت بها المنطقة العربية في 2011 إذاً هي البوابة التي نفذت منها أنقرة لرسم خطة أطماعها في المنطقة، ولكن لم يكن من المتوقع أن أطماع بعض الدول في ثروات المنطقة مثلما كان الحال دائمًا بالنسبة للشرق قد تتحول إلى المطالبة بإلغاء اتفاقية رسمت على أساسها الحدود في منطقة الشرق الأوسط بدعوى أنها فرضت على الأستانة في حقبة الضعف وكأنه أمر نادر الحدوث، فالتاريخ يكتبه المنتصرون والاتفاقيات والمعاهدات يصيغها الطرف المنتصر والطرف الأقوى وهكذا جرى العرف الدولي.. ولذلك يظل إلغاء معاهدة لوزان سراب جديد تتبعه الجمهورية التركية الحديثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى