تركيا

صداع الأقليات وانقسام الإسلاميين والخط الأحمر في ليبيا.. “مثلث أزمات أردوغان الجديدة”

رغم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد استطاع إسدال ستار حديدي على طريقة الديكتاتورية السوفيتية حيال ما يجري داخل تركيا، مسطرًا ما يمكن وصفه بـ”جمهورية الصمت العثماني”، فإن حدة الخلافات الأخيرة بين أردوغان ورفاقه المتمردين عن حزب العدالة والتنمية أصبحت العنوان الأبرز فيما يتعلق بالشأن التركي، لتشكل مع تعثر مشروع تركيا في ليبيا إضافة الى فتح ملف الأقليات في تركيا مثلث أزمات جديد يعمق الجراح القديمة لتجربة سياسية تتصدع أمام اعين صاحبها دون أن يمتلك القدرة على إيجاد حلٍ لمشاكل الداخل التركي حتى اليوم.

الأقليات التركية.. أنين خلف الستار الحديدي

تصدر الأكراد ملف الأقليات في تركيا في ضوء أنهم يشكلون 20 % من سكان الجمهورية التركية، ولكن هنالك أقليات أخرى تحركت أكثر من مرة سياسيًا. وإذا كانت معاهدة لوزان قد اعترفت بـ الكرد ويونان الاناضول ويهود الدولة العثمانية باعتبارهم أقليات قومية داخل الجمهورية التركية، فإن شوام/عرب تركيا هو الملف المسكوت عنه حتى اليوم، على ضوء حقيقة ان تركيا تسلمت من الاحتلال الفرنسي لسوريا وفقًا لاتفاقية أنقرة عام 1921 ما يعرف باسم “الأقاليم الشمالية السورية”، أو الجزيرة الفراتية العليا، أو قيليقية، والتي تشمل محافظات داخل تركيا هي مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة (أدنة) ومرعش وعنتاب وكلس والبيرة واورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر، تلك الأراضي السورية الخالصة التي كانت جزءًا تاريخيًا من سوريًا حتى مع قيام المملكة السورية عام 1920 قبل الغزو الفرنسي، وتضم ملايين المواطنين من أصول عربية سورية، لا تجد تلك الأقليات من يتحدث عنهم أو معهم، ولكن أصبح لهم صوت انتخابي قوي يقلق أردوغان.

وللمفارقة فإن “الأقاليم الشمالية السورية” مساحتها 180 ألف كيلو متر، بينما مساحة الجمهورية العربية السورية تبلغ 185 ألف كيلو متر، ما يعني عمليًا أن تركيا تحتل “سوريا ثانية” في جنوب الاناضول! عرب أو شوام تركيا لهم مركز وجود قوي أيضًا مع لواء الإسكندرون السوري المحتل منذ عام 1939، وللمفارقة فإن الحكومات السورية طالبت بتلك الأقاليم مرارًا وتكرارًا إلى أن صمتت دمشق عن مطالبة تركيا بتلك الأقاليم فور وصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970. 

ولعل البند الثاني في صداع الأقليات التركية يكمن في الأقلية العلوية، التي تضم 10 مليون مواطن تركي دفعة واحدة، وتعاني مناطقهم في جنوب تركيا من إهمال حكومي للأقاليم البعيدة. والبند الثالث هم المسيحيون العرب والآشوريين والسريان، رغم محاولة الحكومة التركية المستمرة أن تغلق ملف سوء تعامل الدولة العثمانية ثم الكيان التركي مع المسيحيين، ولكن ثقافة التطرف حيال المسيحيين في الشرق أو الغرب أصبحت جزءًا من التركيبة الحكومية التركية.

وفى المقابل تعامل السلطات التركية أقليات أخرى غير مؤثرة في التركيبة السكانية من اجل تسويقها إلى الرأي العام الدولي باعتبارها النموذج الحقيقي لأقليات تركيا، مثل أقليات البلغار والغجر والأبخاز والألبان والبوسنيين والشراكسة والجورجيين. ولعل سؤال الساعة فيما يتعلق بالملف التركي هو ماذا تنتظر دمشق من أجل تفعيل قضية الأقاليم الشمالية السورية ولواء الإسكندرون؟ ولماذا لا تتواصل جامعة الدول العربية مع شوام تركيا والمسيحيين العرب والسريان (السوريين) والآشوريين (العراقيين) وحتى العلويين ذوي الأصول السورية، مثلما تفعل بعض المنظمات التركية مع الأقليات التركمانية في دول الجوار التركي؟

انقسام الإسلاميين.. الغدر إرث الإسلاميين الأتراك

رغم أن تاريخ الإسلام السياسي وإرهاب الجماعات الإسلامية مليء بالغدر والخيانة وبيع الحليف للعدو مقابل المال أو تحقيق مكاسب ذاتية، إلا أن الانقسام بين الإسلاميين الأتراك عقب الانتخابات البلدية عام 2019 هو الأشرس منذ ذلك الانقسام الذي جري بين تلامذة نجم الدين أربكان عقب استقالة الأخير عام 1997 عقب عام واحد فحسب من تحقيقه حلم الإسلاميين بالوصول الى كرسي رئاسة الوزراء.

سقوط وزارة اربكان – والتي جرت للمفارقة يوم “30 يونيو” 1997 – فجر خلافًا بين تلامذته وأركان الإسلام السياسي في تركيا، وأربك مخططات دولية راهنت على الإسلاميين الأتراك، وهنا أتى فصل الغدر في تاريخ أربكان؛ إذ تقدم جوقة من تلامذته وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان وعبد الله جول وأحمد داود اوغلو بمشروع متكامل للتنظيم الدولي للإخوان من أجل اعتماد تنظيم “العثمانيين الجدد” بديلًا عن مشروع نجم الدين أربكان، وأنهم البديل الأكثر فاعلية وشعبية وشعبوية.

وبالفعل نجح أردوغان ورفاقه في الغدر بأستاذهم أربكان، وبعد ربع قرن من غدر أردوغان بأربكان، يأتي اليوم جول وداود أوغلو وحتى على باباجان من أجل لعب اللعبة ذاتها مع أردوغان، إذ يروج كل منهم لنفسه باعتباره البديل الإسلامي الآمن لـ”تركيا ما بعد أردوغان” وأن الأخير اصبح كارتًا محروقًا، ونفّذ أقصى ما يمكن أن ينفذه ولا جديد عنده.

يدرك أردوغان جيدًا معني أن يبدأ رفقاؤه في تقديم أوراق اعتمادهم الى المجتمع الدولي بديلًا عنه، إذ فعلها من قبل في استاذه الذي كان يجلس تحت قدميه بشكل حرفي في بعض مجالسه، يدرك رجب طيب أردوغان أن ساعة الغدر به قد حانت، وأن رجالات مشروع “العثمانيين الجدد” اعتبروا أردوغان اليوم عبئًا على مشروعهم واستكماله، وان المشروع بحاجة الى نسخة ثانية بعد ان وصلت نسخة أردوغان إلى حائط سد فيما يتعلق بالعلاقات العربية التركية.

الإخفاق في ليبيا وانعكاساته على الداخل التركي

رغم ان “المغامرات الإقليمية” للنظام التركي تنبع من مشروع “العثمانيين الجدد” الساعي لبناء إمبراطورية إقليمية على أنقاض أساطير عثمانية مردود عليها تاريخيًا، ورغم أن هذا المشروع بدوره ما هو إلا قناع لقوى إقليمية ودولية وشبكات الإسلام السياسي، إلا أن أردوغان في السنوات الأخيرة وعقب الانتخابات البرلمانية الأولى عام 2015 قد طوع مغامراته الخارجية من أجل إسكات الداخل الذي بدأ في الثورة على حكمه، على ضوء تآكل شعبية حزبه ورجالاته وعائلته الحاكمة واتهامات الفساد المالي والتوريث السياسي.

وبدأ أردوغان يلعب استراتيجية “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” وأن تركيا في حالة حرب مع عدو خفي، تارة في العراق وتارة في سوريا وحاليًا في ليبيا، وحاول أردوغان توظيف الفتات الذي ظفر به في تلك الملفات باعتباره انتصارات تاريخية “عثمانية” الطابع، على أمل ان يخرس الداخل التركي.

تعيش تركيا حالة من الانفجار الداخلي منذ انتخابات يونيو 2015 البرلمانية حينما فشل حزب العدالة والتنمية في حسم الانتخابات، ما جعل تركيا تذهب الى انتخابات مبكرة في نوفمبر 2015 انتجت برلمانًا غير مستقر، ما أدى إلى انتخابات برلمانية مبكرة ثانية في يونيو 2018 واكبتها أيضًا انتخابات رئاسية مبكرة، ومع ذلك فإن الأصوات تتصاعد في تركيا اليوم من أجل الذهاب إلى انتخابات برلمانية ثالثة مبكرة في أقل من خمس سنوات، والذهاب أيضًا إلى انتخابات رئاسية مبكرة هي الثانية في أقل من ثلاث سنوات.

ولعب الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس عبد الفتاح السيسي في ليبيا دورًا مهمًا للانتكاسة التركية في ليبيا، حيث حاول الرئيس التركي توظيف الهدنة الليبية باعتبارها انتصارًا تركيًا في الصراع الإقليمي مع مصر، ولكن أتى خطاب الرئيس السيسي حول محور سرت الجفرة ليشهد العالم صمت مؤسسة الرئاسة التركية طيلة عشرة أيام عن الملف الليبي، ثم القصف الجوي المجهول على الوجود العسكري التركي في قاعدة الوطية الليبية.

وبدأ الرأي العام التركي يدرك هزال وهزلية التدخل التركي العسكري في ليبيا، وأن علاقات أنقرة مع تونس والجزائر وحتى حكومة السراج غير كافية لتأمين أي وجود عسكري تركي مكثف في المستقبل في الأراضي الليبية.

أراد أردوغان إخراس الداخل التركي بالتدخل في ليبيا، فإذا بالخط الأحمر المصري يسجل ارتدادات عنيفة في الداخل التركي، ويعمق جراح الرئيس التركي المترنح، فأصبح الرئيس التركي ما بين مطرقة التصعيد الضروري لحفظ ماء الوجه في ليبيا، بكل تبعات هذا التصعيد، وسندان المعارضة التركية التي تطالب بإلغاء التعديل الدستوري والعودة إلى النظام البرلماني المتعارف عليه في الجمهورية التركية، بدلًا عن النظام الرئاسي الذي صنعه أردوغان لشخصه فحسب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى