السد الإثيوبي

خلافات السد الإثيوبي : “مسمار جحا” والدفع نحو الحلول الصعبة

بعد ست عشرة جولة من المفاوضات حول السد الإثيوبي من أجل التوصل إلى اتفاق عادل، مازالت إثيوبيا تتنصل من التزاماتها، وكلما اقترب موعد التوقيع على اتفاق مُلزم، أطلق مسئولوها تصريحات تفيد بانسحابهم من المفاوضات وإصرارهم على المضي قُدُماً في تنفيذ خططهم لملء وتشغيل السد أحادياً دون النظر إلى موافقة مصر والسودان. 

ست عشرة جولة من المفاوضات والاجتماعات بحضور وزراء المياه والري للدول الثلاث، ثم وزراء الخارجية، ثم مديري أجهزة المخابرات، ثم مراقبة البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، ثم الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، لم تكن كفيلة بتغيير الموقف الإثيوبي المتعنت. فبعد أن تعهد الاتحاد الإفريقي بالتوصل إلى اتفاق في مدة لا تتجاوز أسبوعين، وبعد جلسة لمجلس الأمن أكد خلالها الأعضاء  ضرورة التوصل إلى اتفاق، لم يكن من رئيس الوزراء الإثيوبي إلا أن خرج علينا بتصريح يؤكد فيه شروع بلاده في ملء خزان السد دون الإضرار بمصر، وهو ما يتعارض تماماً مع توصيات مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي “بعدم اتخاذ خطوات أحادية”، ويخالف المادة الخامسة من اتفاق “إعلان المبادئ” بين الدول الثلاث.

فما هي أوجه الخلاف التي ماتزال قائمة بين الدول الثلاث؟ وكيف يرى الإثيوبيون موقف مصر؟ ولماذا تدفع الحكومة الإثيوبية نحو الحلول الصعبة؟

أولاً: استمرار نقاط الخلاف نفسها منذ اجتماعات واشنطن

منذ أن تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 2019 لتقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث حول النقاط الخلافية، ظهرت بادرة أمل في التوصل إلى اتفاق، ولكن بعد ستة اجتماعات في أديس أبابا، والقاهرة، والخرطوم، وواشنطن أفضت إلى وثيقة شاملة لا ينقصها سوى توقيع الدول الثلاث، لم يكن من الوفد الإثيوبي إلا التنصل من التزاماته والانسحاب قبل يوم واحد من توقيع الاتفاق. وبالرغم من صياغة بنود الاتفاق على مرأى ومسمع من المفاوض الإثيوبي، تمثلت مبرراتهم في عدم التوقيع في أنهم ما يزالون بحاجة لمزيد من الوقت لدراسة بنود الاتفاق وعرضها على الداخل الإثيوبي، ولكنها كانت مراوغة جديدة في مسلسل المراوغات الإثيوبية.

وقد تمثلت النقاط الخلافية فيما يلي:

  • إجراءات مجابهة فترات الجفاف والجفاف الممتد والسنوات شحيحة الإيراد خلال كل من الملء والتشغيل، وقد يتمثل الخلاف الرئيسي هنا في كمية المياه الواجب تدفقها إلى السودان ومصر خلال فترات الجفاف، حيث اقترحت مصر ألا تقل هذه الكمية عن 40 مليار متر مكعب سنوياً، وهو ما رفضته إثيوبيا لتقترح أن تكون الكمية 36.5 مليار متر مكعب فقط من إجمالي إيراد النهر البالغ 48 مليار متر مكعب.
  • قواعد إعادة الملء بعد فترات الجفاف الممتد، وهي نقطة جوهرية، فانخفاض منسوب المياه في خزان السد نتيجة فترات الجفاف طويلة الأمد وإعادة الملء دون قواعد واضحة وملزمة سوف يعيد الخلاف إلى نقطة الصفر من جديد.
  • قواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، حيث ترفض إثيوبيا مشاركة أي طرف في تشغيل السد، وبالتالي فلن يكون هناك ضمان لشفافية البيانات التي تقدمها بشأن السد.
  • المشروعات المستقبلية على النيل الأزرق والمعالجة القانونية لها، حيث ترغب إثيوبيا في إقامة ثلاثة سدود أخرى على نهر النيل. ويبدو أن إثيوبيا ترغب في تكرار تجربتها على نهر أومو الذي شيّدت عليه أربعة سدود أفسدت حياة مئات الآلاف من المزارعين على ضفتي النهر، والصيادين في بحيرة توركانا.
  • الاتفاقيات القائمة وعدم المساس بها، وهي الاتفاقيات التي تحفظ حصة مصر والسودان التاريخية في مياه النيل، حيث ترفضها إثيوبيا رفضاً تاماً بحجة واهية مفادها أنها اتفاقيات استعمارية.
  • رفض إثيوبيا تضمين آلية فض النزاعات في الاتفاق، ورغبتها في الانفراد بتغيير قواعد التشغيل بطريقة أحادية وبإرادة منفردة لتتحكم بذلك في مياه النيل دون مساءلة يشترك فيها المجتمع الدولي.

وهذه النقاط الخلافية هي نفسها التي لا يتم التقارب في وجهات النظر حولها في كل مرة يعود فيها الأطراف الثلاثة إلى طاولة التفاوض، فبعد التصعيد المصري الذي تمثل في توضيح التعنت الإثيوبي لقيادات الدول العربية والإفريقية والأوروبية، ورد الإثيوبيين بخطوة مماثلة، اجتمعت الأطراف الثلاثة بدعوة من السودان، وكانت النتيجة هي بقاء الوضع على ما هو عليه. ومع تصاعد الخلافات، تم عقد جلسة لمفوضية الاتحاد الإفريقي مع الدول الثلاث، وأخرى في مجلس الأمن من أجل التوصل لاتفاق بحلول الحادي عشر من يوليو الجاري، ولكن يبدو أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود في هذه الجولة أيضاً مع استمرار الخلاف حول جميع النقاط السابقة.

ثانياً: المطالب المصرية ليست “مسمار جحا” كما يدعي الإثيوبيون

في ظل استمرار الخلافات، يرى الإثيوبيون أن المطالب المصرية هي بمثابة “مسمار جحا” الذي يسمح لمصر بالتدخل في الشئون الداخلية لإثيوبيا ويُضعف من سيادتها على أراضيها ومواردها الطبيعية. وقد استطاعت الحكومة الإثيوبية من خلال تصريحات مسئوليها والتركيز عليها في وسائل الإعلام أن ترسخ لدى شعوبها أن مصر “الغنية” تعوق التنمية التي يطمحون إليها. وركزت في ذلك على أن جميع سكان مصر يتمتعون بالكهرباء طوال الوقت، وتصل المياه النظيفة إلى منازلهم دون عناء على عكس ما يحدث في إثيوبيا.

وبمنطق غريب، يرى الإثيوبيون أن محاولة مصر الحفاظ على حصتها المائية وفقاً للاتفاقيات الدولية هي تعدٍ على السيادة الإثيوبية وإعاقة للتنمية. وهنا وجب توضيح أنه وفقاً لجميع الاتفاقيات الموقعة من قبل الدولتين، يُمنع على إثيوبيا أن تقيم أي سدود على النيل إلا بموافقة مصر. وعلى الرغم من ذلك، أبدت مصر مرونة في إقامة هذا السد الضخم لكيلا تكون عائقاً أمام تحسين حياة الشعب الإثيوبي. وعلى الرغم أيضاً من أن هذا السد يحرم مصر من ربع حصتها المائية تقريباً، إلا أن مصر مازالت تتمسك بالتفاوض من أجل اتفاق عادل لا يضر بمصالح مصر والسودان، ويحقق التنمية لإثيوبيا.

وتتمثل المطالب المصرية في ألا تتأثر حصتها المائية تأثراً بالغاً، وأن يبقى منسوب المياه في بحيرة ناصر عند الحد الذي يسمح للسد العالي بتوليد الكهرباء، وأن يكون هناك آلية واضحة لفض المنازعات بعد تشغيل السد كي لا تستأثر إثيوبيا بالمياه في توليد الكهرباء والمشروعات الزراعية بشكل يهدد وجود ملايين المصريين. بذلك تكون المطالب المصرية هدفها الوحيد هو الحفاظ على حياة مواطنيها وليس فرض السيادة أو التدخل في الشئون الداخلية للغير كما يدعي الإثيوبيون.

ثالثاً: الانتصارات الدبلوماسية عند الجانبين

C:\Users\M.Salma\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\شكري.jpg

لا يمكن النظر إلى قضية السد الإثيوبي إلا على أنها معركة دبلوماسية في المقام الأول، حيث تسعى كل من مصر وإثيوبيا إلى كسب أقصى دعم دولي ممكن لموقفيهما في مواجهة أحدهما الآخر. وبالعودة إلى ما قبل مارس 2015 حين وقعت الدول الثلاث على اتفاق “إعلان المبادئ”، نجد أنه لم يكن هناك ما يجبر إثيوبيا على الجلوس والتفاوض حول شروط أمان السد وتشغيله. لذلك، يعد توقيع إعلان المبادئ انتصاراً دبلوماسياً، حيث رأت إثيوبيا في البداية أنها انتصرت بتوقيع مصر اتفاقاً مكتوباً يسمح لها ببناء السد، ولكن الحقيقة هي أن المستفيد الأكبر من “إعلان المبادئ” كان مصر. والدليل على ذلك أن المادة الخامسة نصت على “ألا تشرع إثيوبيا في ملء السد إلا بعد توقيع اتفاق بين الدول الثلاث”.

أما المادة العاشرة والتي تتيح طلب الوساطة الدولية في حال عدم التوصل إلى اتفاق فقد ظلّت إثيوبيا ترفض تطبيقها منذ 2017 عندما طلب وزير الخارجية المصري سامح شكري أن يتدخل البنك الدولي كوسيط في المفاوضات، ولكن الرئيس السيسي نجح في قلب الطاولة من خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليعلن الرئيس الأمريكي ترامب وساطة الولايات المتحدة في حل الخلافات بين الدول الثلاث، وتذهب وفود الدول الثلاث إلى واشنطن بالفعل. وبتقييم هذه الخطوة، يتضح أن مصر سجلت انتصاراً دبلوماسياً آخر في مواجهة إثيوبيا.

وبعد أن استمرت المفاوضات برعاية الولايات المتحدة لمدة أربعة أشهر تقريباً، انسحب الوفد الإثيوبي رافضاً التوقيع على ما تم التوصل إليه، لتبدأ بعد ذلك الحكومة الإثيوبية في توجيه الاتهامات ضد الولايات المتحدة بمحاباة مصر على حساب مصالح الشعب الإثيوبي. ولم تكتفِ إثيوبيا بتبرير انسحابها من المفاوضات من خلال أعضاء الحكومة وأعضاء البرلمان هناك، بل شجعت مواطنيها في الولايات المتحدة على التظاهر ضد “اتفاق واشنطن”. ويرى الإثيوبيون أن عدم التوقيع على اتفاق واشنطن هو انتصار دبلوماسي لهم.

ونجحت مصر من جديد في تدويل القضية بالذهاب إلى مجلس الأمن ووضع المجتمع الدولي أمام مسئولياته في حفظ الأمن والسلم الدوليين، فبعد أن كانت إثيوبيا ترفض تماماً تدخل وسطاء دوليين في المفاوضات، وجدت نفسها أمام مفاوضات يراقبها الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بل وأعلن مجلس الأمن مراقبته للمفاوضات وأوصى بضرورة إبلاغه بكل المستجدات الخاصة بالمفاوضات. وبمخالفة الحقيقة، يرى آبي أحمد أن بلاده انتصرت دبلوماسياً عندما أخذت المفاوضات إلى مسار يرعاه الاتحاد الإفريقي.

رابعاً: استراتيجية إثيوبيا في الدفع نحو الحلول الصعبة

C:\Users\M.Salma\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\مظاهرات.jpg

يبدو أن الأوضاع الداخلية في إثيوبيا تمثل ضغطاً على الحكومة الحالية بشكل يجعلها تتخذ قرارات غير محسوبة، كما يبدو أن آبي أحمد وحكومته لا يجدون لأنفسهم مخرجاً من الأزمات الداخلية هناك إلا بدفع مصر نحو الحلول الصعبة في قضية سد النهضة. فبعد الترويج لفكرة أن سد النهضة هو المشروع القومي الذي سيخرج إثيوبيا من الظلمة إلى النور ويجعلها مصدراً للطاقة، اتبعت الحكومة منهجاً واضحاً في كسب تأييد المواطنين هناك من خلال تصوير مصر كعدو لا يريد لإثيوبيا أن تنجو من معاناتها، ووصل الأمر إلى إعلان آبي أحمد استعداد بلاده لحشد مليون مقاتل في مواجهة مصر دفاعاً عن السد.

وقد تدرجت التصريحات الرسمية والتغطية الإعلامية المعادية لمصر في إثيوبيا من الاستعداد للحرب إلى اتهام مصر بتأجيج الأوضاع على الحدود السودانية الإثيوبية إلى التآمر مع بعض القوى المعارضة ضد مصالح الإثيوبيين. وأخيراً، اتهم المتحدث باسم مجلس الوزراء الإثيوبي مصر بأنها المدبر الحقيقي للتظاهرات المندلعة حالياً في إقليم أوروميا والتي راح ضحيتها 239 قتيلاً إلى الآن.

وبغرض تهدئة الأوضاع هناك، لم يجد آبي أحمد لنفسه مخرجاً من الأزمة إلا بإعلان أن بلاده ستبدأ في ملء خزان السد دون الإضرار بمصر. ويتضح من هذه الخطوة أن الحكومة الإثيوبية تتبع استراتيجية محددة في دفع مصر نحو الحلول الصعبة لأزمة السد. فالبدء في ملء خزان السد دون توقيع اتفاق يمكن تصديره للمواطنين الإثيوبيين على أنه انتصار جديد في مواجهة مصر، وبالتالي كسب التأييد المطلوب للحكومة وتهدئة الأوضاع. أما إذا اتخذت مصر أي خطوات عدائية بغرض منع ملء السد -وهو ما لن يحدث أبداً-، فإن ذلك سيكون بمثابة طوق النجاة للحكومة الإثيوبية.

بالنظر إلى المشكلات المتعددة التي تواجهها حكومة آبي أحمد والتي تتمثل في الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها المواطنون هناك، وتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، وانتشار فيروس كورونا المستجد، والانقسامات العرقية التي تنذر بمزيد من الاحتجاجات خلال الفترة المقبلة، وفي ظل صعوبة ملء وتشغيل سد النهضة بعد تدويل القضية، يبدو أن مخرج آبي احمد من الأزمة يتمثل في استفزاز مصر ودفعها نحو اللجوء لاستخدام القوة لمنع ملء السد. 

ومادامت مصر تصر على الحل السلمي والتفاوض لحل قضية السد، فمن غير المستبعد أن يقوم إثيوبيون بأعمال تخريبية بالقرب من السد وإلقاء اللوم على مصر إذا ما استمرت الاحتجاجات لفترة طويلة. 

يؤكد الموقف الإثيوبي مع كل جولة من مفاوضات سد النهضة على سوء النية المبيتة تجاه مصر، فالاستفزاز الدائم وتوجيه الاتهامات غير المحسوبة لمصر يهدف في المقام الأول إلى اصطفاف المواطنين الإثيوبيين خلف حكومتهم للدفاع عن مشروعهم القومي في مواجهة العدو الخيالي الذي خلقته الحكومة الإثيوبية في أذهان مواطنيها. ويتطلب ذلك أن توضح الحكومة المصرية للجميع سواء في المنظمات الدولية أو في الداخل الإثيوبي أنها لا تقف عائقاً أمام تنمية الشعوب في إفريقيا، وأن تؤكد على استمرارها في المسار السلمي لحل القضية، وأن أي اتهام لها بالشروع في أعمال تخريبية سواء للسد أو غيره لن يكون مقبولاً. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى