سياسة

أستاذ علوم سياسية يستعرض تفاصيل ما أطلق عليه “حفل منتصف الليل وسد النهضة”

استعرض أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حمدي عبد الرحمن حسان في مقال له نشر عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)  تفاصيل ما أطلق عليه “حفل منتصف الليل وسد النهضة“. 

وذكر حسان، في المقال، أن جلسة مجلس الأمن المتعلقة بمسألة سد النهضة، كانت تتشابه الى حد كبير مع حفلات الزمن الجميل. عندما كانت الفقرة الأخيرة تذهب للنجم الأكثر شهرة وتأثيرا، واصفا كلمات الوفود بأنها بدت رتيبة في نبرتها مكررة في مضمونها، حتى ظهر سامح شكري وزير الخارجية . 

ويستعرض “عبد الرحمن” عددا من الملاحظات على مضمون الرسالة المصرية في مجلس الأمن. يقول إن ملاحظته الأولى كما تم ابرازها بالأمس، وهي أن مصر ورغما  عن أنف المرجفين من أعضاء حزب الكنبة، لديها تقاليد مدرستين عريقتين في الري والدبلوماسية. والملاحظة الثانية هي أن إحالة الملف الى مجلس الأمن الدولي كانت خطوة موفقة في ظل الحرب الدعائية التي تمارسها إثيوبيا على مدى عقد من الزمان. وسر نجاح هذه الخطوة من وجهة نظره يتلخص في أن اليوم بات ما كان يجري في دهاليز المفاوضات معلوما للكافة. كما أنه لم يكن من المنتظر أن يصدر المجلس بتوازن القوى الحاكم فيه قرارًا ملزمًا بموجب نصوص الفصل السابع، ويسن سابقة دولية في نزاع مائي وهو ما لا ترضاه بعض الدول مثل الصين التي تشهد خلافًا مماثلًا مع جيرانها. 

الملاحظة الثالثة، والتي قد تبدو سلبية بعض الشيء، وهي تدور حول أن جنوب افريقيا تحديدًا قد عملت على سحب البساط من تحت طاولة مجلس الامن. من خلال الاعتماد على أن المنظمات الإقليمية هي الأولى في نظر النزاع بين دولها وهو ما يعني عدم عدالة نظر مجلس الأمن لملف سد النهضة، وهو ما بدأ به وكرره المندوب الإثيوبي في بداية كلمته. كما يرى “عبد الرحمن”، أن الأدهى من كل ذلك، هو أن ممثل جنوب افريقيا انتقد من الناحية الإجرائية قضية سد النهضة وهي قضية تنموية بنظره تحت بند السلم والأمن في افريقيا طبقًا لجدول أعمال الجدول. وتعليقًا على هذه النقطة، طرح “عبد الرحمن” تساؤل حول هل هناك ثمة تواطؤ اثيوبي مع جنوب افريقيا؟! ربما يكون ذلك واردًا وهو يفرض الحذر الشديد. 

المُلاحظة الرابعة، تبدو واضحة للعيان في محاولة تقديم السودان كوسيط في المفاوضات الثلاثية. والدليل على ذلك يتجلى بوضوح فيما ورد بحديث عددًا من المندوبين. وعلى الرغم أن الموقف السوداني له رؤية مختلفة عن مصر من حيث منافع السد له، فإنه مع ذلك يرفض الاتفاق الجزئي تمامًا بنفس درجة عدم قبوله بالتصرفات الاثيوبية المنفردة في مسألة توقيت البدء في ملء السد، قبل التوصل الى اتفاق شامل وملزم بشأنه. وهذه التفاصيل يرى “عبد الرحمن” انها كانت تظهر بوضوح خلال كلمة السودان بالأمس. 

اما عن الملاحظة الخامسة، فهنا يقول “عبد الرحمن” أنها تتمثل في وجود اتفاق بين الجميع على منح الاتحاد الأفريقي حق الوساطة وفقًا للجدول الزمني المعلن، والتوافق بين الدول الثلاثة على الامتناع عن القيام بتصرفات أحادية وهو ما يفهم منه عدم الملء قبل الاتفاق. ويُذكر أن المندوبين بما فيهم المندوب التونسي كانوا قد تحدثوا بشأن هذه النقطة وكأنهم يقرأون بيان الاتحاد الأفريقي. 

كما تتلخص الملاحظة السادسة، في ترديد الجميع بأنه تم التوصل إلى 90% من القضايا الخلافية فيما يتعلق بالنواحي الفنية. وهذا حق قد يُراد به باطل، حيث أن المتبقي هو ما يتعلق بالحقوق المصرية المتمثلة في إطار قانوني ملزم وآلية لتسوية النزاعات وتحديد مفاهيم الجفاف والضرر الجسيم.

بعد ذلك، يعود “عبد الرحمن” مرة أخرى الى لحظات ظهور نجم الحفلة كما يصفه، وهو سامح شكري وزير الخارجية المصري. ويقول عن اللحظات التي تسبق ظهوره أنها كانت لحظات متثاقلة للغاية. ولكنها سرعان ما تبددت حتى ظهر شكري وهو يتسلح بميراث طويل من المخزون الحضاري والثقافي المصري كما عكسه في الخلفية تمثال الفنان المصري ومتوشحًا بعلم المحروسة المهيب. ويُعلق “عبد الرحمن” على خطاب شكري، قائلاً إن لغته كانت سلسة وحازمة في نفس الوقت، وهو ما يُجسد عدالة وصدق القضية المصرية. ويسترسل عبد الرحمن قائلاً إن هناك ثمة جملة واحدة لو اكتفى بها الرجل لمثلتني وهي “أن مصر سوف تدعم وتحمي مصالحها الحيوية لشعبها، البقاء ليس مسألة اختيار، بل هو ضرورة تمليها الطبيعة”.  

ويشرح بعد ذلك “عبد الرحمن” ركائز الرسالة المصرية خلال جلسة مجلس الأمن. ويقول إنها تقوم على الأسس التالية، 

  • أولاً، رفض الادعاءات الإثيوبية التي تقضي بسقوط الاتفاقيات الدولية الحاكمة لنهر النيل التي تمت خلال الحقب الاستعمارية. وهي ما تعد ركيزة أساسية في الدعاية الاعلانية الإثيوبية. وفي هذا الصدد، قال شكري بلغة واضحة ومن دون التفافات وتحايلات كلامية، “إنه من المحبط للغاية أن مصر تعرضت طوال المسار المتقلب لهذه المفاوضات بشأن سد النهضة، لحملة لا مبرر لها من الادعاءات، التي لا أساس لها والتي تشير الى اننا سعينا الى إلزام الأطراف الأخرى باتفاقيات من عصر الاستعمار المظلم. لكن الحقيقة هي أن كل معاهدة تتعلق بالنيل ابرمتها اثيوبيا ووقعت عليها حكومتها، دون إكراه أو غصب، وفعلت ذلك وهي دولة مستقلة وذات سيادة”. ثم نقل عبد الرحمن بقية حديث وزير الخارجية، عندما تابع مشيرًا الى المعاهدة التي تم التوقيع عليها بحرية من قِبَل امبراطور الحبشة في عام 1902، والتي تحظر بناء أي مشروعات مائية على النيل الأزرق وتؤثر على التدفق الطبيعي للنهر، وكذلك اتفاقية التعاون الإطاري التي وقعها عن طيب خاطر رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي والرئيس المصري عام 1993، بالإضافة الى اتفاقية إعلان المبادئ لعام 2015. وشدد شكري على قول إن جميع هذه المعاهدات تظل ملزمة ونافذة. 
  • ثانيا، رفض الحديث عن المظلومية التاريخية الإثيوبية وكأن مصر هي التي تسببت في تأخر اثيوبيا. حيث تم خلال الجلسة الإشارة الى القاعدة الحاكمة في الفكر المصري وهذه تقوم على مبدأ –لا ضرر ولا ضرار- وتشدد على ضرورة الالتزام بالمنفعة المتبادلة. وقد تم لأجل التأكيد على هذه الحقيقة الاقتباس من خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في عقر دار البرلمان الإثيوبي حينما قال بكل وضوح “إننا نشجع على إرساء الأسس لمستقبل أفضل لأطفالنا وأحفادنا.. مستقبل يكون فيه جميع التلاميذ في اثيوبيا لديهم الحق في الحصول على الكهرباء. وفي نفس الوقت يكون لدى الأطفال في مصر الحق في شرب الماء من النيل كما فعل آباؤهم وأجدادهم”. 
  • ثالثا، التوكيد على المطالب المصرية بضرورة إلزامية أي اتفاق يتم التوصل إليه وتعريف المصطلحات بوضوح مثل الجفاف والضرر الجسيم وانشاء آلية للتحكيم. وأضاف الخطاب بذكاء شديد مسألة أمان السد وإلى أن الخبرة الاثيوبية في بناء السدود شهدت حالة انهيار للسد بعد بنائه. 
  • رابعًا، أوضحت مصر أمام العالم أجمع ما تم الاتفاق عليه في دهاليز اجتماع قمة مكتب الاتحاد الإفريقي. إذ أنه تماشيًا مع الموقف المصري المبدئي المتمثل في وجوب ملء السد وتشغيله وفقًا لاتفاقية تقوم على أساس المنفعة المتبادلة، بالشكل الذي يعزز المصالح المشتركة للدول الثلاثة. قبلت مصر دعوة سيريل رامافوزا رئيس جنوب افريقيا، بعقد اجتماع استثنائي لمكتب رئاسة الاتحاد الافريقي في 26 يونيو 2020، لأجل مناقشة هذه المسألة وقد تم التوافق خلال هذا الاجتماع على عدم قيام اثيوبيا بالملء قبل التوصل الى اتفاق. 
  • خامسًا، أوضحت مصر أن ملء سد النهضة من جانب واحد، من دون التوصل الى اتفاق مع مصر والسودان، من شأنه أن يُعرض مصالح مجتمعات دولتي المصب للخطر، حيث يعتمد وجوها وبقائها على نهر النيل. علاوة على ذلك، يمكن أن يكون للتشغيل الأحادي لهذا السد الضخم آثار اجتماعية واقتصادية كارثية من شأنها أن تنال سلبًا من جميع أبعاد الأمن البشري للمصريين، بما في ذلك الأمن الغذائي والأمن المائي والأمن البيئي وصحة الإنسان. كما أنه سوف يعرض الملايين لمزيد من الضعف الاقتصادي، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الجريمة والهجرة غير الشرعية. وهو أمرًا رأى “عبد الرحمن” أنه يُشكل ملاحظة ذكية لبيان الآثار بعيدة المدى. بالإضافة الى ذلك، استعرض الجانب المصري احتماليات أن يُقلل السد من جودة المياه، ويضر بالتنوع البيولوجي، ويؤدي الى تفاقم مخاطر تغير المناخ. ويمثل هذا الاحتمال تهديدًا خطيرا للسلم والأمن الدوليين. كما يمكن أن يؤدي الى تداعيات سياسية خطيرة، قد تكون كارثية. وسوف تجد دول المصب نفسها في وضع لا يُطاق وهو ما يخلق جوًا من العداء بين الدول. 
  • نقطة هامة أخرى، تتلخص في فضح عمليات المراوغة الاثيوبية، والتي تعكس فكرًا شعبويًا وليس مجرد قيم وتقاليد دبلوماسية في هذا المحفل الدولي. 

ولفت “عبد الرحمن” كذلك إلى أن المندوب الاثيوبي الذي كان قد خدم في مصر من قبل، قد بنى مداخلته على الهجوم والاتهام من ناحية، والاستناد الى أكاذيب لا تمت للواقع بصلة من ناحية أخرى. فقد رفضت اثيوبيا إحالة الملف لمجلس الأمن واعتبرته غير عادل وأن الأولى هو الاتحاد الافريقي. كما أكد على موقف بلاده من مسألة ملء السد حيث ترى اثيوبيا أنه بموجب اتفاق إعلان المبادئ اتفقت مصر والسودان على أن الملء هو جزء من بناء السد. وتم الاتفاق على جدول ملء السد. والعجيب في الأمر، وفقًا لـ “عبد الرحمن” أن الرجل تحدث بأن مصر استفادت من النيل بشكل أكبر من بلاده، وأن سد النهضة من شأنه “تصحيح مظالم الماضي بما يضمن تقاسم مياه النيل بطريقة عادلة”. ومن ناحيته، قد عقب سامح شكري على مداخلة مندوب اثيوبيا ووصف مضمونها بأنه يعبر عن اتهامات لا أساس لها. 

ويُوضح “عبد الرحمن” اندهاشه من أن اثيوبيا تذهب بعيدًا في مطالبها حيث تحاول دائما قلب الحقائق بالإِشارة الى اتفاقية 1959، بين مصر والسودان والتي أدت الى بناء السد العالي وهو لا يضر بإثيوبيا في شيء. كما أشار الى مفيض توشكى ومخزون المياه الجوفية في مصر. وأضاف “عبد الرحمن” أن تلك الإشارات الإثيوبية تدعو الى توخي الحذر من نواياها الحقيقية في أن المسألة ليست انتاج كهرباء ولكن تتجاوزها للترويج لفكرة بنوك المياه. 

ويختتم “عبد الرحمن” مقاله مشيرًا الى توقعاته، التي تدور جميعها حول صعوبة التوصل الى اتفاق بغضون أسبوعين في ظل المنطق الاثيوبي الذي يعتمد على المناورات والخداع. ويرى الكاتب، أنه في ظل هذا التحدي الجسيم يصبح عنوان المرحلة هو أن البقاء ليس مسألة اختيار، بل هو ضرورة تمليها علينا الطبيعة. ودعى الى ضرورة الاصطفاف جنبًا الى جنب خلف فريق التفاوض المصري، والذي يخوض في الوقت الراهن معركة في الصفوف الأمامية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى