تركيا

تقرير سوري: كيف عملت تركيا على تهديد الأمن المائي ل”دمشق وبغداد”

عرض – نرمين سعيد

 دخل الجيش العثماني محتلًا إلى الأراضي السورية بعد هزيمة المغول على أيدي الأتراك في معركة مرج دابق التي كانت إيذانًا بقرون من الحكم العثماني الجائر للمنطقة العربية بدءًا من عام 1517م، وهي المعركة التي قيل أن تغير الموازين فيها كان ليغير وجه التاريخ، حيث لم يغادر الأتراك المنطقة العربية قبل عام 1918.

أما المرحلة التالية للاحتلال العثماني فكانت أكثر سوءًا فقد دخل الحلفاء إلى المنطقة بموجب صكوك الانتداب التي أقرتها عصبة الأمم بعد أن خارت قوى رجل أوروبا المريض، فوضع العراق تحت الوصاية الإنجليزية فيما وضعت سوريا تحت الوصاية الفرنسية.

وفي هذا الإطار نشرت الهيئة الوطنية للتنسيق في سوريا تقريرًا تناول دراسة العلاقات السورية- التركية وأثرها على الأمن المائي في سوريا، وحسب التقرير فقد كان نهرا دجلة والفرات ” محليان” بمعنى أنهما يقعان ضمن حدود الدولة العثمانية وذلك حتى وقعت الدولتان تحت الانتداب ، مما يحول النهرين بطبيعة الحال وبناء على مبادئ القانون الدولي لأنهار دولية.

وما حدث بعد ذلك منح الكثير من الأراضي العربية للأتراك بموجب معاهدة سيفر والتي تم توقيعها عام 1920، منها مناطق حوض سيحان و جيحان، ومنحدرات المياه على سفوح جبال طوروس الجنوبية .

ثم جاء دور ممثلي الانتداب، فبموجب اتفاقية أنقرة التي تم توقيعها في عام 1921 تخلت فرنسا عن أراضي سورية لتركيا منها منطقة لواء الإسكندرونة التي تم تتريكها دون هوادة.

فيما رفضت بريطانيا التنازل عن مناطق في الشمال العراقي لتركيا ومنها منطقة الموصل التي تحتوي على آبار نفط حيث أصرت لندن على أن تعترف تركيا بتبعية هذه المناطق للعراق.  

وفي ذلك الوقت تحول المشهد السياسي في منطقة الشام إلى أن الأستانة أصبحت تسيطر على أعالي نهري دجلة والفرات والمنطقة الهضبية المحيطة بهما، وعلاوة على ذلك سيطرت على مجمل  منطقة سيحان وجيحان في كيليا، وكذلك على المجمع المائي الضخم في لواء الإسكندرون.

C:\Users\owner\Desktop\9 يناير\d8a7d984d8a3d985d986-d8a7d984d985d8a7d8a6d98a-d981d98a-d8b3d988d8b1d98ad8a9.jpg

 وحسب التقرير ، تتسم الفترة المعاصرة بتوتر في العلاقات العربية – التركية بسبب الإرث الاستعماري للفترة التي حكم فيها العثمانيون المنطقة العربية إضافة إلى أن الأطماع التركية في الموارد المائية في المنطقة بل في أراضي الدول العربية وخصوصًا تلك التي تضم ثروات، لا تزال مستمرة.

على جانب آخر كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل بل وتعين أول قنصل عام لها في عام 1949، وبالتبعية انحازت بشكل تام للمخططات الغربية وسعت للانضمام لحلف الناتو حتى انضمت بالفعل في عام 1951.

ثم تطرق التقرير للحديث عن الأوضاع القانونية لسوريا والعراق بعد استقلالهما عن الدولة العثمانية، فيشير إلى  أنه في الفترة التي تلت عام 1918،  نابت قوى الانتداب عن الدول العربية في عقد الاتفاقيات وقد اتسمت هذه الاتفاقيات في مجملها بالتفريط في الحقوق والثروات العربية ومنها ” معاهدة لوزان – اتفاقية الصداقة و حسن الجوار-اتفاق حلب ” وغيرها.

أما الفترة التي تلت استقلال سوريا والعراق عن القوى المندوبة، فقد وصفها التقرير بأنها كانت فترة شهدت العديد من التجاذبات بين الدول العربية وتركيا، حيث حرصت الأخيرة على عدم احترام الأخيرة للقانون الدولي واستخدمت المياه للنيل من سيادة الدول والتأثير على مستقبل شعوبها. و سعت إلى الربط بين السياسة و استخدام موارد المياه لتحصل على موقع إقليمي متميز  كورقة ضاغطة على دول المجرى و المصب وذلك من خلال عدة محطات أوضحها التقرير كالتالي:

  •   عام 1962 : عقدت أول جولة لتبادل المعلومات و البيانات و وجهات النظر بين سوريّة و العراق و تركيا و تعرف كل طرف على وجهة نظر الآخر، واستمرت عقد جولات فنية بين عواصم الدول الثلاث بالتناوب خلال الفترة اللاحقة ولم يتم التوصل إلى نتيجة فعلية .
  • عام 1975: بناءا على مباحثات اللجنة الفنية المشتركة ووساطة البنك الدولي، قسمت حصة البلدان الثلاثة بنسبة الثلث من متوسط وارد النهر السنوي .
  • عام 1980: تمكن الجانب العراقي من توقيع بروتوكول مع تركيا نص على ” ضرورة التوصل لاتفاق على اقتسام مياه نهر الفرات خلال مهلة لا تتجاوز شهر   فبراير 1982 م ” و تشكلت لجنة لهذا الغرض ( و دعيت سوريّة إليها ) و بدأت بعدها سلسلة من الاجتماعات خلال الأعوام اللاحقة ولم يتم التوصل إلى نتيجة فعلية إلى أن توقفت أعمال اللجنة في   أكتوبر 1992 م بسبب تعنت الجانب التركي .
  • في  1987: خلال زيارة ” تورجورت أوزال ” رئيس وزراء تركيا إلى دمشق، تم توقيع بروتوكول للتعاون الاقتصادي والفني، تنظم المادة السادسة منه الحصص بين سوريا وتركيا بشكل مؤقت حتى الانتهاء من ملئ سد أتاتورك عام 1993 م ثم تعود حصة تركيا إلى الثلث، والتي تحصل بموجبها سوريا على معدل تدفق لا يقل عن 500 متر مكعب بالثانية من مياه نهر الفرات” ما يعادل 50 % من واردات نهر الفرات سنويًا.”
  • عام 1989 : تم توقيع مذكرة تفاهم ثنائية بين سوريا والعراق تنص على إطلاق سوريا 58% من مياه نهر الفرات الواردة إليها من تركيا فيما تكون الحصة الباقية لسوريا وهي 42%، ( حصة سوريا من مياه نهر الفرات 6.627 مليار متر مكعب ، وحصة العراق 9.106 مليار متر مكعب وحصة تركيا 15.700 مليار متر مكعب في السنة  .
  • في عام 1994 : قامت سوريا بتسجيل الاتفاقية المؤقتة المعقودة مع تركيا عام 1987 لدى  الأمم المتحدة  لضمان الحد الأدنى من حق سوريا والعراق في مياه نهر الفرات ، و لكن الحصة التي تصل إلى سوريا و العراق اليوم أقل بكثير بسبب استغلال تركيا لواقع العراق و سوريّة المضطرب .

ثم يشير التقرير إلى المصادر التي يعتمد عليها القانون الدولي فيما يتعلق بقضايا المياه، والتي تشمل ” المعاهدات- العرف- المبادئ العامة وكذلك الأحكام القضائية “.

وقد رفضت تركيا التوقيع على واحدة من أهم الاتفاقات التي تنظم هذا المجال والخاصة باستخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية وقد ألغت  الاتفاقية مبدأ السيادة المطلقة على جزء من المياه الواقع ضمن أقاليم الدول المعنية وأوجدت نوعاً من التوازن بين مبدأ الانتفاع المنصف و المعقول و مبدأ عدم الإضرار بالغير.

    ويوضح التقرير أن الأزمة بين دمشق وأنقرة بلغت ذروتها في عام 1990 عندما أغلقت تركيا مجرى الفرات تمامًا وقد كانت إعادة فتح مجرى النهر معلقة على ثلاثة شروط أولها الإقرار السوري بالتنازل عن لواء الإسكندرون وتحجيم العناصر الكردية في سوريا وكذلك توقيع اتفاقية تتضمن جعل نهر العاصي نهر دولي.

وحسب التقرير فإن تركيا طالما استخدمت ورقة الضغط بالمياه على العرب لإقرار السلام مع إسرائيل وخاصة في الفترات التي شهدت تقاربًا بين أنقرة وتل أبيب. كما أنها تقود حركة تتضمن حث الدول المسيطرة على منابع الأنهار على بيع المياه لدول المصب وكذلك إنشاء بورصة عالمية لذلك، بل وحتى تبديل المياه بالنفط باعتبار أن النفط ثروة يمتلكها العرب والمياه ثروة تنبع من تركيا.

 ويشير التقارير إلى أن أبرز المشاريع التي طرحت في هذا هو مشروع ” أنابيب السلام ”  الذي يقضي بسحب مياه نهري سيحان و جيحان في منطقة الأناضول بواسطة أنبوب طاقته 39 مليون متر مكعب/يوم تستغل منه تركيا 23  مليون متر مكعب/يوم و ترسل الباقي   لتغذية حلب و حماة و حمص و دمشق و عمان في الأردن وتبوك و المدينة و المنورة و ينبع و جدة و مكة المكرمة .

وحسب التقرير فإن الوضع الراهن  يشهد تزايدًا في حدة الصراع،   حيث تسبب قلة توافر الطاقة الكهربائية في توقف عمل المضخات إضافة إلى دمار المنشآت المائية  و محطات المعالجة و تفجير أنابيب النقل و سيطرة المجموعات المتطرفة على مناطق استراتيجية على طول نهر الفرات .

  كما يؤدي انخفاض تدفق المياه من الجانب التركي إلى تشقق في جسم السد، مما يهدد بإغراق محافظة الرقة وجزء كبير من مدينة دير الزور ،وهو ما يتطلب ضرورة تعميق و تعزيز التضامن العربي في مواجهة السياسة التركية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى