مكافحة الإرهاب

الفرع يتبع الأصل.. بعد قرار حل الجماعة في الأردن ماذا تبقى للإخوان؟

سنوات من الدعاوى والملاحقات القضائية ضد فرع جماعة الإخوان المسلمين في الأردن انتهت بالأمس بإصدار محكمة التمييز الأردنية (المحكمة الأعلى في الأردن) قرارها النهائي والحاسم باعتبار جماعة الإخوان المسلمين في الأردن منحلة حكمًا وفاقدة لشخصيتها القانونية والاعتبارية، وذلك لعدم قيامها بتصويب أوضاعها وفقًا للقوانين الأردنية. لتُطوى بذلك صفحة جديدة من صفحات الجماعة الإرهابية، بعد أن صُنّفت كتنظيم إرهابي قبل ذلك من قِبل مصر والسعودية والإمارات، ووصفت كمنظمة إرهابية من قِبل وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة في عام 2017.

جدلية القرار الحاسم

أصدرت محكمة التمييز في الأردن قرارها الحاسم في القضية التمييزية رقم 2013/2020، ويقضي باعتبار جماعة الإخوان المسلمين منحلة حكمًا وفاقدة لشخصيتها القانونية والاعتبارية، وذلك لعدم قيامها بتصويب أوضاعها القانونية وفقاً للقوانين الأردنية. وذلك في الدعوى التي رفعتها الجماعة المنحلة على دائرة الأراضي والمساحة وعلى جمعية جماعة الإخوان المسلمين في طلب إبطال نقل ملكية الأراضي والعقارات للجماعة القانونية التي صوبت أوضاعها عام 2015.

استندت محكمة التمييز في هذا القرار لقرار الهيئة العامة للمحكمة في يونيو الماضي الذي قضى بحل الجماعة لعدم تصويب أوضاعها القانونية واعتبار الجماعة التي رُخصت عام 1946 منحلة بموجب أحكام القانون اعتبارًا من 1953، وهو ما دفع الإخوان لاستئناف القرار. وبموجب الحكم الأخير فإن جمعية الإخوان المسلمين التي تم ترخيصها في 2015، ليست خلفًا قانونيًا لجماعة الإخوان المسلمين.

بيد أن الجماعة نفت عبر المتحدث الرسمي باسمها معاذ الخوالدة أن يكون هذا الحكم قطعيًا، مؤكدًا أنه غير قطعي وأن محكمة التمييز أعادت القضية إلى محكمة الاستئناف لتكمل الأخيرة إجراءاتها في النظر بالقضية، وبالتالي فإن هذا القرار من حيث المبدأ ليس قطعيًا وسيعاد النظر فيه من قبل محكمة الاستئناف، مشيرًا إلى أن هناك عدة قضايا ما بين الجماعة والجمعية وهناك قضايا تم كسبها من قبل الجماعة في مرحلة الاستئناف وأثبتت أن جمعية الجماعة ليس لها علاقة بجماعة الإخوان المسلمين وليست خلفًا قانونيًا لها.

انشقاقات الجماعة تلقي بظلالها على الحكم

تأسست جماعة الإخوان في الأردن عام 1946 كفرع لجماعة الإخوان المسلمين في مصر التي تأسست عام 1928، وتدعي الجماعة أنها حصلت على ترخيص رسمي من رئاسة الوزراء الأردنية في حينه. وأسست عام 1992 حزب جبهة العمل الإسلامي ليكون ذراعها السياسي الذي استطاعت من خلاله الدخول في المعترك السياسي الرسمي والولوج إلى البرلمان الأردني منذ هذا الوقت، ويملك الحزب 15 مقعدًا في البرلمان بناء على الانتخابات النيابية التي أُجريت في سبتمبر عام 2016.

تعاني الجماعة من خلافات كبيرة داخل هيكلها التنظيمي وقياداتها منذ الانتخابات الداخلية التي شهدتها في عام 2008، وظهرت هذه الخلافات بشكل واضح مع تأسيس بعض قيادات الجماعة لـ(المبادرة الأردنية للبناء “زمزم”) في أكتوبر من عام 2013. التأسيس الذي أدى إلى إصدار ما تُسمى بـ”المحكمة الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين” قرارًا في أبريل 2014 بفصل ثلاث قيادات من الجماعة هم رحيل الغرايبة مؤسس المبادرة، ونبيل الكوفحي وجميل الدهيسات، لما قالت إنه مخالفة أنظمة ولوائح الجماعة بتأسيس مبادرة سياسية “خارج إطار الجماعة”.

أحد اجتماعات حل أزمة

المبادرة “زمزم” أعلن مؤسسوها في مارس 2016 تحويلها إلى حزب سياسي، وقال مؤسس المبادرة رحيل الغرايبة في إعلان إشهار الحزب الجديد إن “الأحزاب الدينية سقطت ولم يعد لها وجود وان مبعث العمل بحزبه قيد التأسيس سيكون وطنيا بامتياز”.

إضافة إلى الانشقاقات التي خلّفها تأسيس مبادرة “زمزم” كان الانشقاق الأكبر على يد المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن عبد المجيد الذنيبات الذي أسس كيانًا جديدًا تحت اسم “جمعية جماعة الإخوان المسلمين” في مارس من العام 2015، واصفًا ذلك بأنه تصويب للوضع القانوني للجماعة، لافتًا إلى أن “جماعة الإخوان في الأردن رُخصّت على أنها فرع للجماعة في مصر، وبعد قرار حل الجماعة في مصر واعتبارها إرهابية ومن المعروف أن الفرع يتبع الأصل لذا فإنهم دعوا إلى إصلاح الوضع القانوني للجماعة لفك ارتباطهم عن إخوان مصر ولكن قيادات الجماعة رفضت ذلك”، كما وصف تأسيس الجمعية بأنها “تصحيح لواقع الجماعة الذي لم يكن قانونيًا في الأردن”.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\c8d7ef161c.jpg

ولكن الجماعة وصفت خطوة تأسيس الجمعية بأنها “انقلاب على شرعية الجماعة وقيادتها المنتخبة وفق اللوائح الشورية داخلها”، مؤكدة أنها تحمل ترخيصًا قانونيًا منذ عام 1953 كـ”جماعة إسلامية عامة”. في المقابل حذر مراقب جماعة الإخوان المسلمين في الأردن همام سعيد من “أن النظام الأردني هو المتضرر الأول مما يجري مع الجماعة من حديث عن إعادة الترخيص”.

إلا أن الحكم الأخير الذي صدر عن محكمة التمييز قد قضى على وجود الإخوان المسلمين في الأردن جمعية وجماعة، إذ قضى بعدم اعتبار الجمعية التي تأسست عام 2015 خلفًا قانونيًا أو واقعيًا للجماعة التي تأسست عام 1946، وبالتالي عدم وضع يدها على أي ممتلكات أو أصول خاصة بالجماعة، واعتبار الجماعة التي رُخصت عام 1946 منحلة بموجب أحكام القانون اعتبارًا من 16 فبراير 1953 تطبيقًا لحكم المادة 12 من قانون الجمعيات الخيرية رقم 36 لسنة 1953. ويبقى بذلك للإخوان في الأردن ذراعهم السياسي “حزب جبهة العمل الإسلامي”.

مستقبل غامض للجماعة الإرهابية

تساهم القرارات القضائية الأخيرة في الأردن بخصوص حل جماعة الإخوان المسلمين، وما سبقها من قرارات مشابهة في دول الرباعي العربي (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) في زيادة الحصار والعزلة المفروضة على الجماعة الإرهابية في المنطقة، خاصة مع الانشقاقات التي باتت هي السمة الرئيسية لكافة أفرع الجماعة، ولا سيّما بين أذناب الجماعة الأم في مصر الذين تفرقت بهم السبل بين تركيا وقطر وبريطانيا، ومحاولة كل فرع أن يجعل نفسه هو الأصل الذي تلتف حوله البقية، وعزوف شباب الجماعة عن الاستماع لأي منهم.

هذا فضلًا عن الضغوط الكبيرة التي يعيشها فرع الجماعة في تونس “حركة النهضة”، وكذلك حالة الرفض المجتمعي لفرع الجماعة في الكويت (الحركة الإسلامية الدستورية “حدس”)، والتي ظهرت في عقب إلقاء السلطات الأمنية الكويتية القبض في يوليو من العام الماضي على خلية إرهابية إخوانية مصرية، وتسليمها إلى مصر، وهي الواقعة التي أثارت رفض إخوان الكويت الذي أثار غضب الكويتيين.

قرار المملكة الأردنية بحل جماعة الإخوان رغم كونه لن يقضي على وجود الجماعة تمامًا في عمّان؛ لاستمرار وجود الذراع السياسي “حزب جبهة العمل الإسلامية” الممثل في البرلمان، وإمكانية قيام الجمعية التي تأسست عام 2015 باستغلال حكم عدم اعتبارها خلفًا للجماعة في أن تزاول نشاطها بشكل جديد دون التقيد بما كانت تهدف إليه من وضع يدها على أصول الجماعة وممتلكاتها، وهو الأمر الأقرب للتحقق.

أما الجماعة الأم في الأردن التي تأسست عام 1946 فأصبح كيانها منحلًا بحكم القانون، والخلافات الكبيرة بين قياداتها وقيادات “جمعية جماعة الإخوان المسلمين” ستحول دون انضمامهم إليها، مما قد يعود بهم إلى العمل السري، الذي قد يفضي إلى شكل من أشكال العنف. وذلك بالنظر إلى تصريحات سابقة لقيادات إخوانية تشير بجلاء إلى النزعة الإرهابية لها، مثل زكي بشايرة الذي صرح في عام 2015 بأن “حل جماعة الإخوان يعني الذهاب لحواضن الفكر المتطرف، وخصوصًا فئة الشباب لما تتسم فيه من سرعة الانفعال والاندفاع”، وكذلك القيادي بالجماعة ونائب أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي نعيم الخصاونة الذي قال “لا خيار أمام الكثيرين من المعتدلين الرافضين للتدخل الأمريكي والحرب الدولية على الإسلام إلا تأييد داعش”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى