مقالات رأي

د.نيڤين مسعد تكتب : “من قاسم سليماني إلى خلوصي أكار

من فوق السفينة الحربية التركية الراسية قبالة السواحل الليبية والتي تٌستخدَم كغرفة مركزية لإدارة العمليات العسكرية في ليبيا ، وقف وزير الدفاع التركي خلوصي أكار مخاطباً جنوده العاملين فوق السفينة وممرراً العديد من الرسائل إلي العالم أجمع . قال أكار ” في أي مكان لنا عليه سيادة نقوم بكل ما علينا من واجبات ، لنا مع المنطقة تاريخ مشترك يمتد لخمسمائة عام ، أجدادنا انسحبوا من المنطقة ، لكننا سنقوم بكل ما يجب علينا أن نقوم به من أجل العدالة وفِي إطار القانون الدولي وسنبقي إلي الأبد مع إخواننا الليبيين “. وكان قد سبق لأردوغان أن قال كلاماً مشابها عندما تحدث عن “الأرض التي صنع فيها أسلافه التاريخ” وعن “حدود تركيا العاطفية والقلبية ” التي تتجاوز حدودها الجغرافية الحالية ، لكن الجديد في كلام أكار أنه أشار إلي الدفاع عن “سيادة “تركيا في كل مكان تمتد إليه ، وعلي الرغم من أنه لم يتحدث تحديداً عن سيادة لتركيا في ليبيا لكن المياه الإقليمية الليبية التي تحدث أكار من فوقها والحشد العسكري التركي الذي أحاط به والتعهد الذي قطعه بالبقاء مع “الإخوة الليبيين” إلي الأبد ، كل هذه المسائل لا تترك مجالاً للتأويل . ولم يفت أكار كالمعتاد التأكيد علي أن ما تقوم به تركيا إنما يتم في إطار “القانون الدولي ” ، وذلك دون أن يجد أي تناقض بين هذا الانضباط القانوني وبين المطالبة بمنح القوات التركية في ليبيا الحصانة ضد أي ملاحقة قضائية !

ذكّرني مشهد الچنرال خلوصي أكار وهو يدير بنفسه العمليات الحربية في ليبيا بمشهد الچنرال قاسم سليماني القائد الأسبق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني عندما كان يدير بنفسه هو الآخر العمليات الحربية في سوريا وينتقل من القصير في محافظة حمص إلي ريفّي اللاذقية وحلب ثم يحتفل لاحقاً مع نَفَر من رجاله بالانتصار في معركة حلب . خطوط التشابه بين المشهدين السوري والليبي وبين سليماني وأكار كبيرة جداً ، فمع سليماني كانت ذريعة التدخل هي الدفاع عن أحد أركان محور “المقاومة” ومع أكار صارت ذريعة التدخل هي الدفاع عما يسمي “بالحكومة المعترف بها دولياً” ، في سوريا كان يوجد نَفَس طائفي من خلال التمسٌح بحماية المراقد المقدسة وفي ليبيا لاحظنا نعرة عرقية عبر التذكير بالأصول التركية لبعض قبائل مصراته ، مرتزقة هناك ومرتزقة هنا، صفقات وتربيطات وإعادة ترسيم خرائط وأحلام إمبراطورية وتمدد في مشرق الوطن العربي ومثلها تماماً في مغربه . الموقفان إذن متشابهان لكن ازدواجية المعايير الدولية في ذروتها ، فعندما يهدد الأتراك وميلشيات الوفاق مدينة سرت لا يصرخ أحد محذراً من أن سرت ستحترق بينما كان الصراخ خوفاً من احتراق حلب صراخاً مدوياً ، وبينما تٌتَهم إيران بدعم الإرهاب في سوريا فإن تركيا تنقل الإرهابيين من إدلب إلي طرابلس علي مرأي من العالم ومسمع ، ثم أن إيران توصف بالدولة المارقة لأنها تخرق القرارات الدولية بينما تعصف تركيا بقرارات حظر تصدير السلاح إلي ليبيا وتعرقل عملية إيريني الأوروبية ثم تشارك بفعالية في المناورات البحرية لحلف شمال الأطلسي ، وأخيراً يوضع اسم قاسم سليماني علي مختلف قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية والأممية وينتهي الأمر بتصفيته الجسدية في يناير الماضي بعملية استخباراتية تَفاخَر بها الأمريكان ، أما خلوصي أكار فينتقل بأريحية بين العواصم العالمية ويخرج من طرابلس إلي مالطا و يزور “مقبرة الشهداء الأتراك “ثم يعود أدراجه إلي أنقرة ليلتقي بوزير الدفاع الإيطالي.

هذه الازدواجية الدولية في التعامل مع الحالتين السورية والليبية تلفت النظر إلي أهمية التشبث بأن تأخذ بزمام المبادرة الدول العربية المجاورة لليبيا ، وبالذات مصر والجزائر ، فثمة محاولة مستمرة لسحب البساط من تحت أقدام هذه الدول تارة بواسطة روسيا وتارة أخري بواسطة الولايات المتحدة لينتهي الأمر إلي تقسيم مناطق النفوذ بين هاتين الدولتين بتفاهم منفصل لكلٍ منهما مع تركيا علي غرار ما حدث في سوريا .أقول هذا بمناسبة ما تكرر في الأيام القليلة الماضية عن اتفاق روسي-تركي محتمل علي الهدنة في ليبيا ، فإذا سلّمنا بأن تركيا تدافع فعلا باستماتة عن حكومة طرابلس فمن قال إن روسيا تدافع عن الجيش الوطني الليبي وهي التي تتلاعب بكلٍ من السراج وحفتر تماماً كما تلاعبت ببشار الأسد مع نتنياهو وأردوغان وروحاني ؟ إن تركيا في ليبيا وفِي غير ليبيا وهي تلهث وراء الطاقة إنما تصدر عن التزام أيديولوچي يجمعها مع قوي الإسلام السياسي ، أما روسيا فمنذ البريسترويكا لم تعد تلتزم أيديولوچياً بشئ ولا عادت تنطبق عليها مقولة إنها مخلصة لحلفائها ، وإلا فليدلني من يقول بذلك علي حليف واحد لروسيا في سوريا لم تخذله عدة مرات منذ عام ٢٠١٥ وحتي يومنا هذا . من جهة أخري ثمة مقولة خبيثة أخذت تتدحرج مثل كرة الثلج من الولايات المتحدة ثم إلي ألمانيا وإيطاليا في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن حول ليبيا ، وهذه المقولة تدعو إلي جعل مدينة سرت ( والجفرة أيضا ) مدينة منزوعة السلاح ، وهذا تنويع علي سيناريو مناطق التهدئة في سوريا لا يدري المرء سبب المناداة به ونحن نتكلم عن مسار سياسي وقرارات دولية ومخرجات مؤتمر برلين ومبادرة القاهرة ، وجميع هذه الجهود تتحدث عن وقف القتال في كل أنحاء ليبيا وإخراج جميع القوات الأجنبية من أراضيها وتوحيد المؤسسات والتفاوض علي مرحلة انتقالية تنتهي بسلطة منتخبة تفرض سيادتها علي ليبيا بالكامل ، فلماذا إذن البدء بتكوين مركز قانوني خاص بسرت والجفرة يتم توظيفه لاحقاً لحساب القوي الطامعة في ثروات الهلال النفطي ؟

لحسن الحظ إن ليبيا لها جوار عربي راغب في وقادر علي أن يتحرك بفعالية في الأزمة الليبية ، وثمة مبادرة مصرية متكاملة لحل هذه الأزمة أقرتها جامعة الدول العربية ، وهناك تقارب بين المواقف الرسمية لمصر والجزائر وتونس من قضية الشرعية المزعومة التي تنتحلها حكومة طرابلس وتبرم باسمها مذكرات تفاهم مع تركيا الساعية لتجديد عثمانيتها ، وهذا وضع لم يكن يتوفر في الأزمة السورية فالجوار العربي لسوريا تكتنف ظروفه تعقيدات كثيرة . ومالم ينتبه الجوار العربي لليبيا إلي المحاولات الإقليمية والدولية لتهميش دوره وينسّق مواقفه مع مصر بخصوص الأزمة الليبية ، فسنجد من يأتي إلي ليبيا من علي بعد آلاف الكيلومترات ليجدد استعمارها ويقيم قواعده علي أراضيها بينما الدول العربية التي تتلاصق حدودها الجغرافية مع ليبيا وترتبط بها ديموجرافياً وثقافياً تجلس علي مقاعد المتفرجين.

نقلا عن صحيفة “الأهرام”  في عدد اليوم السبت ١١ يوليو الجاري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى