تركيا

القومية الطورانية.. “النازية التركية” في رداء عثماني

شكّلت الأصول العرقية للأسرة العثمانية لغزًا محيرًا أمام المؤرخين غير الخاضعين للإملاءات والمال السياسي العثماني ثم التركي، على ضوء حقيقة أن المليارات التي أنفقتها الأسرة العثمانية ثم بعض الأطراف التركية في ترسيخ الرواية الرسمية عن الأصول التركية لعثمان هي رواية غير دقيقة، بل وتتناقض مع الكثير مما صدر من أبناء وأحفاد عثمان أنفسهم.

هل كان العثمانيون من أصول تركية؟

الحاصل أن عثمان قد نسب نفسه تارة إلى التركمان وتارة إلى السلاجقة ولاحقًا قبائل الترك، بينما وثق المؤرخون الأصول التتارية للعثمانيين والسلاجقة والخوارزميين على حد سواء، الأسر الثلاث التي لها باع في تاريخ دول الإسلام، ذلك لحقيقة أن مصطلح “الترك” لا ينطبق إلا على قبائل تركية شكّلت دولة خان الترك قبل أن تتم إبادة تلك القبائل بسقوط الدولة وإبادتها.

ولكن المؤرخين العرب نظروا إلى كل قبائل آسيا الوسطى باعتبارها “الترك”، وتم إطلاق مصطلح تركي على كل مواطن أو مملوك قادم للدول الإسلام قادمًا من آسيا الوسطي بينما الحقيقة أن كافة رجالات الدولة العباسية ممن يقال لهم إنهم من العرق التركي هم من قبائل معروفة في آسيا الوسطى من قبل ظهور واندثار القبيلة التركية ودولة خان الترك، ولهم أصول غير تركية موثقة.

المماليك بدورهم على ضوء تفاخر العرب بالأصل والقبيلة، لم ينفوا النسب التركي أثناء الدولة العباسية والفاطمية وغيرها، على ضوء السمعة الطيبة للترك بين قبائل العرب، ولكنهم ومثل مماليك الدولة العباسية أيضًا أصولهم غير التركية موثقة في كتب التاريخ.

الحقائق التاريخية تشير إلى أن أصول كافة سكان – قبائل وبدو – آسيا الوسطى تنتمي إلى شمال الصين حيث معقل قبائل التتار، وأن كل من ادعى أنه من أصول تركية عبر تاريخ الإسلام هو في الأساس من أصول تتارية بمن فيهم العثمانيين والسلاجقة والخوارزميين والسلالات التركمانية، علمًا بأن الساسة السلاجقة والخوارزميين طيلة فترة عملهم وحكمهم لدول الإسلام لم يتلفظوا بلغات الترك بل الفرس، ولكنه المال السياسي العثماني في أزمنة الحروب الثقافية ومحاولة إيجاد نسب، وأصل وفصل فحسب.

وحتى حينما غزا محمد الثاني القسطنطينية، أطلق على نفسه في بادئ الامر قيصر الروم، ولم يكن اللقب نكاية في الروم بل محاولة للحصول على أصل أعرق من الأصول التركية والتركمانية التي حاول أجداده الانتساب إليها.

ولاحقًا حينما بدأ المشروع التوسعي الإمبريالي العثماني بزعم نشر دين الإسلام، كان الهم الأكبر لـ الاسرة العثمانية نشر “الهوية العثمانية”، لا دين الإسلام أو حتى ثقافة تركية، فالانتساب للأتراك كان مجرد يافطة تاريخية في حرب ثقافية بدائية وقتذاك.

وفى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حينما راحت الدولة العثمانية تنهار وتخسر الولايات الأوروبية والعربية الواحدة تلو الأخرى، وبدا واضحًا أن الدولة العثمانية سوف تتقلص الى حدود دولة سلاجقة الروم أو ما يعرف بالجمهورية التركية اليوم، تفجر تساؤل في ذلك الحيز الجغرافي بين الساسة والمثقفين وكذا أمراء آل عثمان، هذا التساؤل هو: من نحن؟

هل أناضوليون؟ عثمانيون؟ أم اتراك؟

سؤال الهوية الذي يطل برأسه في سنوات الهزيمة، عادة ما يتبعه تطرف قومي شيفوني، حيث أدركت النخبة السياسية في الدولة العثمانية أواخر القرن التاسع عشر أن الإمبراطورية إلى زوال، والباقي لسلطة إسطنبول هو الأناضول وملحقاته فحسب، وأن رداء الخلافة الإسلامية على وشك التمزق ويجب البحث عن هوية بديلة تجمع شتات القبائل والأقليات المتناثرة التي عملت تحت راية الدولة العثمانية.

وعلى ضوء الادعاء التاريخي بانتماء آل عثمان إلى قبائل الترك، بدأت الدعوة لصناعة “القومية التركية”، رغم حقيقة ان سكان الأناضول هم هجين ما بين قبائل التتار المسلمين وشعب الخزر ذي الأصل التتاري لا التركي أيضًا، إضافة إلى العرق الفنلندي، وهذا الهجين من التتار المسلمين والتتار اليهود هو من هاجر من آسيا الوسطي إلى الأناضول مع السلاجقة ثم العثمانيين، وفى سياق متصل أيضًا رأي العثمانيون أن الهوية التركية سوف تلعب دورًا مهمًا في الحرب الثقافية مع “الهوية الجرمانية” لألمانيا و”الهوية الرومانية” لغرب أوروبا، إضافة إلى “الوحدة السلافية” التي تنادي بها وقتذاك روسيا القيصرية وشعوب البلقان، أو المطالبة بحماية عثمانية لشعوب من أصول تركية – كما تدعي إسطنبول – واقعة داخل روسيا القيصرية.

التطرف للعرق التركي كان حاضرًا بين العثمانيين منذ البداية في محاولة للتميز عن العرب والمصريين والأوروبيين، لذا كان تأسيس القومية التركية وبدء سياسة “التتريك” بدلًا عن “الإسلامية العثمانية” هي الحل على ضوء شكل الدولة الجديد المرتقب بعد خسائر الولايات العربية والأوروبية، وتأسس اتحاد “تركيا الفتاة” الذي طالب بإصلاحات دستورية أدت الى سلسلة تفاعلات سياسة شاركت مع عوامل أخرى – أبرزها الهزيمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى – إلى اندثار الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية، البديل الواقعي عن الدولة العثمانية بعد الانهيار الذى جرى في القرن التاسع عشر.

تأسيس الحركة القومية التركية

بدأ المثقفون والساسة في الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في صياغة مشروع القومية التركية، اعتمادًا على أفكار ماتياس ألكسندر كاسترين (2 ديسمبر 1813 – 7 مايو 1852)، وهو عالم في مجال الأعراق واللغات يحمل الجنسية الفنلندية والسويدية ورأى ان سكان وشعوب وقبائل منطقة طوران ما بين الهضبة الإيرانية وبحر قزوين هم بالكامل من أصول تركية وأن “القومية الطورانية” أو التركية هي أصل كافة شعوب تلك المنطقة، سواء البلقان أو القوقاز أو آسيا الوسطي وأوروبا الشرقية وشمال أوروبا وبعض مناطق روسيا القيصرية.

وقع نتائج الانتخابات التركية على الداخل والخارج | مركز الفرات للدراسات

وقد استكمل تلك الأبحاث غير الدقيقة المفكر اليوناني الأصل، العثماني الجنسية، المولود لأسرة يهودية الديانة، المفكر “منز كوهين” (1883 – 1961) أو كما كان يُكتب في الصحف والدوريات العثمانية “مؤنس تكين آلب”، الذي حول أفكار سلفه الفنلندي إلى كتب ومؤلفات متطرفة عن القومية الطورانية التركية التي يجب أن ينحاز لها سكان الأناضول بعيدًا عن الخلافة الإسلامية وأن سكان الأناضول أتراك وليسوا عثمانيين، ويجب أن تكون لهم قوميتهم وثقافتهم المنفصلة.

وقد عمل منز كوهين في هذا المضمار في سن مبكرة للغاية على ضوء أنه تربى في مدارس “الاتحاد الإسرائيلي العالمي”، وهي منظمة دولية كانت تستخدم الحركة الصهيونية واليهودية السياسية لصالح الأجندة الغربية عمومًا، والفرنسية على وجه التحديد. وسيطر فكر القومية التركية أو الحركة الطورانية على الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة، وبدأت سياسة التتريك للولايات العربية والأوروبية الباقية في قبضة إسطنبول.

نصوص التطرف التركي

ينص فكر القومية الطورانية أو القومية التركية أن الاتراك هم أصل كافة الحضارات والشعوب، وأن الأتراك الأوائل قاطنوا الأناضول هم من هاجروا إلى مصر والعراق والشام وأسسوا كافة حضارات العالم، بما في ذلك الحضارة المصرية القديمة خاصة الأهرامات وتمثال أبي الهول!

وأن أغلب أنبياء ورسل الله عز وجل كانوا أتراكًا، وأن الأتراك هم أصل البشرية وسادة شعوب أوروبا وقبائل آسيا، وهم الفئة الناجية من طوفان نوح، وأن كافة لغات العالم تنبع من لغة تركية قديمة، وكافة علوم العالم خرجت من عقول تركية!

ويرى أتباع الفكر الطوراني أن الشعوب التركية اليوم بشكل مباشر هم سكان الجمهورية التركية والقوقاز وآسيا الوسطي والبلقان دفعة واحدة! بل وتم نسب الأب إلى الابن، أي جرى نسب التتار والمغول والتركمان والخزر إلى الترك، بينما في واقع الامر قبائل التتار هم الأب الشرعي لقبائل الترك والمغول والتركمان والخزر!

وانطلاقًا من كل ما سبق يرى هؤلاء أن “الجنس التركي” يحتل مكانة أعلى من باقي الأجناس البشرية، وله فضل على البشرية والإنسانية منذ فجر التاريخ، وأنه لا يجب على الشعوب العراقية والمصرية والسورية أن تتفاخر بمنجزات الحضارات التركية في مصر والعراق والشام، إضافة إلى أن كافة الجيوش المسلمة التي غزت آسيا وأفريقيا وأوروبا كانت غزوات وفتوحات تركية خالصة، وان الجيوش الإسلامية كانت جيوشًا تركية خالصة منذ فجر تاريخ الإسلام!

نقد الفكر القومي التركي الطوراني

يطلق علماء اللغات والآثار في العالم – بعيدًا عن المال السياسي التركي – على كل ما سبق من أفكار مزيفة مصطلح “علم الزيف التركي” أو “العلم المزيف التركي”، سواء فكرة القوميات التركية المتعددة من غرب الصين وصولًا إلى أوروبا الشرقية أو هزلية أن تكون كافة الشعوب والقبائل والطوائف واللغات في هذه المساحة الجغرافية الشاسعة هي من عرق تركي موحد، أو الأصول التركية للشعوب والحضارات المصرية والعراقية والشامية، او التطرف والفاشية التركية العثمانية بالأصول التركية لكل شيء في العالم والعلوم والتاريخ والأديان!

وعلميًا لا يوجد أي تعريف محدد لمصطلح الطورانية أو الحركة الطورانية، أو حتى تحديد ثابت لمنطقة طوران جغرافيًا، وباستثناء تركيا وأذربيجان أو بعض الأقليات التتارية التي تحاول أن تنتسب إلى الدولة العثمانية في الصين وروسيا، لا يوجد أي كاتب محترم أو حر خارج هذا الإطار التاريخي يكتب عن القومية الطورانية أو الحركة القومية التركية إلا بالنقد وكشف زيف هذه الأفكار التي بدأت لتنظيم القومية الفنلندية ثم سرقها المتطرفون العثمانيون والأتراك، ثم تاليًا على يد عالم لغوي ألماني لتقسيم بعض اللغات التي رآها غير سامية! كل ذلك باعتباره فرضيات أو نظريات دون دليل علمي أو أثرى، إضافة إلى أن علم الجينات قد رد على كل ما سبق واتضح أنه لا توجد أصول تركية للعالم، أو حتى ما يعرف اليوم بالشعوب والقوميات التركية المتعددة، وأنه لا يوجد لسان تركي واحد، بل أن اللغة التركية الحالية مختلفة عن اللغة التركية العثمانية!

وخلص علماء اللغة والجينات إلى أن القومية التركية ما هي إلا مجموعة من الأكاذيب صنعها نظام عثماني متداعٍ، ثم نظام تركي وليد من أجل علاج إخفاقات الماضي بصناعة ماضٍ مشرف على أنقاض حضارات سابقة، وأشاروا إلى هزلية وجود دولة تركية افتراضية منذ 35 ألف سنة بلا أثر واحد حتى اليوم، وأن سكان تلك الدولة هاجروا منها إلى شتى بقاع العالم من الصين شرقًا إلى القارة الأمريكية غربًا، وصنعوا كل الحضارات والشعوب.

ولقد حاول البعض القول إن القومية التركية أو الطورانية تتعارض مع الأفكار العثمانية بينما في واقع الامر أن القومية التركية أو الطورانية هي مجرد تتريك لفكرة الدولة العثمانية، وأن القومية التركية والدولة العثمانية وجهان لعملة طورانية واحدة متطرفة فاشية.

الفاشية التركية مرجعية للنازية الالمانية

ولقد كان أشهر من آمن بالقومية الطورانية وروج لها ودفع المليارات من أموال الجمهورية التركية الوليدة لنشرها هو مصطفي كمال اتاتورك، وللمفارقة فإن تلك الفاشية التركية بمرجعية عثمانية كانت مصادر إلهام للزعيم الألماني النازي أدولف هتلر من أجل ترجمة الأفكار القومية النازية الألمانية في إطار حزبه اليساري العمالي.

الكاتب ستيفان ايهريج في كتابه “أتاتورك في الخيال النازي” يكشف أن هتلر تأثر في شبابه بـ مصطفى كمال اتاتورك، وأن انقلاب هتلر الفاشل في العشرينات أتى نابعًا من انقلاب عام 1908 في تركيا والذي كان لأتاتورك دور مهم فيه، وقد حملت الدعاية النازية طيلة العشرينات والثلاثينات تبجيلًا لأتاتورك باعتباره بطلًا أيقظ القومية التركية بعد الهزيمة.

هتلر كان معجبًا بقدرة أتاتورك في القيام بمراجعات قومية وعرقية أدت الى نهوض تركيا عقب هزيمة الإمبراطورية العثمانية واستعادة/احتلال الأقاليم السورية الشمالية ومضيق الدردنيل الذي تنازل عنها الإمبراطور العثماني عقب الحرب، في زمن كان هتلر يبحث عن مراجعة قومية وعرقية تبعث ألمانيا عقب هزيمة الإمبراطورية الألمانية في الحرب ذاتها وخسارتها لمساحات شاسعة من أراض دول الجوار.

ويشير ايهريج أن مصطلح “أتاتورك” أو “أب الاتراك” يلخص فكرة الطاعة التي طبقها هتلر لاحقًا في مصطلح “الفوهرر”، كما أعجب هتلر بتأديب تركيا للأقليات التي خانت الإمبراطورية، متسائلًا في الثلاثينات “من يتذكر اليوم مذابح الأرمن؟”، علمًا بان هتلر نظر إلى اليهود باعتبارهم أقلية خانت الإمبراطورية الألمانية.

هذا الاعجاب كان سبب تعزيز هتلر للعلاقات الاقتصادية مع تركيا أتاتورك عقب توليه السلطة، وتواصل مع خلفه عصمت اينونو الذي تظاهر بالحياد في الحرب العالمية الثانية خوفًا من الاتحاد السوفيتي إلا أن ايهريج يكشف أن اينونو تعهد لبرلين بالانضمام الى المحور الألماني الإيطالي إذا ما حصد الألمان القوقاز من قبضة ستالين، وذلك على هامش توقيع تركيا لمعاهدة الصداقة مع ألمانيا عام 1941.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى