تركيا

أرمين سركيسيان رئيس جمهورية أرمينيا ل(الأهرام العربي): مذابح الأتراك ضد الأرمن لا تسقط بالتقادم

تتمتع مصر وأرمينيا بعلاقات جيدة وقوية تعود إلى اعتراف مصر بأرمينيا بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتى 1991 ، ثم التوقيع على اتفاقية إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1992، وتم افتتاح السفارة الأرمينية بالقاهرة فى مارس عام 1992، ثم افتتحت السفارة المصرية فى يريفان فى مايو 1993 .

وتتميز العلاقات السياسية بين البلدين بالاحترام المتبادل، وتقدر أرمينيا موقف مصر المحايد من نزاع ناجورنو كارباخ، وتثمن كذلك موقف مصر التاريخي من احتضان الأرمن الفارين من المذابح التى تمت ضدهم، حيث تم دمجهم فى المجتمع المصري، ومنذ تولى الرئيس السيسي حكم مصر فى 2014، اكتسبت العلاقات المصرية الأرمينية دفعة قوية . كما تعمل اللجنة الوطنية المشتركة على تنمية التعاون بين البلدين فى شتى المجالات الاقتصادية، فضلا عن تنظيم لقاءات للتبادل الثقافي.

وفى حوار مع رئيس جمهورية أرمينيا، الدكتور أرمين سركيسيان لمجلة الأهرام العربي يسلط الضوء على قضايا تاريخية حاكمة للسياسات العامة فى جمهورية أرمينيا، انطلاقا من المذابح التى تعرض لها شعب الأرمن عام 1915 التى ذكرها الرئيس السيسي فى قمة ميونخ للأمن العام الماضي، مشيرا إلى أن مصر استضافت قبل 100 سنة الأرمن، بعد المذابح التى تعرضوا لها، «ووجدوا الأمن والسلام والاستقرار لدينا».. وإلى نص الحوار..

 السيد الرئيس، فى 24 أبريل من كل عام يحيى الشعب الأرمني ذكرى إبادة مليون ونصف المليون ضحية أرمنى فى عام 1915، الذين راحوا ضحية مخطط التصفية والتهجير القسري والمجازر الجماعية والمجاعة والأمراض خلال الحرب العالمية الأولى فى الإمبراطورية العثمانية، على يد حكومة تركيا الفتاة، كيف تعلقون على ذلك؟

لقد مضى أكثر من قرن على الجريمة الشنيعة التى ارتكبت بحق الإنسانية والحضارة بين عامي 1915-1923، لكن عواقب تلك الجريمة لا تزال موجودة حتى يومنا هذا، وتعوق التطور الطبيعي لأرمينيا.

وفى الحقيقة، أن المجازر الجماعية بحق الأرمن في تركيا العثمانية بدأت فى عامى 1894-1896 أيام السلطان عبد الحميد الثاني، وراح ضحيتها 300 ألف أرمني.

وسجلت مواقفها ضد هذا الحدث الدول الكبرى فى حينه، والصحافة العالمية إضافة الى الشخصيات البارزة، أمثال رئيس وزراء بريطانيا العظمى ويليام جلادستون، والسياسى الفرنسى جان جوريس، والكاتب أناتول فرانس، والألمانى يوهانس ليبسوس وغيرهم، وطالبوا بتنفيذ الإصلاحات الموعودة فى أرمينيا الغربية، التى كانت ستؤمن حقوق الأرمن الأساسية، وتحترم حقوقهم المدنية، وحصانة الممتلكات والحياة، لكنها لم تتمكن من منع السلطان عبد الحميد. وكذلك دول الوفاق، والفاتيكان والدبلوماسيين المعتمدين فى تركيا، ومن بينهم سفير الولايات المتحدة الأمريكية هنرى مور جنتاو، لم يتمكنوا منع (الأتراك الشباب) الذين نفذوا بشكل كلى مخطط تصفية الأرمن، وحولوا ذلك إلى مشروع حكومى وإبادة حقيقية. ثم استفادت حكومة تركيا الفتاة من ظروف الحرب العالمية الأولى، وأطلقت بين 1915-1916 خطة إبادة الأرمن فى تركيا، من خلال تنفيذ عمليات الترحيل والعنف والقتل على نطاق واسع وغير مسبوق، فى 24 مايو 1915 قامت روسيا وفرنسا وبريطانيا العظمى فى بيان مشترك بوصف ما جرى بأنها «جريمة بحق الإنسانية والحضارة». وفى وقت لاحق، فى عام 1944، قام رافائيل ليمكين بإدراج مصطلح «الإبادة الجماعية» فى القانون الدولى على أساس إبادة الأرمن فى عام 1915.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، واصل الزعيم التركي الجديد مصطفى كمال أتاتورك عمل أسلافه، وقتل من تبقّى من الأرمن فى كيليكيا وأرمينيا الغربية، وشن حرباً ضد جمهورية أرمينيا الفتية.

* لماذا وكيف حدث ذلك؟ ألم يقم الأرمن وهم من مواطني الإمبراطورية العثمانية بخدمة تلك الدولة بإخلاص، كما أسهموا في تطورها. بماذا كانوا يعيقون الأتراك؟

تلك هى القضية. أما عن حادثة الإبادة وآليات تنفيذها، فقد ترك العديد من شهود العيان؛ من الدبلوماسيين والعسكريين والأطباء العسكريين والسياسيين ووسائل الإعلام الدولية وغيرهم، شهادات لا يمكن إنكارها حول الإبادة الجماعية وسبل تنفيذها. ولاحقاً، قام الخبراء فى الأوساط الأكاديمية والمؤرخون وعلماء الإبادة الجماعية بتوضيح ذلك استناداً الى الوثائق الأرشيفية. والعالم يدرك ذلك جيداً. أود أن أركز على بعض أسباب الإبادة وعواقبها.

وسأشير إلى عدد من الأسباب: السبب الأول سياسي: كان ينبغى أن تصل «المسألة الأرمينية» التى أثيرت فى مؤتمرى سان ستيفانو وبرلين فى عام 1878 إلى نهايتها المنطقية بإعادة تأكيد السيادة الأرمنية على الأراضى التاريخية لأرمينيا، ووضع أساس لاستقلال أرمينيا لاحقاً، وفى وضع الشعوب العثمانية الأخرى حدث ذلك فى المناطق الأوروبية والشرق الأوسطية فى الإمبراطورية بعد الحرب البلقانية والحرب العالمية الأولى.

وهذا ما أثار غضب السلطنة التركية ثم الجمهورية التركية، لأنه فى حال استقلال أرمينيا، كان سيتم اقتطاع الجزء ذى الأهمية الاستراتيجية من جسم الإمبراطورية، الذى كان سيقطع طريق الأتراك باتجاه القوقاز وبلدان آسيا الوسطى.

هذا، وقد فقدت القوى العظمى أيضاً الاهتمام حيال إمكانية إنشاء دولة مستقلة من قبل شعب نشيط وريادى فى مناطق مماثلة، وإلا لما تخلوا فى لوزان عام 1923 عن المادة الخاصة بأرمينيا فى معاهدة سيفر فى 10أغسطس 1920، التى تعزز السيادة الأرمنية على الولايات الأرمنية فى الإمبراطورية العثمانية عبر الممر باتجاه البحر الأسود.

كما تم تجاهل مصالح أرمينيا والشعب الأرمنى وفق اتفاقيات موسكو وقارص لعام 1921، ومنح الأرمن منطقة صغيرة جداً وجرى تقسيم أرمينيا، حيث تم التنازل عن مقاطعتى قارص وأردهان لصالح الكماليين، والتسليم التعسفى لكاراباخ الجبلية وناخيتشيفان إدارياً إلى أذربيجان السوفيتية، مما أدى إلى إثارة جدل طويل المدى وخلق بؤرة من الصراع فى منطقتنا، وهو الذى نشهده إلى اليوم.

السبب الآخر للإبادة عقائدى: سعت القومية التركية الناشئة إلى تحويل الإمبراطورية الشاسعة ومتعددة الشعوب والثقافات إلى دولة تركية ذات نسيج وتركيبة واحدة، مع الأخذ بعين الاعتبار تقدمها السياسى نحو المناطق الشاسعة والغنية فى القوقاز وآسيا الوسطى.

وكانت العقبة الرئيسية على هذا الطريق مرة أخرى الأرمن الذين سكنوا بين هاتين المنطقتين، وكذلك اليونانيون الآخرون القاطنون فى آسيا الصغرى لذلك، لم يكن أمام القوميين الأتراك خيار سوى التطهير العرقى لأبرز عنصرين فى الإمبراطورية؛ اليونان والأرمن. وهذان الشعبان قاما ببناء الحضارة البيزنطية وورثوها، وهم ورثة الإمبراطورية العثمانية، وكرسوا قدراتهم وإمكاناتهم لتطورها وازدهارها مع ذلك، يقال إن الأرمن لم يكونوا يملكون إمكانات كافية لإنشاء دولتهم، كما كانت الشعوب المستقلة الأخرى فى الإمبراطورية.

الأمر ليس كذلك، والأتراك يعرفون ذلك جيداً، وليس هم فقط ، كانت للأرمن مكانة سياسية واجتماعية خاصة فى الإمبراطورية العثمانية منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكانت لديهم خطة لدولة مستقلة ودستور جاهز. منذ ذلك الحين، نشطت جماعات سياسية، وتحولت إلى أحزاب سياسية فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر.

منذ بداية القرن السادس عشر، بدأت تعمل المطابع ودور النشر، وفى القرن الثامن عشر، الصحافة الوطنية، حيث كانت تدور مناقشات واسعة حول المصير السياسي ومستقبل أرمينيا والشعب الأرمني، وكان يتم تأهيل عدد من الكوادر المتعلمة فى مختلف المجالات فى روسيا وأوروبا.

كان للأرمن دور اقتصادي بارز ومؤثر ليس فقط فى الإمبراطورية العثمانية والروسية حيث أراضيهم التاريخية، بل غيرها من البلدان الواسعة من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب، حيث أصبحوا فاعلين لا يمكن الاستغناء عنهم، بفضل براعتهم فى أعمالهم، وقد أسهموا بشكل كبير فى التجارة العالمية وتطوير الروابط التجارية والاقتصادية بين الشرق والغرب.

ومن الشخصيات البارزة؛ مؤسس النظام المصرفي فى آسيا الجنوبية الشرقية عائلة سركيس، وعائلة لازاريان فى روسيا، وقطب النفط فى الشرق الأوسط وأوروبا كولبنكيان، وعائلة يسايان، وكذلك الكسندر مانتاشوف فى القوقاز، وغيرهم من الشخصيات البارزة ورجال الأعمال فى العالم. وقد تراكم بين أيديهم رأس مال هائل.

وتم بفضل رأس المال هذا، تمويل شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية الأرمينية، والمراكز الثقافية، والمستشفيات والمؤسسات الشبابية والرياضية، وكان الأرمن ـ كشعب قديم له خلفية الدولة ـ يملكون هيئات حكم ذاتية فاعلة، ليس فقط فى هاتين الإمبراطوريتين، بل أيضاً فى بلدان إقامتهم من الشرق إلى الغرب، وقد شغل الكثير منهم مناصب عسكرية ودبلوماسية وإدارية رفيعة المستوى فى دول مختلفة، ومن أجل الحفاظ على السلام الداخلى والخارجى للبلاد مستقبلياً، كان لدى الأرمن أيضاً ضباط ماهرون، وجنود وعساكر وفرق متطوعة فى معارك البلقان والقوقاز، وبرعوا بخبراتهم العسكرية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

هناك أيضاً إمكانات بشرية كافية، فكان يبلغ عدد الأرمن فى الإمبراطورية العثمانية ومنطقة ما وراء القوقاز أعداداً كبيرة، وربما تفوق باقى الشعوب، أى إنه قبل الحرب العالمية الأولى، كان الأرمن يملكون كل الشروط الأساسية لتشكيل دولة مستقلة.

وأكبر دليل على ذلك، أن الأرمن بعد الإبادة بين 1915-1923 تمكنوا من الوقوف من جديد وبناء دولة حديثة متطورة على قطعة من الوطن التاريخي، وقد توج الجنود والجنرالات الأرمن خلال الحرب العالمية الثانية أسماءهم بالمجد على جميع الجبهات فى الحرب ضد الفاشية، وفى وقتنا هذا، يدافع أحفادهم بإصرار عن حق السكان الأرمن فى أرتساخ (ناجورنو كارباخ) فى العيش بحرية، واليوم تشكل أرمينيا مع ترسيخ (ناجورنو كارباخ) والشتات الأرمنى المنظم المؤثر وحدة متكاملة. وهم أحفاد الأرمن الذين كانوا على وشك الزوال قبل 100 عام.

السيد الرئيس، لقد مضى أكثر من قرن على الإبادة، ومهما كانت الخسائر كبيرة، يقول البعض إن ذلك بات من الماضى، ويجب أن ننظر إلى الأمام والمستقبل؟

نحن ننظر إلى المستقبل، ونحلم بمستقبلنا، ونخطط لمستقبلنا، ونعمل كل يوم لبناء المستقبل. لكن لنتذكر أن المستقبل هو استمرار للماضى والحاضر

وكثيرا ما نتحدث عن الخسائر البشرية والمادية الضخمة، وهذا صحيح. إن خسارة مليون ونصف المليون نسمة أثرت بشكل أساسى على تكاثر الشعب الأرمني، فكان يجب أن يكون تعدادنا، فى ظل الظروف العادية اليوم، ليس فقط بين 10-12 مليونا، لكن على الأقل ضعف ذلك.

لكن هناك خسارة أخرى وهى الأهم، التى سعت إليها الحكومات التركية المتعاقبة، وهى القضاء على العنصر الأرمنى بشكل كامل من الأراضى الأرمنية التاريخية. واليوم، لم يعد هناك أرمن يعيشون فى تلك الأراضي. وحين لا يوجد أشخاص، لن يكون هناك وجود للغتهم وعاداتهم ونمط حياتهم وثقافتهم ومطبخهم وأدواتهم والأغراض اليومية، حيث تشكل البيئة الوطنية، والمجتمع والشعب.

هذا يعنى أن الأرمن نتيجة للإبادة الجماعية حُرموا من حقوقهم فى العيش على أراضى أجدادهم، وإدارة حياتهم الخاصة ومستقبلهم ، خذوا بعين الاعتبار أن الأرمن لم يكونوا مجموعة عرقية مشكلة حديثاً، بل هم شعب يملك دولة وحضارة قديمة فى العالم، وخلال العقود اللاحقة للإبادة، جرى تدمير وتخريب آثار الأرمن والحضارة الأرمينية فى جمهورية تركيا بشكل مستمر وممنهج، واليوم حين نقوم بإدانة تدمير الآثار والنصب التاريخية فى أماكن مختلفة من العالم من قبل المتطرفين، فكم يترتب علينا من إدانة بشدة، وكان علينا سابقاً أن ندين تدمير الآثار الثقافية والمادية لشعب بأكمله يعود تاريخه إلى آلاف السنين على الأقل.

وتخيلوا الآن وضع الأرمن المنتشرين فى أصقاع العالم، الذين بقى معظمهم بلا وطن لعقود طويلة حتى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي

بالمناسبة، رغم أن الأرمن حاربوا خلال الحرب العالمية الأولى بكرامة وتضحية على كل الجبهات فى جيوش الحلفاء، من فيردن إلى فلسطين، ومن بريست إلى طرابزون والقوقاز، لكنهم لم يحصلوا بعد نهاية الحرب على وطنهم الذى حلموا به.

اليوم، يعيش ما يقارب ثلاثة أرباع الأرمن فى دول مختلفة، فى ظروف تشمل أعرافا وتقاليد وطبقات اجتماعية متنوعة، ويبذل الأرمن فى كل مكان جهوداً جبارة للحفاظ على هويتهم، والتحدث عن حقوقهم التى حرموا منها نتيجة الإبادة الجماعية.

ما هى فى رأيكم الدروس المستفادة من الإبادة، وماذا يمكن للإنسانية أن تفعله؟

من المؤسف أن الإنسانية لم تتعلم دروساً من الإبادة الأرمنية، لقد نسيت الإبادة وظلت بدون اعتراف ولم تتم إدانتها، ولو تمت إدانتها لكان من الممكن منع جرائم مماثلة فى تاريخ البشرية، لكن الإنسانية شهدت بعد ذلك إبادات أخرى.

وحسب قناعتى العميقة، فإن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن لا يقتصر على الأرمن فحسب، بل هو فى المقام الأول مسألة موقف من القيم الانسانية، ولعدم تكرار هذا الشر.

إن أرمينيا تنطلق من هذا الوعي، ويعد منع الإبادات إحدى أولويات سياستها، وتقوم بخطوات نشيطة فى هذا المسار على الصعيدين القومى والدولى، وبمبادرة من أرمينيا اعتمد مجلس حقوق الإنسان لدى منظمة الأمم المتحدة دورياً قرارات بشأن منع الإبادات، أما فى عام 2015 فقمنا بمبادرة من أرمينيا أيضاً، وتم اعتماد قرار من قبل منظمة الأمم المتحدة لإعلان 9 ديسمبر كيوم عالمى لإحياء وتمجيد ضحايا جريمة الإبادة الجماعية ومنع هذه الجريمة.

وبالتالي، فإن قضية الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن التى يثيرها الأرمن أمام المجتمع الدولى وتركيا موضوع واقعي، وتشمل عدة مكونات: سداد دين الذاكرة، ومنع تكرار مثل هذه الجرائم، وإزالة عواقب الإبادة الجماعية وبعد صمت دام نصف قرن، بدأ العالم خلال أعوام 1960-1970 الحديث من جديد عن الإبادة الأرمنية، وكانت الأوروجواى أول دولة تعترف بها عام 1965. واليوم العديد من الدول والمنظمات الدولية فى العالم اعترفت بالإبادة الأرمنية، منها فرنسا، روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، إيطاليا، سويسرا، الفاتيكان، وفى العالم العربي، لبنان وسوريا، وعدد الدول بازدياد مستمر اليوم، وليس لدى المجتمع الدولى شك فى حقيقة الإبادة الجماعية بحق الأرمن، وفى الوقت ذاته، ومن غير المقبول أن يُنظر إلى قضية الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن من وجهة نظر المصالح الاقتصادية أو السياسية الحالية مع أنقرة.

فى تلك الحالة، لا يمكننا أن نعلن من جهة معركة مشتركة فاعلة ضد معاداة الإنسانية، والتمييز، والتعصب، ومعاداة السامية، وإنكار الإبادة، وشرور إنسانية أخرى، ومن جهة أخرى، نمارس «دبلوماسية» حول تلك القضايا.

وأنا شخصيا مقتنع بأن جميع الدول والمنظمات التى اعترفت بالإبادة الأرمنية انطلقت بشكل عام من هذا المنظور، ونحن نقدر ذلك، ونعبر عن شكرنا وامتناننا لهم. كما نشكر تلك البلدان التى فتحت أبوابها لهؤلاء الناجين من الكارثة ومنحتهم الملجأ بعد الإبادة، ونشكر كل من ساعد من الأطباء والممرضات والدبلوماسيين، ومنظمات رعاية الأيتام، وإخوتنا فى المآسى -اليونانيين والآشوريين السريان واليزيديين وغيرهم ، وكذلك للشخصيات والعائلات العربية والتركية والكردية الذين عرّضوا حياتهم وأمانهم للخطر، وقاموا بمد يد المساعدة خلال المجازر العصيبة للأرمن المنكوبين وأنقذوا الكثيرين منهم.

إن موقف الحكومات المتعاقبة فى تركيا هو قضية أخرى؛ فهو تجنب الاعتراف بالإبادة، والتمسك بسياسة الإنكار على مستوى الدولة، اليوم، المجتمع الدولى والشخصيات السياسية والاجتماعية ومن بينهم عدد كبير من المفكرين الأتراك والشخصيات العامة يطالبون بالاعتراف بالإبادة الأرمنية، آملين أن تتصالح السلطات التركية مع الصفحات المأساوية من تاريخها، وتتجاوزها.

وفى النهاية نؤكد أن جريمة الإبادة الجماعية لا تسقط بالتقادم. وبالتالى فإن اعتراف تركيا بالإبادة الجماعية للأرمن وإزالة عواقبها ضمان أمنى بالنسبة لأرمينيا وللشعب الأرمني، وللمنطقة أيضاً، ولا يمكننا أن ننسى الإبادة الجماعية للأرمن، ولا يمكننا التصالح مع عواقبها، ولا يمكننا تجاهل معاناة الضحايا والناجين، ويجب علينا تأمين مستقبل آمن ومشرف لأجيالهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى