تركيا

أنقرة وكييف.. الأبواب الخلفية للدوران حول موسكو

بعد تأزم الأوضاع بين روسيا وأوكرانيا بفعل ضم شبه جزيرة القرم 2014 أصبح أكيدًا أن أي طرف دولي عليه المُفاضلة بين التقرب الى موسكو أو كييف. ومنذ ذلك الوقت، كانت الكفة –في الغالب- تميل نحو روسيا تاركة خلفها أوكرانيا على الهامش. أو بالأحرى كانت العديد من الأطراف الدولية تنظر الى التعاون مع أوكرانيا باعتباره دائمًا يأتي في المرحلة الثانية بعد موسكو، وبما لا يخالف إرادتها، أو ينعكس بالأضرار على مصالحها. 

وبالنسبة للعلاقات التركية الأوكرانية، فهذه أيضًا يمكن القول إنها لم تبتعد كثيرًا عما ذُكر آنفًا. إذ إن أنقرة اعتادت أن تخوض المباراة مع موسكو على الساحة الدولية بشكل رئيسي، وكلما شعرت أن هناك تقلبات تلوح في الأفق بعلاقتها مع روسيا، سارعت الى الاستدارة نحو الخلف والتقرب الى كييف المدرجة على قائمة –لاعبي الاحتياط- في الوقت الذي تدور فيه المباراة الرئيسية على أوجها. 

آفاق تاريخية.. لماذا تعتقد أنقرة أن كييف إحدى مقاطعاتها؟!

من وجهة النظر التاريخية، كانت أجزاء شاسعة من الأراضي الأوكرانية تقع بالفعل تحت سيطرة الدولة العثمانية الممتدة. ففي عام 1475، أقدم الوزير التركي جيديك أحمد باشا على غزو القرم بإيعاز من السلطان محمد الفاتح، وخاض المعارك التي تحولت القرم وشيركاسيا بفعلها الى النفوذ العثماني. والجدير بالذكر، أن –القرم- لم تكن هي المنطقة الوحيدة التي تقع ضمن النفوذ العثماني؛ إذ إن نفوذها في ذلك الوقت كان ممتدًا نحو التتار في البر الرئيسي لأوكرانيا الحديثة. وبعبارة أخرى، كان ساحل شمال البحر الأسود بأكمله وجزء كبير من السهوب الأوكرانية ينتمي سياسيًا الى تركيا. واستمر الأمر على ما هو عليه حتى تم أخيرًا طرد الأتراك تمامًا من الأراضي الأوكرانية بعد اندلاع الحرب الروسية التركية 1806-1812 بموجب معاهدة بوخارست للسلام. 

في الوعي السياسي التركي، أو بمعنى آخر ما يمكن أن يُقال عنه “الوعي الإمبراطوري”، لازالت أنقرة تنظر الى أوكرانيا وتحديدًا شبه جزيرة القرم باعتبارها جزءًا من إرث الماضي المفقود. والإرث السياسي بالنسبة للأتراك الجدد أمر قد يكون من اليسير فهمه في ضوء لفظة “عثماني- تورنتو”، وهي اللفظة التي يُطلقها أنصار الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان على رئيسهم، والتي تعني “حفيد العثمانيين”. بالإضافة إلى أن تركيا تُعد من البلدان القليلة التي أتيحت أمامها فرصة هائلة لاسترداد أجزاء فعلية من الإرث السياسي والتاريخي المستحق – من وجهة نظرها- والدليل على ذلك ما حدث في حالة هاتاي التركية حاليا “لواء الإسكندرون السورية سابقًا”، والتي قامت تركيا بضمها بشكل رسمي في عام 1939، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. 

ولكن مع ذلك، تظل هناك حقيقة راسخة، وهي أن القرم ليست هاتاي وليست بقية أجزاء الشمال السوري. بمعنى آخر، أن الطموحات التركية في الاستحواذ على أي شيء ممكن من إرثها القديم سوف تظل دائمًا قائمة تجاه الكل من الماضي. ولكن بالنسبة للقرم، الضم الفعلي -على غرار هاتاي- يبقى مستحيلًا، كما أن التعامل مع كييف برمته يظل محفوفًا بالمخاطر بفعل وجودها على خطوط التماس الأولى مع روسيا، التي تنظر إلى جغرافيا أوكرانيا باعتبارها مدخلًا على أمن وسلامة عمق الاستقرار الروسي. 

وفي هذا السياق، تتجلى طبيعة السياسة التركية تجاه أوكرانيا، من خلال خطوات على غرار دعم أنقرة عبر كنيسة القسطنطينية لانفصال الكنيسة الأوكرانية عن الروسية في يونيو 2019، في خطوة أثارت استياء موسكو البالغ إلى الحد الذي وصل إلى رد روسيا بقطع العلاقات بين كنيستها والكنيسة القسطنطينية. بمعنى أن أنقرة أقدمت على خطوة جريئة على صعيد –النفوذ الديني- فقط، وليس الجغرافي. 

ويُذكر في السياق نفسه، كيف نشطت أنقرة –في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي- بإنشاء وتعزيز المنظمات غير الربحية والمؤيدة لتركيا في شبه جزيرة القرم تحديدًا؛ بغرض العمل على تحويل أنقرة إلى مركز جذب لسكان الجزيرة من المسلمين. وبعد الانتهاء من أداء استفتاء تحديد مصير شبه الجزيرة في 2014، سافرت قيادات تتار القرم إلى تركيا، وهناك شاركوا في مسيرات حاشدة مناهضة لروسيا. كما منحتهم الحكومة التركية جوائز مختلفة نظير إخلاصهم. وكل ما سبق يندرج في نفس المساحة، وهي مساحة النفوذ الديني. 

آفاق التعاون المشترك

كانت العلاقات التركية الأوكرانية قد أخذت في التطور السريع خلال السنوات الأخيرة، حيث كانت تنمو على أصعدة مختلفة، من ضمنها الصعيد العسكري والاقتصادي والتجاري. وفي أغسطس 2019، استقبل أردوغان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في أول زيارة له إلى تركيا. وبعبارة “جارتنا الطيبة.. وصديق مخلص.. وشريك مهم”، استهل زيلينسكي كلمته خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع مع الرئيس التركي. ثم تابع في كلماته موجهًا الشكر إلى دعم أنقرة المستمر لسيادة أوكرانيا على أراضيها وسلامتها الإقليمية. في رحلة رافقه فيها مصطفى دزيميلف زعيم منظمة القرم التي تعدها روسيا جماعة محظورة، في زيارة يُشار الى أنها جاءت في المرتبة التالية على جدول أعمال الرئيس الأوكراني بعد انتهائه من زيارة بروكسل وبرلين وقيامه بعقد لقاءات مع الاتحاد الأوروبي.

التعاون العسكري-التقني

في أعقاب زيارة الرئيس الأوكراني إلى تركيا في أغسطس 2019، تم الإعلان عن إطلاق مشروع مشترك بين شركتي بايكار التركية للصناعات الدفاعية والأوكرانية لتجارة الأسلحة؛ للتعاون في مجال صناعة الأسلحة عالية الدقة وتقنيات الصناعات القضائية. وذلك وفقًا للبيان الذي صدر عن لجنة الدفاع والأمن الوطنية الأوكرانية والذي أوضح أن شركة بايكار التركية وأكرسبيتسيسكورت الأوكرانية قد أسستا شركة لتنفيذ مشروعات مشتركة بينهما. وأضاف البيان أن الشركتين تعتزمان التعاون في مجال صناعة الأسلحة عالية الدقة وتقنيات الصناعات الفضائية، وتبادل الخبرات للجمع بين القدرات الدفاعية لكلا البلدين وإنتاج أسلحة حديثة جديدة لجيشيهما. ووفقًا لما ورد بالبيان ذاته، فإن تطوير جيل جديد من الطائرات المسيرة مزودة بقدرات عالية على الطيران لفترات طويلة وأداء عمليات استكشافية وشن هجمات دقيقة بأسلحة عالية الدقة يُعد أحد المشروعات الأولية التي تعتزم الشركة البدء في تنفيذها.  

وأتبع ذلك إعلان زيلينسكي خلال زيارة أردوغان إلى أوكرانيا في فبراير 2020. إن الجيش الأوكراني سيتلقى مساعدات من تركيا تُقدر بقيمة 200 مليون ليرة تركية –قرابة الـ 50 مليون دولار- بموجب اتفاقية تعاون عسكري ومالي بين البلدين. على أن يتم تخصيص هذه الأموال لشراء العناصر العسكرية التركية ذات الاستخدام المزدوج، والتي من شأنها أن تُلبي احتياجات القوات المسلحة الأوكرانية. 

التعاون التجاري

على مدار 6 أعوام مضت، حققت العلاقات الأوكرانية-التركية قفزة كبيرة، ولعبت الأزمة الأوكرانية مع الجارة روسيا دورًا كبيرًا في هذه العلاقات. تتربع تركيا حاليًا على رأس شركاء أوكرانيا الاقتصاديين بعد إغلاق حدود وأسواق روسيا أمام بضائعها، بحجم تجارة بلغ نحو 4.8 مليار دولار في 2019، ويتطلع الجانبان إلى أن يبلغ 10 مليارات مع دخول اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين حيز التنفيذ، كما تنتشر فيها 600 شركة تركية، تعود على الاقتصاد الأوكراني بنحو 2.5 مليار دولار سنويًا.

وخلال زيارته الأولى إلى أوكرانيا صرح زيلينسكي أن كلتا البلدين تخطط لاستثمار ما يزيد عن 20 مليار دولار في قطاع البنية التحتية، بما يشتمل على تشغيل 15 مطارًا، وتجهيز 5 موانئ. كما تم تحديد مبلغ قيمته 10 مليارات دولار لإطار التبادل التجاري بين البلدين. ووفقًا لروهصار بيكجان وزيرة التجارة التركية فإن أوكرانيا تُتيح فرصًا مهمة أمام المقاولين الأتراك، وأكدت أن شركات البناء التركية كانت بحلول أواخر 2019، قامت بتنفذ مشروعات بقيمة 5.9 مليار دولار في أوكرانيا.

وتقوم أنقرة بتصدير المنتجات الصناعية والمنسوجات والمواد الغذائية، وفي المقابل تشتري من كييف الفحم والحديد الصلب والمنتجات الكيماوية. وبالإضافة الى ذلك تحتوي أوكرانيا بالفعل على المئات من الشركات التركية العاملة، والعديد من المتاجر والمطاعم التركية أيضًا. وهو الشيء الذي يُلقي بظلاله على حقيقة النوايا التركية إزاء التبادل التجاري مع كييف. إذ إنه في الوقت الذي تقوم فيه أنقرة بإرسال منتجاتها الصناعية إلى الأسواق الاوكرانية، تقوم في المقابل بشراء المواد الخام من كييف. وهو الأمر الذي تسبب في تنامي مخاوف لدى خبراء أوكرانيين من تحول بلادهم إلى مورد للمواد الخام الى تركيا، وسوق مفتوحة أمام المنتجين الأتراك اللذين يسحبون البساط من تحت أقدام المنتج الأوكراني المحلي، وخاصة في ظل الإجراءات الحمائية التي تتخذها انقرة للحفاظ على منتجيها، على غرار الرسوم التي فرضتها على استيراد المنتجات الزراعية، والتي تبلغ قيمتها الى 43.6% لدى أنقرة، بالشكل الذي يفوق لدى كييف التي تكتفي بنسة 11.1% فقط. 

وفي ضوء النظر عبر كل ما سبق، يمكن تفسير الأسباب التي أدت إلى طول فترة المفاوضات بين تركيا وأوكرانيا حول الوصول إلى اتفاقية بخصوص إنشاء المنطقة التجارية الحرة بين البلدين. فقد استمرت المفاوضات لما يزيد عن ثمانية أعوام، وكان أردوغان قد بدأ العمل عليها مع الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش، ثم أعقبت ذلك محاولات جديدة مع بورشينكو فيما بين 2016 -2018، وصولًا الى الوقت الراهن مع زيلينسكي. وبوجه عام لا يمكن النظر إلى الاقتصادين التركي والأوكراني باعتبارهما اقتصادات متنافسة، بل على العكس، من الدقة القول إن كليهما شريكان تجاريان لبعضهما البعض.

مجالات متنوعة من التعاون

بدءًا من عام 2012، أصبح متاحًا أمام مواطني كلا البلدين عبور الحدود في الاتجاهين بدون الحاجة إلى تأشيرة. وبعد مرور خمسة أعوام من تطبيق هذا النظام أصبح متاحًا لمواطني البلدين عبور الحدود باستخدام بطاقة الهوية. وتنفذ شركات الطيران الأوكرانية والتركية كل أسبوع قرابة الـ200 رحلة، وتستقبل تركيا نحو 1.5 مليون سائح أوكراني سنويًا، مستفيدين من إلغاء نظام تأشيرت الدخول بين البلدين. لكن على الرغم من كل ذلك يظل تعداد السياح الروس الوافدين إلى تركيا أكبر بكثير من مثيله من أوكرانيا.

وعلى مستوى القوى الناعمة، تقوم أنقرة بالعمل بنشاط وفاعلية في العاصمة الأوكرانية كييف، وذلك عبر مركز يونس إمري الثقافي التركي الذي يقوم منذ لحظة افتتاحه بتنظيم دورات في اللغة التركية، تحت شعار “المزيد من تركيا في أوكرانيا، والمزيد من أوكرانيا في تركيا”. وفي المقابل، تم افتتاح قسم اللغة والأدب الأوكراني داخل جامعة إسطنبول، كما ظهرت 12 جمعية أوكرانية في جميع أنحاء تركيا. 

أردوغان وتتار القِرم- عندما يُكرر الأتراك توظيف الإسلام في السياسة

يمثل تتار القرم ذوو الأغلبية المسلمة نحو 12% من سكان شبه جزيرة القرم، ويبلغ عددهم نحو 243 ألف نسمة من عدد السكان الذي يبلغ قرابة مليوني نسمة عبر الإقليم بأسره، وفقًا لآخر إحصاء سكاني أجرته أوكرانيا منذ عام 2001. ويذكر أن دور تتار القرم في الحياة السياسية قد برز بشدة في أثناء الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش. حيث كان التتار ممن يرفضون التقارب مع روسيا ويطالبون بتوقيع اتفاقيات شراكة أوسع مع الاتحاد الأوروبي. وبمجرد أن تم تغيير الحكم بعد الاطاحة بيانوكوفيتش، أصدر البرلمان الأوكراني الجديد قرارًا يتم من خلاله الاعتراف بالتتار باعتبارهم هُم السكان الأصليين لشبه جزيرة القرم، وتتعهد أوكرانيا بموجبه أن تقوم بتحريرهم وتنميتهم في المجالات العرقية والثقافية واللغوية بوصفهم مواطنين أوكرانيين.  من جهتهم أعلن التتار عن رفضهم لانضمام موطنيهم إلى روسيا. وذلك لما يتمثل لهم من مخاوف وقلق إزاء الحياة تحت إطار الحكم الروسي. 

وفي الماضي البعيد، هاجرت الغالبية العظمى من سكان تتار القرم من الإقليم بعد أن تعرضوا لعمليات تهجير قسري في عهد الزعيم السوفييتي السابق جوزيف ستالين عام 1944، وذلك بعد أن اتهمهم بالتعاون مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. ونزح الكثير منهم إلى عدد من دول آسيا الوسطى، بالإضافة إلى تركيا التي كونوا فيها واحدة من أكبر الجاليات خارج أراضيهم والتي تعد أحد أهم الداعمين لهم في الأزمة الأخيرة مع روسيا.

وبإيجاز شديد، يمكن القول إن سياسة أردوغان في الوقت الراهن اعتادت على استخدام وتكرار سيناريوهات بعينها عبر مناطق وقضايا مختلفة. وفي الوقت الذي يزعم فيه أردوغان على أنه مضطر للتدخل في الأزمة الليبية بذريعة توفير الحماية اللازمة لمليون مواطن ليبي من أصل تركي. يردد الشعار ذاته بالنسبة لتتار القرم، ولا ينفك يُظهر نفسه في مشهد القائد الحامي للقوى والتيارات الإسلامية المختلفة. مع الاختلاف بأن أردوغان لا يستطيع أن يجتاح شبه جزيرة القرم كما هو مخطط على الساحة الليبية، وأنه فقط يرغب في هذه الحالة في استخدام التتار باعتبارهم الامتداد الإسلامي له والإرث المستحق. ويحاول استخدام نفوذه مع تتار القرم من أجل التسبب في أكبر قدر ممكن من الإزعاج لروسيا، وفي الوقت نفسه التأكيد على الصورة التي يود دائمًا الظهور بها، وهي مشهد خليفة المسلمين الحامي لهم عبر مناطق بعيدة عبر العالم. 

أنقرة ما بين موسكو وكييف.. ومرة أخرى، أيهما أقرب؟!

أوكرانيا تصر على الإعلان عن أن ما يربطها بتركيا هو علاقات وثيقة للغاية وروابط –استراتيجية- على الرغم من أن العلاقات بينهما قد تكون قوية وقد تكون بالفعل حققت مستوى جيدًا من التقارب، إلا أنها لا تزال في مرحلة لا ترقى لأن يطلق عليها لفظة استراتيجية. وتعتمد أوكرانيا على هذه السياسة؛ لأنها تعتقد ووفقًا لتصريحات زيلينسكي نفسه “أن التعاون مع تركيا يساعد على إجبار روسيا على احترام القانون الدولي”. وهو أمر قد يكون مستبعدًا، ويجعل من أوكرانيا –فيما يخص علاقاتها بتركيا- في مرتبة تتشابه مع مكانة الغريق الذي يبحث عن طوق نجاة، أو أي وسيلة يمكن من خلالها الضغط على العملاق الروسي أو استفزازه أو حتى في أضعف الاحتمالات إثارة مخاوفه. 

بالنسبة لأردوغان، فإنه على الرغم مما يظهره من مستويات متقدمة من التقارب مع أوكرانيا. وعلى الرغم من العبارات الرنانة التي يواصل من خلالها الإعلان عن عدم شرعية ضم القرم، أو حتى عدم تخليه عن حقوق تتار القرم، فإنه قد يكون لايزال يمضي في داخل إطار المرحلة الآمنة مما يربطه بعلاقات بالغة الأهمية ومصالح استراتيجية جمة مع موسكو. هناك مثلًا هذا الموقف المتناقض؛ حيث تعلن أنقرة من جهة عدم شرعية ضم القرم، ومن جهة أخرى تُعارض العقوبات الغربية ضد موسكو، بحجة أن التدابير التقييدية التي اتخذها الغرب ضد جيران تركيا وشركائها قد أضرت بالاقتصاد التركي نفسه بشكل خطير. كما أن أنقرة لا تخرج أبدًا في تناولها للحلول المطروحة بشأن أزمة القرم عن إطار المطالبة بضرورة التوصل إلى حلول سياسية للمسألة. وهو ما يلقي بظلاله على طبيعة النوايا التركية وإلى أي مدى تستعد أنقرة في الحقيقة أن تمضي لتقديم الدعم المزعوم لأوكرانيا.

بإيجاز، يعتمد أردوغان على سياسة الرقص على السلالم والتلاعب بالمواقف. بمعنى أن يتعذر عليه تحقيق رغباته على الجبهة في سوريا أو ليبيا، فيسارع على الفور لاتخاذ تقارب ما مع أوكرانيا، وليكن إطلاق بعض العبارات والتصريحات التي تشجب وترفض ضم شبه جزيرة القرم على سبيل المثال. ولكن الأصل في الارتباطات التركية الروسية في الحقيقة هو أعمق بمراحل من مجرد التلويح بالتقارب مع أوكرانيا أو إصدار بعض العبارات الرنانة بشأن قضايا تعدها موسكو حساسة. فهناك على سبيل المثال لا الحصر، مشروع خط أنابيب التيار التركي، والذي يفتح الباب أمام تركيا حتى تكون مركزًا مهمًا لتزويد أوروبا بالغاز. أي أن أنقرة في نهاية المطاف لن تتخذ خطوات من شأنها أن تتعارض مع مصالحها الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى