مصر

المنظومة العسكرية المصرية في أعقاب 30 يونيو.. مؤشرات وملامح التحديث الشامل

تلعب الجيوش والمؤسسات العسكرية الدور المحوري والأهم في حماية البلاد من كافة أشكال وصور التهديدات، إذ تُقاس قوة الدول بمستوى وقدرات القوات المسلحة، كما يمكننا التأكيد على العلاقة الترابطية بين قوة الجيوش ودرجة الاستقرار والأمن، فكلما نمت وتطورت قدرات وإمكانات الجيوش كلما زادت قوة الدولة وارتفعت مؤشرات الأمن والاستقرار فيها، وذلك على خلاف الدول التي تفتقر لمؤسسة عسكرية وجيش قوي.

ارتباطًا بما سبق، وضعت القيادة المصرية في أعقاب ثورة 30 يونيو استراتيجية شاملة تستهدف بالأساس تعزيز وتثبيت أركان الدولة المصرية في مختلف المجالات، وقد كان تحديث وتطوير القوات المسلحة المصرية جزءًا أصيلًا من هذه الاستراتيجية الرامية بالأساس لترسيخ وتعزيز القوة الشاملة للدولة المصرية.

ملامح ومؤشرات

وفقًا لإحصاءات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد ارتفع الإنفاق الدفاعي للدولة المصرية خلال الفترة من 2015/ 2019 بشكل متصاعد، إذ شكلت واردات مصر من الأسلحة ما يقرب من 5.8% من الإجمالي العالمي بزيادة تصل إلى 212% لما كانت عليه في الفترة من 2010/2014. وقد أثار حجم الانفاق جدلًا كبيرًا، خاصة من قبل القوى المناهضة للدولة المصرية حول جدوى وأهمية تطوير وتحديث المنظومة العسكرية وشراء الأسلحة والمعدات. إلا أن هذا الانفاق يأتي ضمن أدوات تحديث وتطوير القوات المسلحة المصرية نظرًا لعدد من التحديات والتهديدات التي تواجه الدولة المصرية.

وفي هذا الإطار نسعى لتحديد ملامح ومؤشرات التحديث والتطوير التي طرأت على منظومة التسليح المصرية ومن ثم الوقوف على جدوى هذه العملية وأهميتها وذلك فيما يلي:

  • رقم محوري في معادلة الجيوش، ساهمت عملية التحديث والتطوير التي طرأت على الجيش المصري في الفترة من (2014/2019) في وضع مصر وجيشها في مرتبة ومكانة عالمية متقدمة، وهو ما ترجمه تصنيف ” جلوبال فاير باور” حيث جاءت مصر في المرتبة التاسعة عالميًا ضمن أقوى جيوش العالم، بل جاءت في مقدمة الجيوش العربية والأفريقية والشرق أوسطية، ويحمل هذا التصنيف عددًا من الدلالات على حجم التطور الذي شهدته القوات المسلحة المصرية، ليس فقط من المنظور الكمي المتعلق بإجمالي الأسلحة والمعدات، بل يمتد التنصيف ليشمل عددًا من الجوانب النوعية المتعلقة بكفاءة المقاتل المصري، ونوعية التسليح والمنظومة التكنولوجية العسكرية للجيش المصري.
https://marsad.ecss.com.eg/wp-content/uploads/2020/02/0-17-1024x612.jpg
  • تنويع مصادر السلاح، سعت مصر طيلة السنوات التي أعقبت عام 2014 إلى تنويع مصادر التسليح، وذلك بهدف القضاء على فكرة احتكار التسليح من جانب دولة من الدول وذلك لعدد من الاعتبارات من بينها الحفاظ على استقلالية القرار المصري وعدم الخضوع للضغوط والابتزاز الذي يمكن أن تمارسه الدولة المصدرة للسلاح، ناهيك عن حاجة مصر للاستفادة من كافة القدرات والإمكانات التسليحية المتطورة لكافة دول العالم، بما يضمن لها الحفاظ على أمنها القومي ضد التهديدات والتحديات التي تواجهها.
  • تحديث البنية العسكرية، شهدت السنوات الأخير تحولًا كبيرًا وملحوظًا فيما يتعلق بتطوير البنية التحتية للقوات المسلحة وذلك عبر توقيع وإبرام عدد من الاتفاقات في مجال التسليح لدعم كافة الأفرع البرية والجوية والبحرية. وقد تجلى ذلك بوضوح في تدشين مصر لعدد من القواعد العسكرية بهدف حماية وتأمين الجبهات الاستراتيجية المصرية، ومن بين هذه القواعد ” قاعدة محمد نجيب” و” قاعدة برنيس” التي تعمل على تأمين السواحل الجنوبية لمصر وحماية وتأمين الملاحة البحرية في باب المندب وقناة السويس، فضلًا عن مواجهة التحديات والتهديدات في البحر الأحمر. علاوة على ذلك، تساهم هذه القواعد بجانب أهميتها الاستراتيجية في تقديم عدد من الخدمات من بينها الإسناد والإيواء، كما أنها تُعدُّ ساحة حيوية لاختبار القطع والمعدات العسكرية المصرية. من ناحية أخرى عملت مصر من خلال تحديث البنية العسكرية على تنمية قدرات الردع من خلال الوصول للقدرات القتالية الحديثة في المجال البحري والجوي. حيث نجحت في الحصول على حاملات الطائرات الهليكوبتر من طراز “ميسترال”، ناهيك عن الفرقاطات الفرنسية من طراز “فريم تحيا مصر” بالإضافة إلى الغواصات الألمانية من فئة 902. وعلى صعيد الدفاع الجوي فقد حصلت مصر على الطائرة الفرنسية متعددة المهام ” الرفال” بجانب الطائرة الأمريكية f16 وغيرها من المنظومات المتطورة.
الميسترال المصرية تخوض عملية "سيناء 2018" بنجاح
  • توطين الصناعات العسكرية، تنتهج الدولة المصرية في السنوات الأخيرة استراتيجية قائمة على محاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي عبر دعم توطين الصناعات العسكرية وإنتاجها بصبغة محلية، إذ تقوم مصر حاليًا بتصنيع كافة الدبابات والعربات المدرعة وأجهزة الاتصالات للقوات المسلحة، والصواريخ المضادة للدبابات، وبناء السفن الحربية، فضلًا عن مواصلة الجهود لدعم الصناعات المحلية وتطوير صناعة الأسلحة والذخائر وفق خطة متكاملة تُشرف عليها وزارة الإنتاج الحربي بالتعاون مع وزارة الدفاع، وقد كان افتتاح ” مصنع 300 الحربي” ( فبراير2020) بهدف تلبية احتياجات القوات المسلحة ودعم مبدأ توطين الصناعات العسكرية دليلًا على حجم الجهود المبذولة في هذا الصدد. 
http://gate.ahram.org.eg/Media/News/2020/2/17/2020-637175537682176216-217.jpg
  • رفع الكفاءة القتالية، لم يكن التحديث والتطوير في المنظومة العسكرية والتسليح المصري ليُؤتي ثماره دون أن يتم ذلك جنبًا إلى جنب مع تطوير ورفع القدرات القتالية لعناصر القوات المسلحة المصرية، وقد اتبعت الدولة المصرية في هذا الصدد عددًا من المسارات من بينها تطوير وتحديث المؤسسات التعليمية العسكرية وفقًا لأحدث برامج العلوم العسكرية الدولية، ودعم برامج والمشاركة في الأنشطة العسكرية الدولية، ناهيك عن توسيع حجم المناورات العسكرية والتعاون مع عدد من الدول بهدف ثقل مهارة وقدرات عناصر القوات المسلحة وتبادل الخبرات القتالية والتكنولوجية والاطلاع على أحدث أنواع الأسلحة المتطورة، علاوة على التدريب على العمل المشترك بمسارح العمليات والحروب. ومن بين أبرز هذه المناورات “النجم الساطع” و”درع العرب” و” ميدوزا”، بالإضافة إلى مناورات “كليوباترا” و”رعد الشمال”، وغيرها من المناورات العسكرية الثنائية ومتعددة الأطراف.
ما هي مناورات "النجم الساطع 2018" التي تستضيفها مصر؟! | Hafryat

أهداف ودوافع التحديث المستمر

جملة من الدوافع والأهداف الواضحة التي جعلت القيادة السياسية المصرية تنتهج نهجًا قائمًا على التحديث المستمر والمتواصل لمنظومته العسكرية، ورفع الكفاءة القتالية لعناصر الجيش المصري الأمر الذي يمكن إيجازه فيما يلي:

  • الحفاظ على الأمن القومي، سعت مصر لتطوير وتحديث المنظومة العسكرية نظرًا لتنامي التهديدات وارتفاع منسوب المخاطر التي تحيط بالدولة المصرية، خاصة بعدما ساهمت أحداث 2011 في تراجع دور الدولة في عدد من الساحات، وذلك بسبب سقوط الجيوش الوطنية لهذه الدول، الأمر الذي نجم عنه وقوع هذه الدول في قوائم الدول الفاشلة غير القادرة على تأمين وحماية أمنها القومي، بل أصبحت هذه الدول ساحة للتدخلات الخارجية وتنامي الأطماع الدولية، وعليه تعمل الدولة المصرية على تحديث منظومتها بهدف حماية أمنها القومي وتجاوز مصير دول المنطقة.
  • تعدد جبهات وميادين المواجهة، يمر الإقليم والمنطقة في السنوات الأخيرة بحالة من الاضطرابات والتحولات التي جعلت مصر مهددة من كافة الاتجاهات الاستراتيجية، حيث تشهد مصر ولأول مرة تهديدات من ناحية الغرب حيث الأزمة الليبية وما نجم عنه من انتشار وتفشي الجماعات والميليشيات المسلحة خاصة في أعقاب التدخل التركي والدعم العسكري المتزايد لحكومة الوفاق وتزويدها بالأسلحة والمعدات، فضلَا عن نقل المرتزقة والجماعات المسلحة للساحة الليبية، من ناحية أخرى تتواصل التهديدات من الاتجاه الجنوبي حيث منابع نهر النيل وتأمين الملاحة وأمن البحر الأحمر، كما اتسع مستوى التهديد في منطقة شرق المتوسط في أعقاب اكتشاف مصر لحقل ظهر 2015 والذي يمثل موردًا مهمًا سمح لمصر بتحقيق الاكتفاء الذاتي وعليه جاء تحديث وتطوير مصر لمنظومتها العسكرية بهدف الحفاظ على مصالحها ومكتسباتها في منطقة شرق المتوسط في ظل الاتجاه المتنامي نحو عسكرة التفاعلات في تلك المنطقة، خاصة مع التحركات التركية المستمرة للتنقيب غير المشروع عن الغاز والتي أسفرت عن توقيع اتفاقية بين أردوغان السراج ( نوفمبر 2019) . كل هذه التهديدات وغيرها تبرر الجهود المصرية لتحديث وتطوير المنظومة العسكرية.
اكتشافات الغاز الطبيعي في مصر».. ماذا حدث في 3 أعوام؟ (إنفوجراف ...
  • مجابهة ومكافحة الإرهاب، ساهم تحديث وتطوير المنظومة العسكرية في تحجيم وتطويق الظاهرة الإرهابية حيث تراجعت بشكل كبير بفضل جهود القوات المسلحة وقد تجلى ذلك بشكل كبير عبر عدد من العمليات وفي مقدمتها “العملية الشاملة سيناء 2018” والتي نجحت في تدمير البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية والقضاء على العديد من القيادات وتجفيف منابع التمويل والدعم اللوجيتسي، كما تراجعت العمليات الإرهابية بشكل تدريجي بداية من 222 عملية إرهابية عام 2014، لتصل إلى ما يقرب من 199 عملية عام 2016 وصولًا لنحو 50 عملية خلال عام 2017 بالإضافة إلى 8 عمليات خلال عام 2018، وذلك بفضل جهود عمليات التطوير والتحديث التي طرأت على المنظومة العسكرية.

مجمل القول، يمكن النظر لمرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو باعتبارها مرحلة فارقة في تاريخ الوطن ليست فقط في مجال تطوير وتحديث المنظومة العسكرية، بل في كافة المجالات، الأمر الذي ساعد مصر في استعادة مكانتها ونفوذها الإقليمي والدولي، ناهيك عن تثبيت ودعم أركان الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى