السد الإثيوبي

أستاذ علوم سياسية : زيارة الرئيس الإريتري للقاهرة وثيقة الصلة بأزمة سد النهضة

نشر الدكتور حمدي عبد الرحمن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ، عبر صفحته الخاصة على موقع فيس بوك. منشورًا علق من خلاله على زيارة الرئيس الآريتري آسياس أفورقي الى القاهرة والتي يرى أنها على علاقة وثيقة بأزمة سد النهضة وخاصة بعد أن قام بزيارة إلى أديس أبابا والخرطوم.  

وتذكر عبد الرحمن مقابلة للرئيس الإريتري مع التليفزيون الوطني الآريتري يرجع تاريخها الى عام 2016. عندما سأله إثنان من الصحفيين في الجدل الدائر بين إثيوبيا ومصر والسودان فيما يتعلق بسد النهضة الكبير. وعندها رد “أفورقي” قائلاً أنه عندما قد حضر في العام 1993 إلى القاهرة رفقة رئيس الوزراء إثيوبي الراحل ميليس زيناوي،  لحضور اجتماع منظمة الوحدة الأفريقية، وأخبره ميلس أنه سوف يطرح قضايا مياه النيل على طاولة الحوار، ولكن أسياس قال أنه نصحه بعدم القيام بذلك نظرًا لأن الوقت لم يكن مناسبًا. وسرعان ما التقى أفورقي بميلس وقت العشاء، واكتشف أن الرجل غاضب للغاية. وعندها سأله عن السبب، فأخبره ميلس أنه أخبر المسئولين المصريين أن اثيوبيا تعتزم طرح قضية النيل للنقاش في القمة، وعندها رد عليه المسئول المصري بعبارة “من أنت؟، حتى تفعل ذلك”.  

ويقول عبد الرحمن، بغض النظر عن مدى مصداقية هذه الرواية، فإنه طبقًا لرأي آسياس. إن أيوبيا تعتزم توظيف السد باعتباره أداة سياسية، بحيث تبدو فكرة معاقبة مصر وتطوير ارادتها من خلال سلاح المياه، عبر انشاء سد ضخم بهذا الحجم، ويفوق الاحتياجات التنموية للدولة الاثيوبية مرتبطة بفكر وفلسفة ميليس زيناوي. ومع ذلك يروي عبد الرحمن أن أصل الموضوع أكبر من ذلك بكثير. 

ويعرض أستاذ العلوم السياسية ” أن فكرة بناء سد على نهر النيل منذ وقت طويل وليس في عام 1993 ولا حتى عام 2011 كما يرجعه البعض بسبب قيام ثورة 25 يناير في مصر. 

ويقول أن الثابت تاريخيا أنه على الرغم من العلاقات الطيبة التي جمعت بين الرئيس عبد الناصر والإمبراطور هيلا سيلاسي، إلا أن الأخير استاء من استبعاد الرئيس ناصر له خلال عملية التخطيط لبناء السد العالي في أسوان. وعليه، لم يكن مستغربا أن يتم الطلاق في عام 1959 بين الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية و الكنيسة الأرثوذكسية في الإسكندرية ، بعد نحو ستة عشر قرنا من الزواج المؤسسي.

ويروي  عبد الرحمن أن هيلاسلاسي لم يكتف عند هذه المرحلة، كما أن من خلفه كانت دائما تقف قوى غربية معادية لتوجهات ناصر التحررية المناهضة لقوى الاستعمار. وهو ما ترتب عليه، أن بدأ التخطيط لإقامة عدة سدود على النيل الأزرق وروافده ، حيث ساهم بمبلغ 10 ملايين دولار من الخزانة الإثيوبية في دراسة أجرتها إدارة الاستصلاح الأمريكية وصدر تقريرها النهائي في عام 1964 وعنوانه :” الأرض وموارد المياه في حوض النيل الأزرق : إثيوبيا”.ويذكر الدكتور رشدي سعيد في كتابه عن نهر النيل أن المقترح الأمريكي في ذلك الوقت هو إقامة 33 سدا أحدها في الموقع الحالي لسد النهضة وكان يطلق عليه آنذاك سد الحدود .

ويقول إن سعة الخزان المقترحة لم تكن في ذلك الوقت تتجاوز 14 مليار متر مكعب. فما الذي دفع أبناء ميلس لزيادة الطاقة الاستيعابية لخزان سد النهضة الكبير لتصبح أضعافا مضاعفة 74 مليار متر مكعب؟! 

يقول “حمدي” أن الأمر قد يبدو مثيرًا للشكوك، إذ أن هذا يعني أن الهدف الحقيقي ليس هو الكهرباء ولا حتى الري . ولكن الهدف الحقيقي هو الالتفاف على المحروسة .

وهنا طرح أستاذ العلوم السياسية  تساؤلا آخر، حول ما اذا كان الاثيوبيون بصدد تكرار وعود ميلس إزاء تجربة سد اليسو التركي الذي بدأ اردوغان بملئه العام الماضي ضاربًا عرض الحائط بمطالب كلاً من سوريا والعراق الجرحتين. 

ونقل عبد الرحمن تفاصيل ما استمع اليه بوقت قريب في خلال حديث لأحد الصحفيين الأتراك المقربين من إردوغان، والذي ذكر فيه أن الهدف التركي من أفريقيا ليس الوقوف عند حدود ليبيا والصومال وإنما الوصول إلى تشاد والسنغال ثم كينيا بعد ذلك من خلال إنشاء القواعد العسكرية شرق المتوسط وعند سواحل افريقيا الغربية على المتوسط وخليج عدن. 

ولهذا السبب، يُرجح أن شعور ماكرون بالغضب الشديد من إردوغان لم يكن بسبب تصرفاته في ليبيا وشرق المتوسط فحسب، ولكن الأهم هو طموحاته من اجل التوسع في عقر النفوذ الفرنسي الفرنكفوني في الساحل وغرب افريقيا. 

ويشرح عبد الرحمن كيف تغول دور دول الجوار الغير العربية وامتد نفوذها، وليس المقصود هنا تركيا فحسب، وإنما إيران واسرائيل. والدليل على ذلك، يقول “حمدي”، لا تنسوا حديث البقر. أي لا تنسوا عنما وقف بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي مخاطبًا أعضاء البرلمان الإثيوبي عن مزايا البقرة الاسرائيلية ومستقبل البقرة الاثيوبية في ظل العلاقات الوثيقة بين البلدين. وكلها تساؤلات مشروعة من منظور المصلحة الوطنية المصرية.

واختتم أستاذ العلوم السياسية متسائلاً حول مدى قدرة أفورقي في التوسط وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتفاوضة، أم أن المسألة تتجاوز سد النهضة في إطار لعبة الأمم الكبرى والمتوسطة من أجل كسب السلطة والنفوذ في جوارنا الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى