سياسة

ثورة 30 يونيو.. نقطة تحول في مسار الهوية الثقافية المصرية

من داخل صور قاتمة، لها أركان شديدة الظلام تكاد من فرط ظلماتها تحول دون رؤية أي شيء على الإطلاق. كان الجميع ينظرون إلى مستقبل البلاد في الفترة التي سبقت ثورة 30 يونيو. والحقيقة أن هذه الصور القاتمة الكثيرة المتتالية التي كانت تتوارد الى أذهان الكثير من المصريين لم تكن وليدة الصدفة ولا نتاج محض خيال. إنما كانت تستند إلى مشاهد تكررت في محطات أخرى سابقة، عرفها التاريخ السياسي المعاصر باعتباره الوثيقة الوحيدة الثابتة التي يمكن من خلالها الأخذ بالمقدمات في سبيل التنبؤ بعماد المستقبل. 

وحركة التاريخ كانت خير من يشهد على نوع المستقبل الذي يتردد في خواطر الكثيرين . إذ أن الثورة الإيرانية الشهيرة اندلعت عام 1979، ونتج عنها أن تم اسقاط نظام الشاه الملكي، واستبداله بالجمهورية الإسلامية في ظل مرجعية دينية تنتمي في أساسها الى سلطة آية الله روح الله الخميني. وكان من المفترض أن تؤدي الثورة الإيرانية وظيفتها المُعلنة بوقت اندلاعها، مثل تحقيق العدالة ودرء المفاسد وغيرها من أهداف الثورات المتكررة عبر صفحات التاريخ. 

ولكن سُرعان ما تحولت الأمور، واتخذت مجرى آخر تمامًا ضرب بعرض الحائط جميع التوقعات الممكنة والغير ممكنة عن مستقبل إيران في تلك الأونة. والآن، وبينما نحن نمضي في أوساط العام 2020. قد يكون من اليسير التطلع الى نتائج هذه الثورة وانعكاساتها الحقيقية على مشاهد الحياة الاجتماعية الداخلية لإيران. فقد أصبح النظام الإيراني واحد من أكثر النظم انتهاكًا لحقوق الأقليات الدينية، ويواصل هجماته الممنهجة على البهائيين والمسيحيين. بالإضافة الى ما تتعرض له النساء الإيرانيات من اضطهاد وقمع، وما يواجهونه من تمييز وعدم مساواة في الكثير من الأمور مثل الطلاق والتوظيف والميراث والقانون الجنائي والأسري وغيره. وهناك أيضًا ما أظهره مؤشر الرق العالمي لعام 2018، والذي أوضح أن إيران تأتي سنويًا ضمن البلدان العشرة الأكثر احتضانًا لمظاهر العبودية خاصة في صفوف الأطفال والنساء. وغيرها، من انعكاسات للثورة الإيرانية كانت تُعطى دلالات بارزة عما ينتظر مصر من مستقبل. 

كما أن أحدًا لا ينسى ما عاصره خلال تلك الفترة، من تصريحات كانت أعلام الجماعة الإخوانية المحظورة تتغنى بها عبر الشاشات. من عبارات تُحلل سرقة الآثار والإتجار بها، وأخرى تُنادي بضرورة تحطيم تمثال أبو الهول لأنه في الحقيقة “صنم”، وغيرها من هؤلاء اللذين نادوا بضرورة ارتداء مسيحيات مصر الحجاب بشكل قسري وغيرها. وهناك أيضًا عددًا من الحوادث الغريبة الدخيلة على حياة المصريين، التي كانت تدق ناقوس الخطر في نفوس الجميع. الحديث هنا يدور تحديدًا حول حوادث على غرار حادثة السويس الشهيرة 2012، عندما قام ثلاثة رجال مُلتحون يرتدون نفس زي الجماعة الإخوانية، ويستقلون دراجة نارية بتوقيف شاب في الشارع برفقة خطيبته واستجوابه عن السبب الذي دفعه للسماح لها بالخروج الى الشارع وهي “متبرجة”، على حد وصفهم. تلى ذلك أن وقعت مشادة بينهم وبين الشاب انتهت بأن تلقى منهم الضحية عدد من الطعنات الخطيرة، وهربوا الرجال بعد ذلك. 

الحقيقة أن مظاهر الفوضى التي أعقبت أحداث 25 يناير 2011، وما خالطها من ظهور وتنامي الحركات المتأسلمة  وجماعات ارهابية تتطلع نحو الوصول الى سدة الحكم في دولة تُعد هي عماد الاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله مثل مصر، وتصاعد تلك التطلعات التي بلغت ذروتها في حين وصل الإخوان ولأول مرة في تاريخهم الى كرسي حكم مصر. كانت جميعها عبارة عن نواقيس خطر متتالية تتتصاعد بحدة وتتصل ببعضها البعض ولا تؤكد على شيء سوى أن مصر كانت تتجه نحو طريق مظلم شديد السواد. 

ست سنوات على مرور ثورة 30 يونيو 2014. ولقطات لا يمكن أن تُنسى من ذاكرة الشعب، حول الملحمة الوطنية التي حالت دون انجراف البلاد الى صورة أخرى عربية عن مصير المجتمع الإيراني. وهنا يطرح السؤال نفسه، ماذا لو لم تكن هناك تلك الثورة واستمر أعضاء الجماعة الإرهابية في حكم مصر حتى اللحظة؟! 

الإجابة المختصرة أن مصر كانت سوف تتحول الى ولاية أخرى من ولايات الدولة العثمانية المنهارة. وكان حاكم مصر سوف يتلقى أوامره من اسطنبول. ونساء مصر مسلمات ومسيحيات سوف يلتفن رغمًا عنهن داخل عباءات الإخوان، ويحظر عليهم الخروج من المنزل من دون مرافقة مُحرم شرعي، وقد يلي ذلك أن تُحرم النساء من حقوقهن في العمل. ومقدرات مصر من الموارد الطبيعية كانت إما سوف تتسرب نحو قطاع غزة، أو سُتباع لصالح أعداء مصر بالخارج ويُتنفق أموالها لصالح . 

وعليه، يمكن الاعتراف بأن التاريخ ينظر الى كل ثورة على حدة باعتبارها لحظة محورية ومفصل هام تنعطف من خلاله أحوال البلاد تمامًا فيما بعد. وهو ما جرى تمامًا في الحالة المصرية، حيث لعبت ثورة 30 يونيو دورها باعتبارها لحظة محورية ولكن ليس على غرار اللحظة الإيرانية. بل على الاتجاه المعاكس، إذ أنها كانت هي الصخرة التي حالت دون أنجراف مصر نحو ذات المصير المظلم الذي يعايشه المجتمع الإيراني حتى اللحظة. ولم تُنقذ ثورة 30 يونيو المصير السياسي المصري والعربي بوجه عام من الوقوع رهينة الرغبات العثمانية التي كانت تُسير الجماعة الاخوانية بأموال قطرية فحسب، لكنها كذلك حالت دون اختفاء الشخصية المصرية بهويتها الثقافية المعتدلة والراسخة داخل وجدان الشعب المصري منذ سنوات، ومحوها تمامًا في طيات الهوية الإخوانية المتطرفة. 

وبهذه الطريقة، يمكن أن نقول على -30 يونيو- أنها اللحظة المحورية والمنعطف التاريخي، الذي ساعد مصر على أن تمضي في طريقها نحو المستقبل باعتبارها –مصر- القوية، المستقلة، الوسطية دائما بلا تطرف أو إنحراف او انجراف. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى