مقالات رأي

عسكرة فضاء الشرق الأوسط.. سباق الأقمار الصناعية لأغراض الاستطلاع والاستخبارات

وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي (UNOOSA)، فإنه منذ بداية عصر الفضاء وإطلاق الاتحاد السوفيتي للقمر الصناعي “سبوتنيك 1” حول الأرض، وحتى الآن، تم إطلاق ما مجموعه 8378 قطعة في الفضاء، غير أن حوالي نصفها انتهى أجله وتحطم. ووفقاً لمؤشر الأجسام المطلقة في الفضاء الخارجي، الذي يحتفظ به مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي، هناك 4635 قمرًا صناعيًا يدور يوميًا في مدار حول الأرض؛ بزيادة سنوية تُقدّر بـ 8%. 

تشير الأرقام السابقة إلى ازدحام الفضاء بحركة الأقمار الصناعية ضمن منوال تصاعدي يواكب حركة التطور للأدوات والوسائل التقنية والمعرفية للأمم. وبالرغم من كون الغالبية العظمي من تعداد الأقمار الصناعية بالفضاء؛ مخصصة لأغراض علمية ومدنية، فإنه طبقًا لآخر الإحصائيات يوجد قرابة 320 قمرًا مخصصًا للأغراض العسكرية والاستخباراتية، تمتلك الولايات المتحدة وحدها نصفهم، تليها روسيا والصين والهند. وتُعد الأقمار الصناعية العسكرية من أهم أدوات أجهزة الاستخبارات لجمع المعلومات ومعالجة التهديدات والمخاطر المحتملة بصورة استباقية بالأساس. 

وعلى الرغم من ظهور العديد من المبادرات الرامية إلى وقف خطط سباق التسلح الدولي من الوصول لمسرح “الفضاء”، إلا أن أيًا منها لم يُكلل بنجاح. فالولايات المتحدة أعادت النظر في فبراير من العام الماضي لـ “مبادرة الدفاع الاستراتيجي” التي تبلورت إبان حقبة الرئيس “رونالد ريجان” في ثمانينات القرن المنصرم، وصارت تُعرف لاحقًا باسم “حرب النجوم”. إذ وقع “ترامب”، في فبراير من العام الماضي ما يسمى بـ”الأمر الرابع” لسياسة الفضاء، والذي يضع الأساس لمبادرة تشريعية يمكن أن تؤدي إلى إنشاء قوة فضاء كفرع جديد للقوات المسلحة مماثلة لقوات المارينز.

وتُوجِه المذكرة “البنتاغون” بـ”حشد موارده الفضائية للردع والتصدي للتهديدات في الفضاء”، من خلال إنشاء القوة التي ستكون جزءًا من القوات الجوية. وتمحور الحديث عن المذكرة في أغسطس من ذات العام حول تأسيس واشنطن القيادة الفضائية الأمريكية، لتكون الذراع العملية للجيش الأميركي في الفضاء. جاء ذلك بالتزامن مع امتلاك الهند لأسلحة قادرة على إسقاط الأقمار الصناعية، لتصبح رابع دولة تمتلك هذه القدرة بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين.

ما كان يدور في الفضاء من “عسكرة” بين القوي الدولية التقليدية والصاعدة لم يغب عنه الشرق الأوسط بمجمل صراعاته المتداخلة. حيث يضم الإقليم قوى إقليمية قطعت أشواطًا كبرى في الدخول لمعترك الفضاء لتطويعه ضمن أغراض عسكرية واستخباراتية، فالاشتباكات على الأرض وقبالة المضائق البحرية، ومناطق الثروات الطبيعية دفعت بتعظيم جهود الفواعل الإقليمية للوصول للفضاء، وخاصةً بعدما نجحت بعض القوي ضمنيًا في امتلاك القدرات السيبرانية؛ لتحقيق اختراقات داخل المرافق العامة والخدمية الحكومية للخصوم والمنافسين.

سباق محموم .. تركيا – إيران –إسرائيل

  • إيران.. الإطلاق الأول لقمر صناعي عسكري

في إبريل ٢٠٢٠ نجحت طهران في إطلاق أول أقمارها الصناعية المخصصة للأغراض العسكرية “نور -1” باستخدام صاروخ من طراز “قاصد” ذي مرحلتين، واستطاع دخول المجال الفضائي ليستقر في المدار على مسافة 425 كم من سطح الأرض. 

عملية إطلاق “نور-1” جاءت بعد عامين كاملين من المحاولات الفاشلة، لكن إيران نجحت منذ العام 2009 في تنفيذ عمليات إطلاق ناجحة لأقمار صناعية محلية الصنع ذات قدرات محدودة في مهام المراقبة والتصوير. كما أرسلت إلى الفضاء 3 أقمار صناعية بين عامي 2009 و2012. لكن إطلاق “نور-1” أثار ردة فِعل دولية باعثة على القلق حيال برنامج طهران للصواريخ الباليستية وقدراتها على حمل رؤوس نووية. 

  • تركيا .. “غوتورك -1,2”:-

تتحرك تركيا في خططها الرامية للحضور في الفضاء من خلال مشروعها القومي “أسطول الأقمار الصناعية التركي”، إذ تعكف مؤسسة البحوث العلمية والتكنولوجية “توبيتاك” والشركة التركية المساهمة للصناعات الجوية والفضائية “توساش” على إبرام الشراكات التقنية مع كل من إيطاليا وفرنسا والصين واليابان، والعمل على إطلاق أقمار صناعية محلية. حيث أطلقت تركيا أول أقمارها الصناعية العسكرية “غوتورك -2” في العام 2012، وجرى إطلاقه من الصين. وبنسبة تصنيع محلي وصلت لـ 20%، أطلقت تركيا قمرها الصناعي العسكري الثاني “غوتورك-1” في ديسمبر من العام 2016، وتمتلك الأقمار قدرات كبيرة في التصوير والرصد، إذ يرسل “غوتورك-1” نحو 60 ألف صورة في السنة.

جهود الحضور في الفضاء، تبعها إطلاق تركيا لمشروع قانون وكالة الفضاء التركية والاستشعار عن بُعد، في إبريل من العام 2017. إذ تهدف تركيا من خلال وكالتها للفضاء لإدارة ما يُسمى بـ “أسطول الأقمار الصناعية”، التي بلغ عددها حتى اللحظة نحو 6 أقمار، منها 2 فقط مخصصين لأغراض الاستطلاع والاستخبارات. كما تجدر الإشارة إلى انتهاء العمر الافتراضي لأربعة أقمار صناعية أطلقتها تركيا إلى الفضاء في أوقات سابقة، ثلاثة أقمار للاتصالات وهي “توركسات بي -1 ، وتوركسات سي1، وتوركسات إيه 2″، والقمر الرابع للمراقبة يحمل اسم “بيلسات”. أي أن الحضور العسكري التركي في الفضاء يعتمد بالأساس على قمري “غوتورك 1- غوتورك2”.

  • إسرائيل.. سلسلة “أفق” مستمرة

في تمام الساعة الـ4 من صباح يوم الاثنين الموافق 6 يوليو ٢٠٢٠؛ أعلنت إسرائيل إطلاق قمر صناعي جديد إلى الفضاء، يختص بمهام الاستطلاع والتجسس. حيث قالت وزارة الدفاع الإسرائيلية، عبر حسابها في تويتر، إن إدارة الفضاء في قسم الأبحاث والتطوير التابعة للوزارة، وهيئة صناعات الفضاء، نجحتا في إطلاق القمر الصناعي الاستطلاعي “Ofek 16 – أفق 16” إلى الفضاء، في تمام الساعة الـ4 صباحًا بالتوقيت المحلي.

ينتمي القمر”أفق 16″ إلى سلسلة أقمار صناعية تحمل نفس الاسم، أطلقت إسرائيل أول نسخة منها (أفق 1) في 19 سبتمبر 1988.وكانت آخر نسخة إطلاق من فئة القمر أفق، في العام 2016، وأطلقت إسرائيل اسم “أفق -11” عليه. بيد أن أقمار الفئة “أفق” تتولى مهام مراقبة نطاقات جغرافية بعينها، مثل سوريا وإيران. سيتم استلام الصور الأولي من القمر الجديد في غضون أسبوع تقريبا، وذلك بعد خضوع القمر لسلسلة من الاختبارات قبل اعتماد تشغيله. يُصنف القمر ضمن فئة الأقمار الاستطلاعية البصرية الكهربائية، ذات التقنية المتقدمة في أعمال الرصد والتصوير في مختلف الظروف الجوية.

وزارة الدفاع الإسرائيلية كشفت النقاب عن أنها سوف تسلم المسؤولية عن القمر الصناعي، لوحدة المخابرات “9900” التابعة للجيش الإسرائيلي، بعد التأكد من أنه “يعمل بكامل طاقته”. ووحدة المخابرات “9900” هي الوحدة المسؤولة عن إدارة جميع الأقمار الصناعية المخصصة للتجسس وجمع المعلومات الاستخبارية المصورة، من خلال الصور الجوية والفضائية. وسيعمل القمر إداريًا ضمن جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

بحسب وسائل إعلامية وصحفية إسرائيلية منها الإذاعة الإسرائيلية العامة، فإن القمر الجديد سيُستخدم لمراقبة أنشطة إيران النووية.. وخلال الأيام القليلة الماضية، وقعت ثلاثة تفجيرات وحرائق “مجهولة السبب” في مجمع نووي ومحطة توليد طاقة كهربائية، ومركز بتروكيماويات، في إيران.

وبحسب موقع وكالة الفضاء الإسرائيلية، تمتلك إسرائيل 4 أقمار اتصالات تحمل اسم “عاموس”، و10 أقمار تجسس تحمل اسم “أوفق”، وقمرا تصوير يحملان اسم “روس”، وقمر صناعي بحثي يحمل اسم “تكسات 2”.

الحضور المصري .. مواكبة التطورات الميدانية والتخطيط الاستراتيجي

أنشأت القاهرة “وكالة الفضاء المصرية”، بمشروع قانون 3 للعام 2018، وتهدف إلى استحداث ونقل علوم تكنولوجيا الفضاء وتوطينها وتطويرها وامتلاك القدرات الذاتية لبناء الأقمار الصناعية وإطلاقها من الأراضي المصرية. لكن المحاولات المصرية للحضور في الفضاء قد بدأت قبل وقت تأسيس الوكالة المصرية بكثير؛ إذ بدأ البرنامج المصري عام 1960 وتوقف عام 1967، وفي 28 أبريل 1998 تم إطلاق أول قمر صناعي مصري “نايل سات101” لتصبح مصر الدولة رقم 60 في مجال الفضاء.

في عام 2000 اعتُمدت أول ميزانية مستقلة لبرنامج الفضاء المصري وبدأ العمل في تنفيذ البرنامج، وفي الفترة الممتدة من عام 2000 حتى 2010 أُطلقت 3 أقمار صناعية لأغراض الاتصالات والاستشعار عن بُعد. إلا أن الآمال المصرية للحضور في الفضاء ضمن المجالات المدنية – العسكرية الخاصة بالاتصالات والمراقبة والاستخبار والاستطلاع قد انتقلت لمرحلة أكثر نشاطًا في العام 2019، إذ يمكن وصفه بعام الفضاء المصري، ففي 21 فبراير 2019 أطلقت مصر القمر الصناعي “إيجيبت سات A”؛ لخدمة أغراض التنمية، من قاعدة الإطلاق الفضائي الروسية “بايكونور”، بكازاخستان، وعوضًا عن القمر الصناعي “إيجيبت سات- 2” الذي فٌقد الاتصال به في فبراير عام 2015. 

ويسمح القمر الجديد برسم حدود ومعالم التخطيط العمراني وسياسة رسم معالم جديدة في مصر، إضافة إلى دراسة تطور مصادر المياه ورصد ما يحدث على الأرض من ظواهر طبيعية وصناعية. 

وفي سبتمبر من ذات العام وقعت مصر والصين بالقاهرة وثائق بدء تنفيذ مشروع القمر الصناعي “مصر سات 2″، الممول صينيًا، وذلك غداة حفل الإطلاق الرسمي للمشروع في يينتشوان الصينية. وتم توقيع اتفاقية مشروع “مصر سات 2″، وهو قمر صناعي صغير وعالي الدقة، بين الصين ومصر بالقاهرة في يناير من العام الماضي، فيما يعد مشروع تعاون رئيسي آخر بين الجانبين في مجال الفضاء بعد مركز تجميع واختبار الأقمار الصناعية في المدينة الفضائية المصرية. حتى وصلت مصر لأكبر أهدافها بإطلاق القمر الصناعي “طيبة -1” المخصص للاتصالات في 26 من نوفمبر من العام الماضي، من قاعدة غويانا الفرنسية في أمريكا الجنوبية. 

ويعد “طيبة – 1” أول قمر صناعي مصري للاتصالات في الموقع المداري 35.5 درجة شرقاً في الحيز الترددي (Ka) بهدف تعزيز البنية التحتية لخدمات الاتصالات، لدعم القطاعين الحكومي والتجاري داخل جمهورية مصر العربية، وعدد من الدول العربية ودول حوض النيل.

وسيستخدم القمر الاصطناعي في المجال العسكري لدعم شبكة القيادة والسيطرة والمواصلات الإشارية الاستراتيجية عالية التشفير والآمنة بين مختلف وحدات القوات المسلحة داخل الدولة وخارجها على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 “طيبة 1” ينسب إلى الأقمار الكبيرة، حيث يصل وزنه إلى 5.6 طن، ويمثل نقلة نوعية للدولة المصرية في مجالات تبادل المعلومات والاتصالات الدولية، علاوة على أن القمر يوفّر على الحكومة المصرية تكلفة كل خدمات البث الفضائي التي تتم عبر شبكات المحمول في مصر، والتي كانت تستأجرها من خلال التعاقد مع دول أجنبية، حيث تستطيع القاهرة من خلال هذا القمر تأكيد استقلالها في التحكم في شبكة الاتصالات.

كما أن عملية التحديث الشامل للقوات المسلحة والتطور الكيفي في قدرات سلاحي الجو والبحرية والدفاع الجوي، أفضي لضرورة الربط بين مختلف الأفرع والتشكيلات القتالية في ساحة المعركة وتأمين الاتصالات بين مراكز القيادة للقيام بمهام “الحرب المشتركة” والحرب الحديثة” التي تتطلب تنسيقًا محكمًا بين مختلف التشكيلات للتناوب على الأهداف العدائية بصيغة تكاملية. كما أن الاتجاه المصري لتعمير الظهير الصحراوي الشرقي والغربي، دفع هو الآخر بضرورة الاعتماد على الأقمار الصناعية في أعمال التخطيط العمراني والبحث العلمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى