سوريا

بعد تطبيق قانون قيصر.. هل تعيد العقوبات ترتيب المشهد السوري كاملًا؟

أثار دخول قانون حماية المدنيين السوريين المعروف باسم “قانون قيصر” حيز التنفيذ في 17 يونيو الماضي العديد من التساؤلات حول مدى تأثيره على طبيعة المشهد في سوريا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، لما يفرضه القانون من عقوبات مغلظة على الحكومة السورية والرئيس السوري بشار الأسد وكل من يتعاون معه، وفي مقدمتهم الحلفاء الأساسيين للنظام السوري (روسيا وإيران)، وما للقانون من تبعات قاسية على الاقتصاد السوري الذي يعاني انهيارًا منذ بداية الحرب في 2011، وزادت حدته في الأشهر الأخيرة.

الاقتصاد السوري على الحافة

يعاني الاقتصاد السوري من انهيار شبه تام بلغت معه معدلات الفقر بين السوريين أكثر من 80%، وتراجعت قيمة الليرة السورية أمام الدولار في السوقين الرسمية وغير الرسمية في آن واحد، إذ رفع مصرف سوريا المركزي سعر صرف الليرة الرسمي مقابل الدولار من 700 إلى 1250 ليرة يوم 18 يونيو الماضي تزامنًا مع تطبيق قانون قيصر، في الوقت الذي وصل فيه السعر في السوق غير الرسمية إلى 3500 ليرة مقابل الدولار.

وذلك في الوقت الذي يعاني فيه لبنان الذي يُعدُّ منفذًا للاقتصاد السوري منذ ما قبل الحرب من انهيار اقتصادي هو الأكبر منذ عقود، ارتفعت بموجبه معدلات الفقر والبطالة بين اللبنانيين بشكل كبير، وتراجعت أسعار صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار بشكل حاد بلغ 1507 ليرة مقابل الدولار في السوق الرسمية، وأكثر من 3900 ليرة مقابل الدولار في السوق غير الرسمية، بفعل النقص الحاد في احتياطيات لبنان من العملة الأجنبية وتوقف المصارف عن تزويد المودعين بأموالهم بالدولار.

وهو ما فاقم من الأزمة الاقتصادية في سوريا، فضلًا عن الآثار السلبية التي خلفها انتشار فيروس كورونا المستجد على الاقتصاد العالمي ككل، والاقتصاد السوري بشكل خاص، بالإضافة إلى تراجع الدعم النقدي الإيراني للحكومة السورية على سياسة الضغط الأقصى التي تتبعها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد طهران، والتي كان لها تداعيات كبيرة على الاقتصاد الإيراني.

الاحتجاجات في السويداء: من "بدنا نعيش" إلى "إسقاط النظام" | حفريات

هذه العوامل مجتمعة وغيرها أدت إلى ظهور احتجاجات شعبية في بعض المدن السورية، وخاصة في مدينتي درعا والسويداء، منددة بالحالة التي وصل لها السوريون معيشيًا واقتصاديًا. وهي الاحتجاجات التي أقدم الرئيس السوري بعدها على إقالة رئيس الوزراء عماد خميس في 11 يونيو الماضي، وتكليف وزير الموارد المائية حسين عرنوس بتشكيل حكومة جديدة للعمل على إيجاد مخرج للهوة الاقتصادية التي تعاني منها دمشق، وسيؤدي قانون قيصر الأمريكي إلى تعميقها.

أهداف واشنطن من وراء “قيصر”

يتأكد يوم بعد آخر أن اهتمام الولايات المتحدة بما يجري في سوريا لم ينقطع بقرار الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا في أكتوبر من العام الماضي، خاصة وأن القرار تراجع عنه ترامب بعد أيام مقررًا الإبقاء على عدد محدود من القوات لحماية حقول النفط، فضلًا عن تعزيز واشنطن لوجودها في شمال شرق سوريا، وتحديدًا في مدن الحسكة والرقة ودير الزور.

الخطوة الأمريكية الأخيرة بفرض عقوبات على النظام السوري وكل داعميه والمتعاملين معه تنقل الرؤية الأمريكية في التعامل مع سوريا من محاولة فرض النفوذ عسكريًا إلى العمل على فرض النفوذ على الملف السوري برمته اقتصاديًا عبر سلاح العقوبات الذي استخدمه ترامب غير مرة، فقانون قيصر هو الأداة الأمريكية الجديدة للتأثير على المستقبل السوري ومناهضة وجود روسيا وإيران هناك.

تقول واشنطن الآن إنه لا حل للقضية السورية بالمنظور الحالي إلا وفق ما تريده هي أو بالعملية السياسية التي ترتضيها. أحد أهداف الولايات المتحدة الأساسية في سوريا منذ 2011 كان إزاحة بشار الأسد عن رأس النظام، وهو الهدف الذي فشلت في تحقيقه منذ 2011 بدءًا من دعمها الميلشيات والفصائل السورية المناوئة وحتى إرسالها قواتٍ إلى سوريا. وإن تخلت الآن عن هذا الهدف فإنها لن تقبل أن يستمر نظام الأسد بسلوكه الحالي.

ويتحقق هذا المسعى الأمريكي عن طريق تضييق الخناق على النظام السوري وحليفيه موسكو وطهران لإجبارهم جميعًا على التخلي عن حسم الأمور عسكريًا واللجوء إلى عملية سياسية تقودها واشنطن بشروطها، فقد أكد المبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري في 8 مايو الماضي بأن “من الواضح جدا في هذه المرحلة بالنسبة لروسيا أنهم لن يحققوا انتصارا عسكريا، بكل تأكيد ليس في أي وقت قريب”.

جيفري: «قانون قيصر» يستهدف الأسد ونظامه لا السوريين | الشرق الأوسط

تأكيد جيفري تبعه إعلانه يوم 7 يونيو الماضي أن بلاده قدّمت للأسد طريقة للخروج من الأزمة الاقتصادية وأنه إذا كان مهتمًا بشعبه سيقبل العرض، مشيرًا إلى أن واشنطن تريد أن ترى عملية سياسية ومن الممكن ألا تقود إلى تغيير النظام فهي تطالب بتغيير سلوكه وعدم تأمينه مأوى للمنظمات الإرهابية وعدم تأمينه قاعدة لإيران لبسط هيمنتها على المنطقة، مضيفًا أن انهيار الليرة السورية دليل على أن روسيا وإيران لم تعودا قادرتين على تعويم النظام. وهو ما عارضه سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا قائلًا في 16 يونيو الماضي إن “الولايات المتحدة أكدت أن الغرض من هذه الإجراءات هو الإطاحة بالسلطات الشرعية في سوريا”.

الهدف الثاني لواشنطن من وراء العقوبات التي يفرضها قانون قيصر هو قض مضجع موسكو في سوريا وعدم تمكينها من الحصول على المكاسب التي دخلت من أجلها الحرب في 2015، وقد أعلن جيمس جيفري في 12 مايو الماضي أن هدفه هو “مواصلة الضغط على أعداء الولايات المتحدة وجعل الصراع في سوريا مستنقعًا لروسيا”.

الهدف الثالث هو استمرار استراتيجية الضغط الأقصى التي تمارسها واشنطن على طهران التي تهدف إلى تقويض كافة جهود إيران لبسط نفوذها إقليميًا عبر أذرعها وميلشياتها المنتشرة في عدة بلدان على رأسها سوريا بجانب لبنان والعراق. وتسعى واشنطن من خلال عقوبات قيصر أن تسرع من خروج إيران من الميدان السوري، وهو هدف جمع في وقت من الأوقات كل من واشنطن وموسكو وتل أبيب.

تأثيرات “قيصر” على روسيا

أحد السبل التي تسعى روسيا من خلالها إلى جني عوائد وأرباح تدخلها لمساندة النظام السوري في 2015 هو إعادة إعمار سوريا بعد الحرب والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي ستوفرها عملية إعادة الإعمار للشركات الروسية التي انخرط بعضها بالفعل في الاقتصاد السوري، فضلًا عن جذب الاستثمارات الأجنبية إلى سوريا، وكانت موسكو قد حققت تقدمًا ملحوظًا في هذا الأمر بالفعل، بالاتفاق مع بعض البلدان والشركات الأوروبية والعربية والآسيوية لضخ استثمارات بمليارات الدولارات في عملية إعادة إعمار سوريا بعد انتهاء الحسم العسكري للحرب.

إلا أن قانون حماية المدنيين السوريين “قيصر” الذي أقره الكونجرس الأمريكي في ديسمبر من العام الماضي قد نص تفصيلًا على فرض عقوبات على النظام السوري وكل المتعاملين معه لمنعهم من:

  1. بيع أو تزويد بضائع أو خدمات أو تقنيات أو معلومات مهمة أو غير ذلك من الدعم الذي يسهل بشكل كبير عملية صيانة أو توسيع رقعة الإنتاج المحلي للحكومة السورية من الغاز الطبيعي، أو النفط أو المنتجات النفطية.
  2. بيع أو تزويد طائرات أو قطع غيار للطائرات استخدمت لأغراض عسكرية في سوريا لصالح الحكومة السورية أو لأي شخصية أجنبية تعمل في مجال تسيطر عليه الحكومة السورية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أو تسيطر عليه القوات الأجنبية المرتبطة بالحكومة السورية.
  3. تزويد بضائع أو خدمات مهمة تتصل بعمليات الطائرات التي تستخدم لأغراض عسكرية في سوريا أو لصالح الحكومة السورية.

ومن ثم فإن أي دولة أو شركة أو جهة ستتعامل مع الحكومة السورية في أي من هذه المجالات الآنف ذكرها، بالإضافة إلى مصرف سوريا المركزي والقطاع المالي والمصرفي في سوريا، ستكون معرضة لخسارة علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة والتأثير على أصولها المالية في الولايات المتحدة، واستثماراتها في الشركات الأمريكية سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. 

وهو ما يؤدي إلى نفور أي استثمارات أجنبية من سوريا طوال فترة تطبيق القانون، وتعميق الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد السوري وإطالة أمدها، ومن ثم حرمان روسيا من العوائد الاقتصادية التي تنتظرها نتيجة تدخلها في سوريا.

عوائد بدأت موسكو بالفعل في التجهيز لها منذ سنوات بحصولها على عقود طويلة الأمد، منها عقود الانتفاع بقاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس البحري، وعقود الحق في التنقيب عن النفط والغاز التي حصلت عليها شركات روسية مثل “سويوز نفت غاز” و”ستروي ترانس غاز”، إضافة إلى حصول شركات أخرى على عقود للتنقيب وإعادة تأهيل حقول نفط وغاز وصيانة مصافي نفط في سوريا. فضلًا عن الجوانب المتعلقة بالأسلحة والمعدات العسكرية التي شملتها هي الأخرى عقوبات “قيصر” التي خصت بالذكر حكومتي روسيا وإيران، وستؤثر على واردات روسيا العسكرية إلى دمشق أو أي قوات متعاونة معها.

“قيصر” استمرار الضغط الأقصى على طهران

تأتي العقوبات التي يفرضها قانون حماية المدنيين السوريين “قيصر” استكمالًا لسلسلة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران منذ انسحاب واشنطن عام 2018 من الاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع مجموعة 5+1 عام 2015. وهي العقوبات التي تهدف إلى الحد من نفوذ إيران في المنطقة، وتقويض دعمها لأذرعها وميلشياتها الموجودة في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن.

وعلى خلاف العقوبات السابقة التي فرضتها واشنطن على طهران فإن قانون قيصر لم يفرض عقوبات على إيران فحسب، بل تعدى ذلك لتوقيع عقوبات على أي “شخصية أجنبية تمثل مقاولًا عسكريًا أو مرتزقة أو قوة شبه عسكرية تعمل على دراية وعلم منها ضمن القوى العسكرية داخل سوريا لصالح الحكومة السورية أو حكومة الاتحاد الروسي أو الحكومة الإيرانية”، وهو ما يعني توقيع عقوبات أيضًا على كل أذرع إيران في المنطقة الذين لهم علاقة بالميدان السوري، وتحديدًا حزب الله في لبنان المنخرط في الحرب في سوريا منذ سنوات.

كما تهدف هذه العقوبات –كما هو الحال مع روسيا- إلى حرمان إيران من أي نفوذ مستقبلي في سوريا، بل والإسراع من عملية إخراج طهران من الميدان السوري التي تُعدُّ العقوبات الأمريكية السابق فرضها أحد وسائل تحقيقها، بتضييق الخناق الاقتصادي على طهران، وبالتالي الحد من الدعم الذي تقدمه لأذرعها المقاتلة في سوريا. بجانب الضغط المتحقق عليها بفعل الضربات الإسرائيلية المتلاحقة لمواقعها في الميدان السوري.

إخراج إيران من سوريا هدف يحقق مصالح لروسيا والولايات المتحدة وإسرائيل في آن واحد، ويجري التفاوض بشأنه بينهم منذ سنوات، وخاصة خلال القمة الأمنية التي عقدتها الدول الثلاث بالقدس في شهر يونيو من العام الماضي، والتي أشارت تقارير حينها إلى وجود تفاهم بين الثلاث دول على ضرورة إخراج إيران من المشهد السوري، ولكن كان الخلاف هو الحاكم فيما يخص التفاصيل والأساليب.

فرصٌ مواتيةٌ لتركيا

العقوبات على إيران - CNN Arabic

على الجانب الآخر من روسيا وإيران تقف تركيا كمستفيد من العقوبات التي يفرضها قانون “قيصر”، ففي الوقت الذي يحجم فيه القانون نشاطات كل من روسيا وإيران، ويسعى للقضاء على أي مساعٍ للحسم العسكري على كامل التراب السوري، تجد أنقرة الفرصة سانحة لها لتعزيز وجودها العسكري والاقتصادي والاجتماعي في الشمال السوري، وسيكون تطبيق القانون فرصة لها للاصطفاف مع الولايات المتحدة في سوريا، بناء على الدعم الأمريكي للعمليات التركية في الغرب الليبي. وذلك بعد فترة من التنسيق التركي في سوريا مع كل من روسيا وإيران ضمن مسار أستانا، ووجود فتور في العلاقات بين أنقرة وواشنطن على خلفية صفقة منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400.

الفرصة مواتية لأنقرة كذلك في توسيع نفوذها في المناطق التي شهدت خلال الفترة الماضية تعاملًا بالليرة التركية بدلًا عن الليرة السورية، جراء الانهيار الذي لحق بالعملة الوطنية، الأمر الذي استغلته تركيا لزيادة إجراءاتها المواصلة لـ”تتريك” هذه المنطقة، وأن يكون الوجود التركي فيها عوضًا لأهلها عن الحكومة السورية التي لم تفرض سيطرتها عليها عسكريًا حتى الآن. وهو ما يمكن أن يحقق في النهاية الهدف الذي سعت إليه تركيا بشرعنة وجودها هناك وإقامة منطقة آمنة بعمق نحو 20 كم تحت إدارتها لإعادة اللاجئين إليها.

الفرصة سانحة كذلك لزيادة الدعم العسكري التركي للفصائل الإرهابية المسلحة في الشمال السوري، وخاصة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)، والعمل على بسط نفوذها بشكل أكبر في مناطق ريف حلب. كما يمكن لأنقرة التنصل من اتفاقات وقف إطلاق النار وخفض التصعيد الموقعة مع موسكو، وتوسيع سيطرتها على الطرق الدولية حلب – اللاذقية (M4) وحلب – دمشق (M5)، وشن عملية جديدة على غرار العملية الأخيرة “نبع السلام” التي شنتها في أكتوبر الماضي. إلا أن انشغال تركيا بالتطورات الجارية في الميدان الليبي قد يعوق ذلك.

وجاء انعقاد مؤتمر بين كل من الرئيس الروسي فلاديمير وبوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم 1 يوليو الجاري عبر تقنية الفيديو كونفرانس، ليبحث كل هذا، وطبيعة العلاقة بين ثلاثي مسار أستانا في الفترة المقبلة على وقع تطبيق قانون قيصر، وطبيعة المشهد السوري في الفترة المقبلة بعد القانون، وقد أكد الرؤساء الثلاثة في البيان الختامي للقمة أنه ليس هناك حل عسكري للحرب السورية وأنه يتعين تسويتها عبر العمل السياسي فقط، مرحبين باجتماع اللجنة الدستورية في جنيف الشهر المقبل.

سوريا بعد قانون قيصر

كما أكدنا سابقًا فإن قانون قيصر ستكون له تداعياته على المشهد السوري؛ إذ يضمن للولايات المتحدة تدخلًا ونفوذًا لم يتوافر لها من قبل على الأقل منذ التدخل الروسي، وتسعى من خلاله إلى أن تكون اللاعب الرئيس في تحديد مستقبل البلاد، ولكن يبقى هامش المناورة كبيرًا، خاصة مع دول اعتادت على فرض العقوبات وتعاملت معها كأسلوب حياة مثل روسيا وإيران. وبناء على ذلك هناك بعض السيناريوهات المحتمة للمشهد السوري بعد تطبيق قانون قيصر.

أولًا: الحوار المباشر بين واشنطن وموسكو

الواقع الجديد الذي يسعى قانون حماية المدنيين السوريين لفرضه في سوريا قد يفتح الباب مجددًا لحوار مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا يجري خلاله التفاهم على مستقبل سوريا، والوصول إلى صفقات مربحة لكلا الجانبين، وهو ما أبدت موسكو ترحيبها به يوم 10 يونيو الماضي على لسان نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف الذي قال إن موسكو مستعدة للانخراط فورًا في حوار موسع مع الولايات المتحدة حول كل الملفات التي تخص الوضع في سوريا.

بشأن سوريا.. لماذا دعت روسيا واشنطن للحوار قبيل قانون قيصر؟ | SY24

قد يفضي هذا الحوار بقبول روسيا بتغيير شخص الرئيس السوري في مقابل الإبقاء على ما لروسيا من نفوذ على الأراضي السورية وإلغاء العقوبات التي ينص القانون على إمكانية إلغائها من قبل الرئيس الأمريكي، خاصة مع تصريح المتحدثة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية إريكا تشوسانو بأن السياسة الأمريكية في سوريا لا تقتضي إبعاد روسيا، وإنما التوصل إلى حل سياسي وهزيمة داعش ومساءلة النظام السوري. أو تنتج عن الحوار الصفقة التي ستكون مربحة للجميع وهي إخراج إيران من سوريا وفق آليات وخطط واضحة ومُتفق عليها.

ثانيًا: القبول بالمعطيات الأمريكية الجديدة

ولما كان الهدف الأمريكي المعلن من وراء عقوبات قانون قيصر هو توجيه النظام السوري نحو العملية السياسية والدخول في مفاوضات رسمية بشأن مسار الانتقال السياسي بهدف التوصل إلى تسوية سياسية دائمة للأزمة، فإن دمشق وموسكو قد تقبلان الانخراط في هذا المسار.

وهو ما ظهر في تصريح الرئيس الروسي خلال القمة التي جمعته ورئيسي تركيا وإيران مطلع الشهر الجاري بأنه “يتعين الترويج بفاعلية لحوار يشمل الجميع في سوريا ضمن إطار عمل اللجنة الدستورية في جنيف، ولا حل عسكري للأزمة”، وتصريح وزير الخارجية السوري وليد المعلم يوم 23 يونيو الماضي بأنه “لا يوجد مانع في الحوار مع واشنطن تحت شروط سورية”. ولكن القبول بهذا الأمر قد يكون ظاهريًا فقط من قبل دمشق وموسكو لكسب الوقت ريثما يتم الإعداد للمرحلة المقبلة.

ثالثًا: الاستمرار في خيار الحسم العسكري

عقوبات “قيصر” ليست أول ما يُفرض من عقوبات ضد النظام السوري، وبالطبع ضد كل من روسيا وإيران، وبالتالي فإن احتمالية عدم رضوخ أي من الأطراف الثلاثة للضغوطات التي يخلقها قانون قيصر تبقى قائمة وكبيرة، ولكنها قد تكون آخر ما تلجأ إليه الأطراف بعد الدخول في مسارات أخرى، وحينها سيكون خيار الحسم العسكري هو الخيار الواقعي بالنسبة لدمشق وموسكو وطهران، باستعادة سيطرة الحكومة السورية على كامل التراب السوري، وتحديدًا أجزاء الشمال الغربي الخاضعة للهيمنة التركية، ويبقى بعد ذلك الجزء الخاضع لسيطرة الولايات المتحدة والأكراد في الشمال الشرقي محل تفاهمات أخرى.

اللجوء إلى هذا الخيار سيعني أنه لن تبقى أمام دمشق وموسكو وطهران فرص بعده، فإما النجاح وتحقيق السيطرة العسكرية الكاملة على الميدان السوري، ومن ثم فرض إرادتها على مستقبل سوريا، أو الدخول في آتون جديد من الصراعات والمعارك الفرعية سواء مع الفصائل المسلحة أو مع تركيا.

رابعًا: المراوحة والإبقاء على الوضع الراهن

سيكون النهج الأساسي في هذا الطرح هو الالتفاف على العقوبات التي يفرضها قانون قيصر، بالاستفادة من الخبرات الإيرانية بالذات في هذا المضمار، مع الإبقاء على الشكل الحالي للمشهد السوري، ومواصلة الدعم الروسي والإيراني سياسيًا وعسكريًا، ولكن دون الدخول مباشرة في معارك عسكرية كبرى.

 وقد صرّحت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان عند إقرار القانون في ديسمبر من العام الماضي بأن موسكو وطهران لديهما إجراءات خاصة للالتفاف على القانون، وأن الحكومة السورية تنسق مع داعميها لمواجهة الضغوط الأمريكية. وقال نائب الرئيس الإيراني إسحق جهانغيري يوم 18 يونيو الماضي إن طهران لن تدخر جهدًا لاتخاذ أي إجراءات لتقليص الضغوط الاقتصادية على سوريا، “سنعمل على تطبيق الاتفاقات الثنائية الموقعة بين طهران ودمشق في اللجنة الاقتصادية المشتركة ولجنة العلاقات الاستراتيجية في أقرب وقت”. وأكد عضو مجلس الاتحاد الروسي، فلاديمير جباروف، يوم 17 يونيو عزم موسكو على مواصلة دعم سوريا إنسانيًا وعسكريًا وفي الحرب ضد الإرهاب رغم العقوبات الأمريكية، وكذلك مواصلة توسيع وتعزيز قاعدتي حميميم وطرطوس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى