الاقتصاد المصري

“فيتش”: قطاع البنية التحتية في مصر الأفضل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

عرض – أحمد بيومي

كان لجائحة كورونا الملقبة إعلاميا باسم Covid-19 أثر كبير على الاقتصاد العالمي، حيث تسببت تلك الجائحة في حالات إغلاق لعدد كبير من المدن العالمية التي نتج عنها قطع سلاسل التوريد وضعف الاقتصاد العالمي، ومن بين تلك القطاعات المتأثرة يأتي قطاع انشاءات البنية التحتية كأحد القطاعات التي تأثرت بسبب جائحة الفيروس التاجي، وعلى الرغم من تلك الحقيقة إلا أن مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني تري في تقريرها الربعي لعام 2020 أن قطاع الإنشاءات المصري الأفضل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نعرض في هذا التقرير تحليلا لأهم الأسباب التي بنيت عليها تلك النتيجة.

نظرة تحليلية لقطاع إنشاءات البنية التحتية في مصر

قطاع الإنشاءات في مصر، هي أحد القطاعات القوية التي تعتمد في المقام الأول على الطلب المرتفع لخدمات البنية التحتية نتيجة للنمو الاقتصادي والسكاني في البلاد، يمثل حجم القطاع نسبة 6% من الناتج المحلى الإجمالي وينمو بمتوسط معدل نمو سنوي بحوالي 10% للخمس سنوات السابقة.

وتقدر قيمته بحوالي 312 مليار جنية مصري، وتتوقع مؤسسة فيتش الائتمانية أن يستمر القطاع في النمو خلال العشر سنوات القادمة ليبلغ حوالي 10% من الناتج المحلى الإجمالي بحوالي 1.3 ترليون جنية بحلول عام 2030، وهو أمر نراه طبيعي خاصة مع استمرار معدل نمو المناطق الحضرية في التسارع، والذي يترتب عليه زيادة الطلب على مشروعات النقل والطاقة في مصر بشكل خاص وعلى باقي خدمات البنية التحتية بشكل عام.

من جانب أخر فإن قطاع انشاءات البنية التحتية يتسم بعجز في البلاد نتيجة لتوقف اعمال البناء خلال فترة الاضطرابات الاقتصادية والسياسية قبل العام 2014، تلك الأسباب تشكل الدوافع الرئيسية للدولة لاستمرار العمل نحو الاستثمار في القطاع وإشراك القطاع الخاص في تمويل وتنفيذ تلك المشروعات وذلك في إطار الشراكة بين القطاع العام والخاص الذي تديره وزارة المالية والذي نجح في تحسين شفافية مناقصات إسناد تلك المشروعات للقطاع الخاص وترجم ذلك النجاح إلى ارتفاع درجة الثقة بين المستثمرين والحكومة.

لكن العام 2020 كان وخاصة بعد انتشار الفيروس التاجي في كل دول العالم ومنها مصر، تسبب إجراءات الاغلاق الاقتصادي الجزئي التي فرضتها الحكومة في أبريل لاحتواء انشار الفيروس التاجي في مصر في التوقف المؤقت لأعمال البناء في بعض مشروعات البنية التحتية الرئيسية مثل العاصمة الإدارية الجديدة ومحطات كهرباء، في سما لوط  ودمنهور، ومشروعات ميناء العين السخنة وسفاجا، هذا فضلا عن إصدار قرار أيضا بوقف إصدار تراخيص البناء الخاصة في جميع المدن الرئيسية في البلاد من أجل ضمان التزام تلك المواقع بتدابير الحماية الخاصة بفيروس كوفيد-19، وهو ما أثر سلاسل التوريد لمواد البناء وبالطبع على قطاع البناء والقطاعات المرتبطة وتسبب في توقف مؤقت لنشاط القطاع، لكنه عاد ليمارس أعماله بقوة فور إصدار التعليمات باستئناف العمل مع الأخذ في الاعتبار الاحتياطات الصحية اللازمة لمنع انتشاء فيروس كوفيد-19.

بالنظر الي قطاع إنشاءات البنية التحتية في مصر، فإنه يتسم بعدد من نقاط القوة التي تتمثل في الطلب المحلى القوي الحالي والمستقبلي على مشروعات البنية التحتية في مصر وذلك بسبب معدل النمو المتزايد للسكان والذي يبلغ نسبته 2% تقريبا (البنك الدولي، 2018) [1]، ظهور سوق للشراكة بين القطاع العام والخاص، في ظل إنشاء وكالة متخصصة داخل وزارة المالية مكلفه بضمان شفافية عمليات المناقصة وتنسيق التمويل واختيار الشراكات عبر الحكومة للمشروعات المشتركة بين القطاع العام والخاص حيث يوجد حاليا عدد 46 مشروعات يتم تنفيذهم وتسليمهم باستخدام نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، هذا فضلا عن وجود شركات محلية قوية ذات مستوى عالي من حيث القدرة التقنية والتي يمكن الاعتماد عليها في تنفيذ تلك المشروعات ووجود خطط حكومية لإنشاء عدد كبير من مشروعات البنية التحتية (العرض)، بالإضافة إلى أن القطاع السياحي في مصر لازال يدعم الطلب على مشروعات النقل والمشروعات البنية التحتية لأغراض الخدمات السياحية.

أما عن نقاط الضعف بذلك القطاع فهي تتمثل في حالة عدم اليقين من جانب المستثمرين نتيجة للأوضاع الحالية التي يمر بها الاقتصاد العالمي، ووجود بعد الأجزاء غير الواضحة في قوانين تملك الأراضي وعمليات التخصيص، هذا فضلا عن بعض التحديات، حيث لازال ينظر المستثمرين بقلق إلى ترتيب مصر في المؤشرات العالمية لمكافحة الفساد في القطاع العام، لكن ذلك الأمر يمكن أن يتحسن بشكل كبير خاصة بعد قانون المناقصات والمزايدات (قانون المشتريات الحكومي) وسعي وزارة المالية إلى إطلاق العقود الموحدة للمشتريات الحكومية. أما عن التهديدات فهي تتميل في وجود احتمالات أن يرتفع معدل التضخم مره أخرى في الفترة القادمة نظرا لاحتمال انخفاض قيمة الجنيه نتيجة للضغط الذي سببه كوفيد-19 على السياحة والصادرات وتحويلات المصرين العامين بالخارج وهو ما أثر على مصادر العملات الأجنبية بالبلاد، و لاتزال ثقة المستثمرين بالشرق الأوسط وشمال افريقيا ككل ضعيفة نتيجة لوجود مخاطر جيوسياسية بالمنطقة.

أما عن الفرص التي توجد بالقطاع تتمثل في وجود خطط حكومية لعدد كبير من المشروعات التي تتعلق بالتخطيط الحضري للمدن تلبية للطلب الكبير المتزايد على التنقل من الريف إلى الحضر، ووجود فرص كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، حيث أعلنت الدولة عن خطتها لتوليد 20% من الطاقة التي تحتاجها البلاد بحلول عام 2022 وهي تخلق فرص استثمارية في قطاع الاستثمارات في الطاقة الشمسية والرياح. هذا فضلا عن ثقة المؤسسات الدولية الكبيرة في الاقتصاد المصري خاصة بعد تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي وهو ما يسهل الحصول على تمويل لتلك المشروعات من جانب عدد كبير من المنظمات الدولية التي تمثل مشروعات البنية التحتية مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الاعمار والتنمية غيرها من الجهات، ويشمل ذلك التمويل دعم الشراكات بين القطاع العام والخاص. بالإضافة إلى تبني الحكومة خطط إنشاء المناطق الاقتصادية وهو ما يخلق فرص أخرى في أعمال البنية التحتية والإنشاءات في تلك المناطق الاقتصادية.

أثر الاستقرار السياسي على الاستثمار بقطاع البنية التحتية

يأتي إعادة انتخاب الرئيس السيسي في مارس 2018 لولاية رئاسية ثانية كحافز قوي للمستثمرين الذين يرون في استمرار ادارته للبلاد استقرارا سياسيا وضمان لاستمرار مسيرة الإصلاح الجارية ومشروعات البنية التحتية الواسعة التي تقوم بها الدولة المصرية في فترة ولايته، خاصة بعد الالتزام الجاد من جانب الحكومة بتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وإشادة صندوق النقد الدولي ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري عدة مرات، وهو أمر يحسن من ثقة المستثمرين ويرفع من معنويات القطاع الخاص ويدفع إلى مزيد من الشراكات في تلك المشروعات وبالتالي يعزز من فرص الاستثمار للقطاع الخاص في مصر، ومكانة مصر كأفضل الأسواق أداءً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

السيناريوهات المستقبلية قطاع الإنشاء

عالميا: يتوقع البعض أن تستمر تلك الأثار وربما تتصاعد إذا ما ظهرت أجيال أخرى من الفيروس التاجي وخاصة في الصين التي تعتبر أحد أهم الموردين للمواد والمنتجات المستخدمة في صناعة البناء على مستوى العالم، وهو ما يشكل ضغط كبير على قطاع البنية التحتية ونشاط البناء بشكل عام طوال فترة تفشي الفيروس التاجي، حيث أن جهود احتوائه لازالت تتمثل في فرض قيود على أعمال البناء وحركة الأشخاص، حيث تشير العديد من التقارير الاقتصادية إلى أن أعمال البناء قد تباطأت بشكل كبير في المناطق التي تضررت بشدة من الفيروس التاجي مثل شمال إيطاليا. من جانب أخر فإن ظروف ضعف الاقتصاد العالمي الحالية ستؤثر على تقدم أعمال البناء خلال فترة تفشي الفيروس التاجي، كنتيجة لعدة أمور منها زيادة مخاطر عدم التأكد، وضعف الثقة في الأعمال التجارية التي تتسبب في تأجيل أو الغاء العديد من الاستثمارات المخطط لها، لكن بشكل عام ستختلف توقعات الاستثمار في قطاع البنية التحتية لكل بلد وفقا لحالة الاستقرار المالي للحكومة، واستعداد الحكومات لتعزيز الانفاق العام على مشاريع البناء والبنية التحتية ودمجها كجزء من خطط التحفيز الاقتصادي.

في دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، يفرض انخفاض أسعار البترول عالميا، واعتماد ماليات تلك الدول بشكل كبير على الإيرادات الناجمة عن ذلك القطاع وخاصة دول مجلس التعامل الخليجي واقعا جديدا، حيث أن ذلك الانخفاض له أثر سلبي على خفض الانفاق على البنية التحتية في الوقت الحالي، ومن ثم يتأثر قطاع انشاءات البنية التحتية في تلك الدول بشكل كبير طالما أستمر الطلب العالمي وأسعار البترول منخفضة.

في مصر، على الرغم من أن إجراءات الاغلاق التي فرضتها الحكومة المصرية كان لها على توقف مؤقت لأعمال البناء في بعض مشروعات البنية التحتية الرئيسية ، هذا فضلا عن إصدار قرار أيضا بوقف إصدار تراخيص البناء الخاصة في جميع المدن الرئيسية في البلاد من أجل ضمان التزام تلك المواقع بتدابير الحماية الخاصة بفيروس كوفيد-19 فإن ذلك الاغلاق الجزئي بالطبع أثر على سلاسل التوريد لمواد البناء والتي تسببت في تعطيل مؤقت في نشاط القطاع، لكن ذلك النشاط استأنف عملة بمجرد إزالة الاغلاق، حيث تم استئناف العمل في مشروعات البناء الكبرى خلال فترة الوباء بعد اشتراط عدة تدابير للحد من عدد العمال الموجودين في موقع العمل واستخدام المطهرات وأقنعة الوجه لضمان استمرار أعمال البناء، وهو ما يبقي على نمو القطاع في عام 2020 عند مستوى 7.5% وفقا لتوقعات مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني وعلى الرغم من أن ذلك المعدل يعد أقل من المتوسط السنوي للخمس سنوات السابقة والذي بلغ  10.3% سنويا إلا أنه الأعلى في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، تظل أحد التحديات الهامة هي درجة سير أعمال تنفيذ تلك المشروعات وفقا للجداول المخططة لها دون تأخير وهي تمثل أحد المخاطر التي ينظر فيها المستثمرين، هذا فضلا عن بعض البيروقراطية في الإجراءات التي تحتاج إلى وقت أطول من المعتاد، تحدى أخر يواجه تلك المشروعات وهو توفير التمويل اللازم لتفنيدها، لكن فيتش رجحت أن يتم تمويل الجزء الاكبر من خلال تمويلات الدولية وشراكة القطاع الخاص في أعمال الإنشاء والتطوير، خاصة في ظل العجز المالي المتوقع في الموازنة العامة بنسبة 10.3% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020\2021، ووجود تجربة متميزة لشراكات القطاع الخاص في الأعمال الحالية الجاري تنفيذها، إذ أنه يستحوذ على عدد 17 من أصل 39 مشروع يتم تنفيذه بالمشاركة مع القطاع الخاص بنظام PPP، الأمر الذي يضع مصر في مقدمة دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بهامش كبير في تنفيذ مشاريع بنظام المشاركة ، ويعزز من مكانة مصر كالسوق الأفضل في قطاع انشاءات البنية التحتية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2020 والأعوام التالية، مدعوما بالرصيد الكبير من خطط مشروعات البنية التحتية خلال السنوات القادمة، بالإضافة إلى حالة الثقة التي يشعر بها المستثمرين جراء الاستقرار السياسي خاصة بعد انتخابات عام 2018، والإرادة السياسية لتنفيذ تلك المشروعات هذا فضلا عن الدور الذي يلعبه القطاع الخاص في تلك المشروعات خاصة بعد إنشاء وكالة مستقله لذلك الغرض بوزارة المالية.

المصادر:

[1] يبلغ معدل نمو السكان السنوي 1.79% وفقا للبيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى