تركيا

كيف تؤثر استراتيجية “الوطن الأزرق” التركية على النشاط الإرهابي في دول الساحل والصحراء؟

“MAVI” كانت تلك الكلمة والتي تُنطق “مافى”، الاسم الكودي لجميع الطائرات العسكرية التركية التي شاركت في آخر مناورة تدريبية موسعة “البحر المفتوح”، في 11 يونيو 2020، في مسرح عملياتي بحري وجوي امتد ألفي كيلومتر، استمرت لثمان ساعات، بداية من ولاية قونيا وصولاً لقبالة سواحل طرابلس ومصراته، وذلك بمشاركة أكثر من 17 مقاتلة وثلاث طائرات تزود بالوقود “KC-135″، وطائرة حرب الكترونية وقيادة وسيطرة “ E-7T (13-002)“، فضلاً عن 8 فرقاطات تابعة لقيادة القوات البحرية. التشكيل القتالي السابق تم إعداده لاختبار قدرة القوات المسلحة على تنفيذ مهام عمليات المسافات الطويلة حسب بيان وزارة الدفاع التركية. لكنه عكس وبوضوح محورية الحرب الحديثة “الجو – بحرية” بالنسبة لصانع القرار في أنقرة كأداة رئيسية ضمن استراتيجيات الهيمنة والتوسع.

“MAVI VATAN”، تُنطق بالتركية “مافي فاتان”، وتعني “الوطن الأزرق”، المحرك الرئيسي لتفاعلات العسكرة التركية في ثلاثة مسارح بحرية، البحر الأسود، بحر إيجه، البحر المتوسط. حيث تعتبر “الوطن الأزرق” استراتيجية أنقرة للهيمنة والتوسع على المسطحات المائية التي تطل عليها. دلالة الكود الذي وُسِمَت بها جميع الطائرات العسكرية التركية المشاركة في مناورة “البحر المفتوح”، تؤشر لانتقال “الوطن الأزرق” من أدبيات عسكرية وطموحات توسعية في مخيلة الجنرالات والأدميرالات القوميين، لواقع حقيقي يقود صانع القرار في تركيا ويهمين على ذهنيته التكتيكية والاستراتيجية. فكيف بدأت الاستراتيجية وكيف تبدوا أبعادها؟ وهل وصلت وأثرت على التفاعلات الأمنية بالصحراء الكبرى؟

الوطن الأزرق.. “ميلغم” والبحار الثلاثة

“دولة المضائق”، هكذا تُوصَف تركيا في أدبيات الجغرافيا السياسية ولاسيما تلك الأوراسية، إذ تطل على مضيقين، “البوسفور – الدردنيل” نافذة روسيا على المياه الدافئة، ونقاط الربط بين البحر الأسود وبحر إيجه والبحر المتوسط. إذ تمر في المضايق سفينة روسية حربية كل 36 ساعة، وأكثر من 28 ألف سفينة تجارية سنوياً. تبلغ حدود تركيا حوالي 9.848 كم، منهم 7.200 كم شواطئ على البحر، ما جعلها في محطات تاريخها المعاصر تولى الجانب البحري اهتماماً كان يعادل أو يفوق في مواضع كثيرة سائر الأفرع الميدانية لقواتها المسلحة. ومع انهيار الدولة العثمانية، تحولت تركيا علي يد مصطفي كمال اتاتورك لنموذج لدولة قومية لا تُخفي نزعتها للهيمنة على دول الجوار، ولهذا أعطي أتاتورك فور توليه زمام القيادة؛ الأولوية لبناء نظام دفاعي قوي على ثلاث جبهات بحرية، إلى أن ثبتت القوات التركية أول نقطة خارج حدودها في دائرة شرق المتوسط باحتلال شمال قبرص في العام 1974. ومنذ ذلك التاريخ انقلب نمط التواجد البحري التركي وخاصة قبالة السواحل الغربية، من الدفاع الثابت، للهجوم الدفاعي، من خلال تعزيز الترسانة البحرية وتفعيل سياسة “الانتهاكات” الدورية للمجال البحري والجوي للجارتين قبرص واليونان. فضلاً عن تعزيز موضعها في حلف شمال الأطلسي كنقطة استراتيجية صعبة المنال أمام خطط الروسي للعودة من جديدة للمياه الدافئة بعد الحرب الباردة. 

وعلى الرغم من إيلاء الحكومات التركية المتعاقبة منذ مطلع التسعينات اهتماماً بتطوير الترسانة العسكرية ولاسيما القوة المدرعة، إذ انخرطت أنقرة في برامج لتحديث دبابات القتال الرئيسية “M60″، وتحديث مقاتلات الفانتوم؛ إلا أن ما من ثمة استراتيجية جدية كانت لتشمل تحديث وتطوير البحرية التركية، حتى العام 2004، ففي هذا العام أطلقت تركيا مشروع “ميلغم” والذي يعني اختصاراً باللغة التركية “السفينة الحربية القومية”. هدف المشروع تقليل اعتماد الترسانة الدفاعية على الخارج، والبدء في تصنيع قطع بحرية عسكرية بمكونات محلية. ويتكون المشروع من ثماني سفن حربية محلية الصنع، تم الانتهاء من بناء أربع من طراز “كورفيت” في إطار هذا المشروع، حيث بدأت الأعمال لبناء السفينة الخامسة “فرقاطة إسطنبول”، بعد استلام القطعة البحرية الرابعة في سبتمبر من العام الماضي. 

عكس الاهتمام التركي بترسيخ قاعدة التصنيع المحلية الحربية للقوات البحرية، منذ العام 2004، وبداية من العام 2011 وانطلاق موجات ما يُسمي بالربيع العربي؛ رؤية تركيا لضرورة تنفيذها لعملية تموضع أحادي في المسارح البحرية الثلاثة تعوض حصصها الضئيلة من منابع الطاقة، وما عزز ذلك خروجها من معترك الحرب السوري بتسويات مع الجانب الروسي والأمريكي لم تحصد من خلالها أية مكاسب حقيقية على صعيد التحول لمركز إقليمي لتداول الطاقة في المنطقة، ما ساهم في زيادة الاعتماد علي عسكرة التفاعلات المنخرطة بها تركيا بالتوازي مع صعود جنرالات ذوي نزعات قومية أوراسية معادية للغرب في رئاسة الأركان البحرية دفعت بتحول ما بات يُعرف بـ “الوطن الأزرق” لاستراتيجية حاكمة للتحركات التركية في مسارح البحار الثلاث.

الوطن الأزرق.. من أدبيات عسكرية لاستراتيجية حاكمة

علي عكس الشائع بأن “الوطن الأزرق” مصطلح يعود لرئيس أركان القوات البحرية التركية الأسبق، “جهاد يايجي”، فإن العقل الذي صاغ أدبيات “الوطن الأزرق” كان قائد الأسطول التركي السابق “رمضان جيم غوردينيز”. حيث طرحها لأول مرة في العام 2006 خلال ندوة في مركز قيادة القوات البحرية. 

“سطح هذا الوطن وجسمه المائي وقاع البحر والكتلة الأرضية تحت قاع البحر ملك لنا. حجم هذا الوطن يساوي نصف مساحة أرضنا”. في الواقع، تساوي المناطق المعنية حوالي 462 ألف كيلومتر مربع“. هكذا تحدث الأدميرال “غوردينيز”، الذي تصنفه الدوائر الغربية كمتطرف كلاسيكي معادي للغرب. جرى تطوير أفكار غوردينيز في كتاب من 528 صفحة بعنوان “كتابات عن الوطن الأزرق”، وكذلك في عموده المعتاد في صحيفة أيدينليك اليمينية المتطرفة. كما يرأس مركزاً للبحوث يسمى منتدى “كيه يو” البحري في جامعة كوج المرموقة. كما تعرض للاعتقال في العام 2011، بسبب صلاته بتنظيم “ارجينكون” أو ما يُعرف بالدولة العميقة في تركيا، وأُدين وحُكِم عليه بالسجن 18 عاماً إلى أن تم الإفراج عنه في العام 2015 بعد تبرئته. في تلك الفترة صعد نجم أدميرال آخر “جهاد يايجي” رئيس أركان القوات البحرية التركية، حيث نشر بدوره كتاباً عن عقيدة الوطن الأزرق، وتعده الدوائر المعنية بالشؤون التركية وراء الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في نوفمبر من العام الماضي. 

مثلت اتفاقية أنقرة مع حكومة الوفاق في نوفمبر 2019 الخطوة التنفيذية الأولي لبسط السيطرة التركية على المسطحات المائية المطلة عليها ولاسيما في شرق المتوسط، ضمن عقيدة “الوطن الأزرق”، ضمن بيئة استراتيجية يمكن عد أبرز ملامحها في الآتي

  1. إحكام التحالف الاستراتيجي بين (مصر – قبرص – اليونان) قبالة السواحل الغربية التركية، وتحول الثلاثي لنموذج للتعاون الإقليمي أثمر عن إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط في يناير 2019.
  2. استمرار العقوبات الأمريكية على الشركات المساهمة في إنشاء خط الغاز الروسي “نورد ستريم”، وبناء الولايات المتحدة لقاعدة تصنيعية كبري لتسييل الغاز وصلت لـ 17 منشأة.
  3. إلغاء حظر توريد السلاح المفروض على جمهورية قبرص.
  4. انتهاء المعارك الكبرى في الحرب السورية منذ العام 2016، وإبرام تركيا تسويات مع الجانبين الأمريكي والروسي ضمن مسرح عملياتي بالشمال السوري لم يضعها في أي من معادلات الغاز الناشئة بشرق المتوسط.
  5. تطهير شرق ليبيا من الجماعات والتنظيمات المسلحة وتعاظم قدرات البحرية المصرية ولاسيما عمليات الإنزال والهجوم البرمائي بعد استقدام حاملتي المروحيات ميسترال للخدمة ضمن اسطولين مصريين في البحرين الأحمر والأبيض المتوسط.
  6. الخروج من برنامج مقاتلات السيادة الجوية – إف 35 – في ضوء استلام منظومة الدفاع الجوي الصاروخية الروسية إس -400.
  7. الاستحواذ المصري علي فائض الغاز القبرصي والإسرائيلي ضمن صفقة مع الجانب الإسرائيلي بلغت 85 مليار متر مكعب من الغاز بقيمة 19.5 مليار دولار من حقلي لوثيان وتمار الإسرائيليين على مدى 15 عاما. والتصديق على إنشاء أنبوب للغاز الطبيعي من حقل أفروديت القبرصي لمحطات الإسالة المصري علي ساحل المتوسط.

الوضع المتأزم لتركيا في البيئة الاستراتيجية الممتدة من الميدان السوري وصولا لشرق المتوسط، عبّرت عنه تصريحات الرئيس التركي المتعددة، التي أبرزت حقيقة تجاهل معادلات الطاقة الناشئة بالمنطقة لتركيا، حيث صرح في ديسمبر الماضي على هامش حفل للقوات البحرية التركية لتدشين أول غواصة محلية الصنع: “”إذا تخلينا عن الإجراءات التي بدأناها مع قبرص (التركية) وليبيا فإنهم (اليونان وداعموها) لن يتركوا لنا ساحلا ندخل منه البحر”.

كما تجدر الإشارة للمدي العملياتي القصير نسبياً لقطع البحرية التركية المصنعة محلياً، مقارنة بمثيلاتها المصرية واليونانية التي تبلغ أمديتها الضعف تقريباً، ظهرت الحاجة التكتيكية لتثبيت نقاط وقواعد بحرية قريبة من الجغرافيا التركية، وكذا من مجال التحرك والتوسع البحري. وعليه، عززت تركيا من تواجدها العسكري في الشطر الشمالي لجزيرة قبرص، عبر إنشاء مرابض للطائرات المسيرة، كما عززت من انخراطها العسكري في ليبيا من خلال جسر جوي وبحري على مدار الساعة، بُغية الاتجاه لفرض وقائع ميدانية بشرق المتوسط أملاً في الحضور ضمن معادلات الطاقة الناشئة، فضلاً عن إنشاء بنية تحتية عسكرية دائمة لها مطلة على الساحل الليبي. التحرك التركي لتثبيت نقاط دعم بحري في الساحل الغربي الليبي، جاء بالتزامن مع تثبيت أنقرة لتواجد في الخليج العربي – قاعدة طارق بن زياد – في قطر، وقاعدة عسكرية أخري بالصومال تطل علي بحر العرب، ومحاولة للتواجد في البحر الأحمر من خلال جزيرة سواكن، حيث تبددت هناك أحلام التواجد العسكري التركي مع سقوط البشير.

بيد أن الاهتمام التركي البالغ في تجهيز بني تحتية عسكرية تتيح لأنقرة شن عمليات بحرية – جوية، ضمن نطاقاها الإقليمي، تزامن مع تسرب “إقليمي” للنشاط الإرهابي. حيث انتقل الإرهاب من الجغرافيا السورية والعراقية، لإقليم الساحل والصحراء الذي جاء في المرتبة الثانية كأكثر الأقاليم تعرضاً للهجمات الإرهابية في تقرير مؤشر الإرهاب الدولي لعام 2019، بعد إقليم جنوب شرق آسيا. فضلا عن نقل تركيا لقرابة 15 ألف مرتزق سوري من شمال سوريا لما وراء الخط الأحمر المصري (سرت – الجفرة). 

كما يٌلاحظ ارتباط التواجد العسكري التركي لتأمين النقاط البحرية التابعة لها في إفريقيا بعلاقات وثيقة مع الفواعل العنيفة من غير الدول ولاسيما تلك الإرهابية ضمن قوائم الأمم المتحدة، ففي الصومال أظهرت وثائق مركز نورديك مونيتور المعني بدراسات الإرهاب والاستخبارات عن دعم تركي لحركة شباب المجاهدين. 

وفي ليبيا، تقدم أنقرة دعما عسكرياً سخياً لميليشيات الوفاق التي تُدار من قِبل أفراد مدرجين على قوائم الإرهاب بمجلس الأمن. ونظراً لسيطرة الجيش الليبي على أكثر من 75% من مساحة البلاد وتأمين الحوض الجنوبي، سعت أنقرة للتواجد جنوب الجغرافيا الليبية وتحديداً في دول الساحل والصحراء عن طريق توطيد العلاقات مع قبائل الطوارق التي يمتد نشاطها لدول مالي وتشاد والنيجر. الجدير بالذكر أن تلك الدول قد زارها الرئيس التركي ضمن جولات متتابعة منذ ديسمبر العام 2017.

  • النقاط السوداء تمثل تواجداً عسكرياً تركياً – عدا السودان 
  • النقاط الحمراء تمثل زيارات تركية رسمية أجراها رئيس الدولة، وأفرزت عن نفوذ في تلك النقاط الحمراء، وهي بمثابة نقاط يمكن من خلالها تغذية الصراع في ليبيا.

مع النقلة النوعية في طبيعة النشاط الإرهابي العابر للحدود، وظهور تنظيماته كجيوش صغيرة مجهزة بأفضل إمكانات الحرب المحدودة في المسارح البرية، كان يتحتم على القوى الداعمة لهذه التنظيمات الإرهابية تأمين إيصال الإمدادات لتنفيذ لتوظيفها في مسارات السياسة والحرب على الأرض. 

من هذه الأدوات، كانت المنظمات الخيرية والإغاثة التركية، التي كانت تنقل بحسب العديد من التقارير الدولية لمراكز دراسة الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، الأسلحة لتنظيمات داعش والقاعدة بصورة مباشرة وعبر وكلاء من خلال سيارات وقوافل المساعدات الإنسانية.

تعتبر “مؤسسة حقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية التركية”، هي المؤسسة المعنية بالواقعة المشار إليها سلفا، فبحسب وثائق مقدمة لمجلس الأمن، ووفقا لملف التحقيق السري الأممي الذي تم نشره لاحقاً، فإنها تورطت في دعم تنظيمي داعش والنصرة الإرهابيين من خلال قنوات الإغاثة. وهي ذاتها التي استقبلت وفداً من شيوخ الطوارق في ليبيا (10 قيادات) في إبريل من العام 2018 في إسطنبول.

ختاماً، يمكن القول بأن رحلة البحث التركية عن بني تحتية عسكرية – بحرية لها في شرق وشمال إفريقيا، ترتبط عضوياً بتبعات الانخراط مع الجغرافيا السياسية بعقيدة “الوطن الأزرق”، ومحصلات المبارز الاستراتيجية بين تركيا والتحالف الخماسي المناوئ لها (مصر، قبرص، اليونان، فرنسا، الإمارات)، بيد أن استمرار الجيش الليبي إغلاق الحوض الجنوبي الليبي بوجه النشاط الميليشياوي المتحالف مع تركيا، يدفعها بالاستثمار في الفواعل العنيفة من غير الدول جنوباً، وهو ما دلّ عليه الاهتمام التركي البالغ بقبائل الطوارق، وزيارات الرئيس أردوغان لمالي وتشاد والنيجر، وزيادة التوترات الفرنسية – التركية بشرق المتوسط وشمال سوريا، وتصاعد احتمالات انتقالها لمنطقة الساحل والصحراء كون فرنسا الفاعل الدولي الأبرز هناك، حيث يوجد أكثر من 100 مليون ناطق بالفرنسية في إفريقيا، أي ما يقرب من نصف عدد الناطقين بالفرنسية في العالم. كما تقود فرنسا عمليات مكافحة الإرهاب بداية من عمليات “G5″، وصولاً لعمليات “برخان” المستمرة حتى الآن. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى