أفريقيا

ناشطة إريترية : قرار منح رئيس الوزراء الإثيوبي “نوبل” كان “معيبا”

عرض – داليا يسري 

تجدد الجدل مؤخرا  بشأن حصول رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد على جائزة نوبل للسلام لاسيما  بعد اندلاع موجة عنف من قبل الشرطة الإثيوبية تجاه محتجين ومتظاهرين  انتقدوا  اغتيال  المغني الأورومي الشهير هاشاول هونديسا التي ركزت أغانيه على حقوق عرقية الأورومو في البلاد وتحولت إلى أناشيد تصدح بها الحناجر في موجة من الاحتجاجات التي قادت إلى سقوط رئيس الوزراء السابق في 2018.

في أواخر عام 2019، قررت الأكاديمية السويدية منح جائزة السلام لرئيس الوزراء الإثيوبي بسبب جهوده في تحقيق السلام والتعاون الدولي، بعد نجاحه في عقد صلح بين بلاده وإريتريا بعد نزاعات مسلحة دامت لقرابة الـ 20 عامًا. 

وفي الوقت الراهن، وفي ظل اندلاع الاحتجاجات العنيفة عبر جميع أنحاء متفرقة من اثيوبيا. على خلفية اغتيال المغني الأورومي الشهير، الذي ترتب على وفاته وقوع قتلى وجرحى في صفوف المحتجين. بالاضافة الى قيام السلطات الاثيوبية بإغلاق شبكة الانترنت وقطع الاتصالات عن البلاد بأكملها، في ظل شن حملة ممنهجة لإلقاء القبض على عددً من الصحفيين بغرض منعهم عن نشر تفاصيل حول الاحتجاجات. 

وجميع هذه الأحداث تلقي بظلالها على جائزة نوبل للسلام، التي حصل عليها رئيس الوزراء الإثيوبي. وتتسبب في طرح المزيد من التساؤلات حول مدى أحقيته في الحصول عليها! وحول ما إذا كان وجود آبي أحمد بالفعل على رأس السلطة في إثيوبيا قد تسبب في نشر السلم والأمن في بلاده والمنطقة برمتها أم لا!

في ذات السياق، يُذكر أن الناشطة الأريترية فانيسا تسيهاي ومؤسِسة واحدة من المنظمات الحقوقية البارزة المعنية بوقف الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان في أريتريا، قد نشرت مقالاً لها عبر موقع شبكة الـ سي.إن.إن الأمريكية في أواخر 2019، تحت عنوان “رأي: حصول آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام يُعد قرارًا مُعيبًا“. 

انتقدت من خلاله فانيسا حصول آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام، تحديدًا في ظل سجله الداخلي الحافل بالانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان. 

وذكرت “فانيسا” أن سياسات آبي احمد الداخلية لم تكن هي السبب وراء اختياره لجائزة نوبل للسلام. إذ أن اللجنة أوضحت أنه قد تمت مكافئته بسبب مساهماته في انهاء الصراع الحدودي مع إريتريا، واتفاقية السلام بين البلدين التي كان الغرب يأمل في نجاحها بإضفاء نوع من الاستقرار على المنطقة. 

وترى الكاتبة أن هذا “السلام المأمول” بين اثيوبيا واريتريا، لم يكن في الحقيقة له أثرًا يذكر. وأضافت أن المُتابع يجب أن ينظر بمزيد من الدقة الى العلاقة التي تربط بين آبي أحمد ودولة إيتريا، حتى يستطيع أن يدرك بوضوح لماذا كان اتخاذ اللجنة لقرار منحه جائزة نوبل للسلام يُعد بمثابة خطأ فادح وينطوي على رسالة سخرية من معاناة الشعب الإثيوبي. 

وأزالت الكاتبة الغبار عن الرواية الحقيقية حول اتفاقية السلام بين البلدين. وأوضحت أن الدولتين كانتا محصورتان منذ فترة طويلة في حالة من “اللا حرب واللاسلم”، وتم اشاعة انباء بعد ذلك أن ظهور آبي أحمد –الشجاع- في الحكم هو ما تسبب في انهاء هذه الحالة. لكن تقول الكاتبة أن هذه خرافة لا أساس لها من الصحة، إذ أن قرار آبي أحمد بالمضي قدمًا نحو إتمام اتفاقية السلام مع جارته الآريترية، لم يكن قرارًا جديدًا يُعزى فيه الى شجاعة آبي احمد، كما لفتت الى أن هذا القرار لم يكن الهدف من ورائه أن يتم تحسين وضع السكان الآرتيريين. 

وتشرح الكاتبة كيف أن الحرب التي انتهت بين بلدين كانت حرب وحشية لا طائل منها. وأنه تم تصوير هذا الصراع الذي دام لسنوات تزيد على العشر على أنه صراع بين دولة آريتريا ودولة إثيوبيا. بينما في الحقيقة كان هذا الصراع بين جبهة تحرير شعب تيجراى، وزعيم ائتلاف الجبهة الديموقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية الذي يقوده الآن في الوقت الراهن آبي احمد نفسه، بالإضافة الى الديكتاتور الآريتري آسياس أفورقي. 

وتستطرد الكاتبة في شرح حالة الجمود التي كانت تتراوح بين “اللاسلم واللاحرب”، وتقول الكاتبة أنه عند حصول إريتريا على استقلالها عن اثيوبيا في أوائل التسعينيات، أدى الفشل في التوصل الى حل بخصوص النزاع الحدودي الى اندلاع حرب قاتلة استمرت لمدة أعوام متتالية، وأودت بحياة ما يزيد على 80 ألف شخص في البلدين.  

وتشير الكاتبة، إلى أنه على الرغم من أن اتفاقية الجزائر لعام 2000 قد نجحت في إنهاء الأعمال العدائية بشكل رسمي، إلا أن الجبهة قد رفضت ترسيم الحدود وفقًا للإتفاق الذي وضع الحكومتين في مأزق اللاسلم واللاحرب. وترتب عليه انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإغلاق الطرق الحدودية والجوية بينهما كذلك. 

و ترتب على هذه الانقطاعات تأثيرات سلبية للغاية على البلدين، حيث توقفت جميع الشحنات التجارية بينهما، وفقدت اثيوبيا القدرة على الوصول الى السواحل كما استخدمت موقعها القوي على الساحة الدولية وعملت على عزل اريتريا دبلوماسيا. بينما علم اسياس افورقي على اقناع الشعب الآريتري أن الفشل في ترسيم الحدود يشكل تهديدا لأمن اريتريا القومي، ويعرض البلاد لخطر الحرب المستمر. 

وتقول الكاتبة أن هذا التهديد تم استخدامه كذريعة لأجل رفض تطبيق الدستور الآريتري، وتجنيد الشبان وضمهم الى صفوف الخدمة الوطنية الى اجل غير مسمى، وإخضاع عدد لا يحصى من الأشخاص للسجن من دون عرضهم على محاكمات، وإغلاق الصحافة الحرة والمؤسسات الديموقراطية الاخرى. 

وفجرت الكاتبة في مقالها مفاجأة قلما تم الحديث عنها في وسائل الإعلام، حيث أشارت الى أنه بعد مرور أكثر من عام على توقيع اتفاقية السلام المذكورة بين البلدين. لم يتم تنفيذ مبادئ اتفاقية الجزائر ولا يزال الجنود الإثيوبيون موجودون في أماكنهم على الحدود ويواصلون المضي قدمًا في احتلال الأراضي الآيترية، والمثير للانتباه أن أيًا من البلدين لم تُعلن عن تفاصيل الإتفاقية الأخيرة. 

وتؤكد الكاتبة أن بنود اتفاقية الجزائر بشأن ترسيم الحدود بين البلدين لم يتم تطبيقها بعد. وتتساءل حول كيف تمكن آبي احمد من اقناع آفورقي بالموافقة على اتفاقية سلام من دون تلبية أي من المطالب الآريترية السابقة؟! وترد الكاتبة قائلة، أنه قد يبدو آبي بمثابة الرجل الذي صنع معجزة، لكنه في الحقيقة لم يفعل أبدًا. وتساءلت عن السبب الذي يجعل الأثيوبيون يعتقدون أن رئيس وزرائهم الجديد هو نبي.

وأخذت الكاتبة بعد ذلك، تتابع شرحها لطبيعة الحزب الذي يقوده آبي احمد في الوقت الراهن. وقالت، إن هذا الحزب هو حزب أورومو الديموقراطي الذي خلف جبهة التحرير الشعبية في قيادة ائتلاف الجبهة الديموقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، وتباعا لذلك الدولة الإثيوبية كلها. وكان للحزب تاريخًا طويلاً في الخلافات مع النخبة الحاكمة لجبهة تحرير تيجراي الشعبية. 

وعندما بدأ شعب أوروميا في تنظيم احتجاجات ضخمة ضد سياسات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، تم اختيار آبي أحمد وحزبه لأجل قيادة إثيوبية، على أمل تخفيف حدة الاحتجاجات وغيرها من المشكلات في المنطقة. في الوقت الذي كان آسياس أفورقي قد أمضى فيه السنوات العشر الأخيرة في دعم جماعات المعارضة الإثيوبية  وتأسيس علاقات مع فئات من الأورومو.  

وتقول الكاتبة، أنه بالإضافة الى المكاسب المالية الضخمة التي أدت اليها اتفاقية السلام بين البلدين، يذكر أيضًا أن آبي أحمد وأفورقي كانا قد اتفقا على استخدام –غطاء السلام- لأجل عزل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى والتى أحرزت نقاطًا سياسية لكلا الطرفان. وهو ما يفسر السبب وراء عدم ترسيم الحدود الإريترية الاثيوبية حتى هذه اللحظة، وأنه لم يتم ايضًا حتى الآن عقد سلام فعلي مع الجماعات التي بدأت الصراع الحدودي الأصلي، كما أن جبهة تحرير تيجراي والحكومة الآريترية يظلان في صفوف الأعداء. 

وتقول الكاتبة، “سألني العديد من الإثيوبيين لماذا أواصل انتقاداتي لقرار منح آبي أحمد جائزة نوبل للسلام من منظور إريتري، بحجة أنه لا يتحمل مسئولية إصلاح مشكلاتنا الخارجية”. وتشرح أسبابها بعد ذلك، وتقول إن منحه الجائزة يعد أمرًا غير صائبًا نظرًا لأنها صفقة تفتقر إلى تحقيق إصلاحات للشعب الآريتري ولا يبدو أنها تحتوي على أي نوايا للإصلاحات كذلك. لكن لجنة جائزة نوبل تأمل في نجاح الصفقة في تحقيق السلام، وتعتمد على فرضيات تقتضي بأن النزاع كان هو العقبة الرئيسية الوحيدة في طريق السلام مع آريتريا.  

وتوضح الكاتبة الحقيقة، قائلة أن فرار مئات الآلاف من آريتريا لم يكن بسبب الانتهاكات الجمة في مجال حقوق الانسان التي شهدتها البلاد. لكن كانت تعزى بشكل رئيسي الى الاجراءات الداخلية التي تم اتخاذها في أعقاب اندلاع النزاعات الحدودية بشكل لا يتناسب مع الحجم الحقيقي للتهديدات، ولم يُعاقب عليها أي شخص بشكل رسمي باستخدام أي أجراء قانوني آريتري. فقد آثرت الحكومة الآريترية ببساطة استخدام الحرب كذريعة لتحقيق اهدافها.

وتعود الكاتبة مرة أخرى للتأكيد على رأيها بشأن أن قرار منح آبي أحمد لجائزة نوبل يُعد قرارًا معيبًا، لأن التوقيع على اتفاقية السلام لم يرافقه تحقيق أي إصلاحات أو تحسينات في آريتريا. ولفتت الى أن الحدود التي تم فتحها بين البلدين لفترة وجيزة فحسب، تم معاودة إغلاقها بسرعة. بالاضافة الى ذلك، لم يتم تطبيق الدستور، وتطبيق الخدمة الوطنية في صفوف الجيش الآريتري لايزال غير مقرونًا بفترة زمنية محددة، ولا يزال من الممنوع الإنشقاق عنها. وفي هذا السياق ذكرت الكاتبة، كيف تم الزج بوزير مالية سابق في السجن بشهر أكتوبر 2018، بعد مرور ثلاثة أشهر من توقيع اتفاقية السلام، وكل ذلك بسبب قيامه بنشر كتاب ينتقد فيه النظام الآريتري. 

وبالإضافة الى ذلك، أوضحت الكاتبة أنها تنتقد قرار لجنة نوبل الذي أكدت مرة أخرى على وصفه بـ -المعيب- لأنه ساهم في شرعنة نظام أسياس أفورقي مما أعاق الجهود المبذولة لإحلال السلام في آريتريا.

كما أن ظهور آبي أحمد المستمر برفقة أسياس أفورقي، وقيامه بالعمل على حشد حلفاء إثيوبيا لصالح أفورقي، قد ساهم في تخفيف الضغط على الديكتاتور. وذكرت الكاتبة أنها قد تلقت دعوة لأجل التحديث في إحدى جلسات الأمم المتحدة في وقت سابق من هذا العام، وشعرت بصدمة كبيرة جراء الدعم الكبير الذي لاحظته لإيتريا.

فيما لفتت الكاتبة الى تفاصيل ما اقترحه آبي احمد على بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، حول ضرورة عقد علاقات صداقة مع الآريتريين لأن هذا الأمر سوف يمنحه القدرة على الوصول الى طرق مبتكرة وفعالة يمكنه من خلالها ترحيل اللاجئين الآريتريين من بلاده. هذا على الرغم من أن هؤلاء اللاجئين يواجهون تهديدات بالتعذيب ومن المؤكد أن ترحيلهم سوف يشكل انتهاكًا واضحًا للمبادئ الدولية لحقوق الإنسان. 

 وعليه، تخلص الكاتبة الى أن اتفاقية السلام بين اريتريا واثيوبيا لم تكن في الحقيقة تتعلق بضرورة انهاء النزاع الحدودي أو حتى إحلال السلام في آريتريا. فقد كانت عبارة عن خطوة سياسية استراتيجية من قِبَل آبي أحمد، ترتب عليها فوائد مالية ودبلوماسية واسعة لكلا الطرفين وساهمت في توحيدهم ضد عدوهم المشترك. 

واختتمت الكاتبة مقالها، مشيرة إلى تعليق أحد مستخدمي موقع تويتر، الذي اقترح أن يحصل آبي احمد على جائزة اوسكار بدلاً عن جائزة نوبل للسلام. وأوضحت أن كلاهما أثبتا قدراتهما التمثيلية العالية، فقد تحولوا فجأة من غرباء الى أصدقاء وارتدوا ملابس الزفاف وقطعوا الكعكة وتبادلوا الخواتم وشربوا الشمباني، وتحدثوا باستمرار بمحبة عن بعضهم البعض. وكل ذلك فعلوه فقط لأجل إرسال رسالة قوية لجمهورهم. ووصفت الكاتبة هذا التصرف، بأنه انتهازية سياسية وليست محاولة لإحلال السلام في حياة الشعب الآيتري.

وترى الكاتبة أن فهم كل ما عرضته من حقائق لم يكن أمرًا عصيًا على هيئة مختصة وذات موارد مالية كبيرة مثل لجنة نوبل. ولهذا السبب قالت، إن تجاهل الشعب الآريتري ومعاناته لم يكن بفعل كسل –اللجنة- لكنه كان قرارًا متعمد وتم اتخاذه عن سابق معرفة وفهم واضح لكل شيء. وقالت الكاتبة، “آمل ألا يحذو بقية العالم حذوهم، وأن يبادروا بدلاً عن ذلك الى دعم جهود الشعب الآريتري من أجل السلام والعدالة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى