دول المغرب العربي

تعقيد قد ينتهي بحل البرلمان.. ماذا بعد استقالة الفخفاخ وتعنت النهضة؟

تشهد الدولة التونسية أزمة سياسية معقدة على المستويين البرلماني والحكومي؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه الكتل البرلمانية لسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشى، تصاعدت أزمة سحب الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ بزعامة النهضة، والتى نتج عنها استقالة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ. وحقيقة الأمر أن الأزمة لم تنتهِ باستقالة الفخفاخ، بل يبدو استمرار الأزمة السياسية في تونس في ظل صراع الكتل السياسية والرغبة في سحب الثقة من الغنوشي داخل البرلمان، وبذلك تكون الدولة إزاء أزمة تكليف رئيس للبرلمان، وفى ذات الوقت التوافق حول رئيس جديد للحكومة، فهناك ترابط ما بين استقرار البرلمان ومن ثم اختيار رئيس للحكومة متوافق عليه من قبل الكتل السياسية المختلفة.

تصعيد مستمر

يسيطر على المشهد السياسى عدم توافق الكتل السياسية داخل البرلمان، إضافة إلى فقدان الثقة في رئيس البرلمان راشد الغنوشي والاتهامات التى تطاله من حيث عمله لمصلحة حزبه أكثر من مصلحة الدولة التونسية. وأصبحنا أمام اتجاهين متصارعين داخل البرلمان، اتجاه يضم كل من تحيا تونس والتيار الديمقراطي وحركة الشعب والحزب الدستوري الحر، واتجاه آخر يضم النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة.

ويستمر التصعيد بينهما حيث سعت الكتل البرلمانية التي تضم كل من تحيا تونس والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وكتلة الإصلاح الوطني والحزب الدستوري الحر الذي يقود الحملة ضد الغنوشي إلى سحب الثقه منه باعتبار أنه يخدم أجندة تنظيم الإخوان المسلمين، إضافة إلى محاولته توريط الدولة التونسية في صراعات إقليمية وتواصله مع رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج، وهو تجاوز لاختصاصاته كرئيس للبرلمان.

إضافة إلى قيام الحزب الدستوري الحر بتنظيم اعتصام داخل منصة رئاسة مجلس النواب بعد تهديد وجه إلى عبير موسى من قبل النائب الإخواني سيف مخلوف رافعين شعار “لا للإرهاب”. وقد عبرت عبير موسى رئيسة الحزب الدستوري الحر من خلال صفحتها الخاصة أنها سترابط داخل مجلس النواب حتى جمع التوقيعات لسحب الثقة من الغنوشي الذي يحمي تسلل الإرهابيين إلى مقر سيادي مثل البرلمان.

وفقًا لما يقرره النظام الداخلي للبرلمان التونسي في الفصل 51 فإنه “يمكن للمجلس سحب الثقة من رئيسه بموافقة الأغلبية المطلقه من أعضائه بناء على طلب كتابي معلل يقدم لمكتب المجلس من ثلث الأعضاء على الأقل، ويعرض الطلب على الجلسة العامة للتصويت على سحب الثقة من عدمه في أجل لا يتجاوز ثلاثة أسابيع من تقديمه لمكتب الضبط، ويتم سد الشغور الناجم عن سحب الثقة بنفس طريقة الانتخاب المبينة بالفصليين 10 و11 من هذا النظام الداخلي”.

يبدو أن هذا الهدف للكتل البرلمانية بسحب الثقة من الغنوشي في طريقه إلى التحقق، بعد تصريحات للنائب هيكل المكي عن الكتلة الديمقراطية بأن لائحة سحب الثقة من الغنوشي وصلت للنصاب القانوني 73 صوت وسوف يتم إيداعها في البرلمان لتحديد جلسة عامة للتصويت.

مؤشرات التصعيد بين الفخفاخ والنهضة

وفي إطار الصراع المستمر بين الكتل السياسية وجهت حركة النهضة اتهامات ضد الفخفاخ بشبهة تضارب المصالح على خلفية دعوة قضائية وجهها النائب ياسين العياري ضد رئيس الحكومة من حيث إن الفخفاخ يملك إحدى الشركات في مجال البيئة، بنسبة 66 % تحصل على عقود من الدولة بقيمة 15.3 مليون دولار، لذلك تراجع النهضة موقفها من دعم حكومة الائتلاف الحاكم بسبب تعارض المصالح والذي أضر بصورة الائتلاف الحاكم. وتعد الخلافات بين الفخفاخ والنهضة قديمة حيث رغبت النهضة في ضم قلب تونس وائتلاف الكرامة إلى الائتلاف الحاكم وهو ما رفضه الفخفاخ.

ومن ثم سعى حزب النهضة إلى سحب الثقة من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، وتضم كتلة النهضة داخل البرلمان 54 نائبًا في البرلمان، فكان يعول النهضة على كل من ائتلاف الكرامة وحزب قلب تونس للوصول إلى الأغلبية المطلقة لسحب الثقة من الحكومة.

واتخذ مجلس شورى حركة النهضة في جلسته المنعقدة الثلاثاء 14 يوليو قرارًا بسحب الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ على أن يقوم رئيس الحركة بمتابعة ذلك مع مختلف الأحزاب والكتل، وبحسب الدستور التونسي ووفقًا للفصل 97 منه فإنه يشترط لسحب الثقة من الحكومة موافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس، وتقديم مرشح بديل لرئيس الحكومة يصادق على ترشيحه في نفس التصويت ويتم تكليفه من قبل رئيس الجمهورية بتكوين حكومة طبق أحكام الفصل 89.

وقد جاء موقف الرئيس التونسي قيس سعيد رافضًا لمساعي حركة النهضة لسحب الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ، وأثناء لقائه بقصر قرطاج كل من رئيس الحكومة الفخفاخ والأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطوبي أكد أنه لن يقبل بأي مشاورات تهم تشكيل حكومة جديدة ما دامت الحكومة الحالية قائمة، وكاملة الصلاحيات، ولا تحدث المشاورات إلا إذا قدم رئيس الحكومة استقالته أو تم سحب الثقة بموجب الأغلبية المطلقة بمجلس النواب، قائلا “إن النظام السياسي ينظمه الدستور ولا مجال تحت أي ظرف من الظروف حصول تجاوز له أو بروز نظام سياسي مواز له”.

وفي مواجهة دعوات النهضة هدف الفخفاخ إلى إجراء تعديلات وزارية استهدفت وزراء حركة النهضة ردًا على ما طلبته حركة النهضة من الرئيس قيس سعيد بإجراء مشاورات لتغيير الحكومة. وقد خوّل الدستور لرئيس الحكومة وفقًا للفصل 92 اختصاص إحداث وتعديل وحذف الوزرات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء.

وقبل تقديم الفخفاخ استقالته أمس الإربعاء إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد، اتخذ رئيس الحكومة المستقيل قرارًا بإعفاء وزراء النهضة من الحكومة، وهم  أحمد قعلول ومنصف السليتي ولطفي زيتون وأنور معروف وعبد اللطيف المكي وسليم شورى من مهامهم، وتكليف الحبيب الكشو بمهام وزير الصحة بالنيابة، وفاضل كريم بمهام وزير النقل بالنيابة، وغازي الشواشي بخطة وزير التجهيز بالنيابة، وأسماء السحيري بخطة وزيرة الشباب والرياضة بالنيابة، وشكري بلحسن بخطة وزير الشؤون المحلية بالنيابة، ولبنى الجريبي بخطة وزيرة التعليم العالي بالنيابة .

سيناريوهات المستقبل

جاءت استقالة الفخفاخ من الحكومة بعد خمسة أشهر من توليه منصبه في فبراير الماضي والتي قدمها أمس الاربعاء إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد بمثابة ضربة قاسمه في وجه النهضة قبل بدء إجراءات سحب الثقة منه، ومن ثم تقديم شخصية تابعة لها ترأس الحكومة التونسية، لكن ماذا بعد استقالة الفخفاخ في تونس، وتمكن الكتل السياسية من سحب الثقة من رئيس البرلمان.

يبقى الوضع أمام عدة سناريوهات الأول: ووفقا للفصل 98 فإن استقالة رئيس الحكومة هي استقالة للحكومة بكاملها وتقدم الاستقالة كتابة إلى رئيس الجمهورية الذي يعلم بها رئيس مجلس نواب الشعب، وهو ما حدث بالفعل من حيث تقديم الفخفاخ استقالته أثناء لقاء كل من رئيس الحكومة المستقيل ورئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الاتحاد العام للشغل، ووفقًا للنص الدستوري يكلف رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتكوين حكومة طبق مقتضيات الفصل 89.

وينص الفصل 89 من الدستور التونسي على أن الحكومة تتكون من رئيس ووزراء وكتاب دولة يختارهم رئيس الحكومة وبالتشاور مع رئيس الجمهورية بالنسبة لوزارتي الخارجية والدفاع. في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات.

ويكلف رئيس الجمهورية مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب بتكوين الحكومة خلال شهر يجدد مرة واحدة وفي صورة التساوي في عدد المقاعد يعتمد للتكليف عدد الأصوات المتحصل عليها.

وعند تجاوز الأجل المحدد دون تكوين الحكومة أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس النواب الشعب يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر. لكن وفق معطيات الوضع السياسى سوف يستمر التعقيد أمام تكليف رئيس الحكومة في ظل عدم توافق الكتل داخل البرلمان ورغبتها في سحب الثقة من رئيس البرلمان.

 السيناريو الثاني: وفقًا للنص الدستوري ذاته إذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعين يومًا وأقصاه تسعين يومًا.

السناريو الثالث: في حال سحب الثقة من راشد الغنوشي فإنه وفقًا للفصل 52 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي في حالة الشغور النهائي لمنصب رئيس مجلس نواب الشعب يمارس نائبه الأول كل صلاحياته إلى حين انتخاب رئيس جديد طبقًا لمقتضيات هذا النظام الداخلي في أجل أقصاه خمسة عشر يوما من تاريخ الشغور وينتخب رئيس مجلس النواب وفقا للأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى