القضية الفلسطينيةإسرائيل

ما هو مآل قرار الضم في إسرائيل؟

حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتانياهو” على تضمين بند محدد في اتفاقية تشكيل الائتلاف الحكومي مع رئيس حزب أزرق أبيض “بيني جانتس”، يفيد هذا البند بأن يتم الإعلان عن بعض مناطق الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية في بداية شهر يوليو القادم (1 يوليو 2020). لتتوالى بعدها الإشارات التحذيرية من عدد من الدول من فكرة الضم الأحادي لمناطق في الضفة إلى إسرائيل. 

يراقب نتانياهو في الآونة الأخيرة منذ توقيع اتفاقية تشكيل الائتلاف في إبريل 2020 المسارات المستجدة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية التي تسمح بتمرير قرار الضم على بعض مناطق الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية؛ من أجل تنفيذ وعده الانتخابي أمام قاعدة ناخبيه.

ولدى الحديث عن الضم ، يشار  إلى تفكيك هذا المفهوم حسب الإدراك السياسي والقانوني الإسرائيلي للمصطلح، ويتلخص في “تفعيل قانون السيادة على مناطق غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية الرئيسية في الضفة الغربية”.

لذا تجادل النخبة الحاكمة في إسرائيل بأن قرار الضم ليس إلا تفعيل لقانون تم سنه مسبقا من قبل الكنيست في ثمانينيات القرن الماضي. أما المقصود بالضم جغرافيا فتعتزم الحكومة في الوقت الحالي إعلان السيادة على منطقتين رئيسيتين أو اختيار واحدة منهما: (الأولى) منطقة غور الأردن التي تمثل 30% من مساحة الضفة الغربية، (الثانية) الكتل الاستيطانية الرئيسية في الضفة وهي مستوطنة “معاليه أدوميم” في شرق القدس، و”جوش عتسيون” في جنوب الضفة، وأرئيل في شمال الضفة. 

حاليا لا يقبل نتانياهو فكرة العدول عن إعلان سيادة إسرائيل على بعض مناطق الضفة الغربية، وبالتحديد في منطقة غور الأردن التي يعطي لها الأولوية الأولى في هذا التحرك الحثيث، مما يدفع بالسؤال حول ما هي بواعث هذا الحرص من جانب نتانياهو؟، وهل ينجح هذا الحرص؟

اتجاهات التحرك الإسرائيلي بشأن الضم

بلورت الحكومة الإسرائيلية مجموعة من التحركات في اتجاهات متعددة من أجل تطبيق قرار الضم.

(أولا) التنسيق مع الولايات المتحدة: وهو الاتجاه الرئيسي الذي اعتمدت عليه الحكومة الإسرائيلية من أجل الدفع بالقرار؛ ويعزو ذلك إلى أن خطة السلام الأمريكية التي قدمها ترامب تشمل بند الاعتراف بسيادة إسرائيل على غور الأردن وعلى مستوطنات الضفة؛ ولكن هناك شروطا ألمحت إليها الإدارة الأمريكية في إطار الاتصالات المتبادلة بين البيت الأبيض وإسرائيل من أجل القبول بقرار إسرائيل من الضم خاصة ضم غور الأردن؛ أولها هو الانتهاء من تعيين حدود الضفة الغربية من خلال “اللجنة الإسرائيلية الأمريكية المشتركة” والتي يرأسها السفير الأمريكي في إسرائيل “ديفيد فريدمان”، ثاني هذه الشروط هو التوافق السياسي بين كافة الأحزاب الإسرائيلية؛ لذا عمد نتانياهو إلى تشكيل حكومة وطنية موحدة. ثالثا هو أن يأتي الضم في إطار الإعلان عن مفاوضات مع الفلسطينيين وفق خطة السلام الأمريكية.

ولكن حسب مصادر قريبة من أفراد اللجنة المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، أفادوا أن اللجنة لم تزر غور الأردن إلا مرة واحدة فقط، وأن أزمة كورونا عطلت كثيرا من عمل اللجنة على أرض الواقع، وبهذا فإن عمل اللجنة لم ينته من ترسيم الحدود.

(ثانيا) التنسيق مع العواصم العربية: أفادت مصادر إسرائيلية إن حكومة نتانياهو فوضت جهاز الموساد للتنسيق مع بعض الدول العربية من أجل تقريب وجهات النظر وقياس ردود الأفعال. فيما ظهرت ردود الأفعال العربية متحفظة أمام القرار الإسرائيلي الذي اعتبرته ينسف مبدأ حل الدولتين، ويقضي على القضية الفلسطينية. كما أبرزت الإمارات رد فعلها من خلال مقال سفيرها في واشنطن “يوسف العتيبة” الذي حذر من أن قرار الضم سيعرقل من إمكانية دمج إسرائيل في المنطقة، على حد تعبيره.

(ثالثا) الداخل الإسرائيلي: يحتوي الداخل الإسرائيلي على أزمة مركبة تنطوي أحد أبعادها على رفض الأحزاب اليمينية (التي تشكل القاعدة السياسية الرئيسية لنتانياهو في الحكم) لخطة السلام الأمريكية التي قدمها ترامب لأنها تفرض على إسرائيل الاعتراف بوجود دولة فلسطينية بجوارها، وهو أمر مرفوض عقائديا عند هذه الأحزاب. أما البعد الثاني للأزمة هو أن الأحزاب الدينية كرد فعل بدأت تلجأ للضغط على نتانياهو من خلال مجالس المستوطنات من أجل دفعه قدما للاعتراف بسيادة إسرائيل على المستوطنات ومنطقة غور الأردن، باعتبارها فرصة تاريخية لن تتكرر.

لماذا يحرص نتانياهو على تنفيذ قرار الضم؟

يدرك نتانياهو أن قرار ضم غور الأردن أو مستوطنات الضفة للسيادة الإسرائيلية، هو قرار استراتيجي يضمن عدة مكتسبات، فهو يقفز بمقدرات إسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة تضمن سيطرتها على حدودها الشرقية مع الأردن، كما يضمن مساحة واسعة من الأراضي لإقامة المستوطنات الدينية وبالتالي ترجيح كفة المجتمع الحريدي ديموغرافيا في إسرائيل. كذلك يضمن لإسرائيل في المدى الآجل تطويقها لأي كيان فلسطيني يمكن إقامته على المساحة المتبقية من الضفة الغربية من الجهات الأربع.

كما أنه قرار سياسي بامتياز، إذ يرتبط قرار الضم بقاعدة نتانياهو السياسية الرئيسية وهي الأحزاب الدينية اليمينية في إسرائيل، وبالتالي فإن تنفيذ القرار يعني تعزيز القاعدة السياسية لنتانياهو وبالتالي رفع أسهمه في حال انجر المشهد السياسي في إسرائيل إلى سيناريو انتخابات رابعة وحتى لو كان مستبعدا. كما أن القرار سيرفع من أسهم حزب الليكود ويجعله يتربع أوج الحياة السياسية الإسرائيلية.

وهناك نازع آخر يحرك نتانياهو بشأن الضم، وهو أنه لا يريد الانتظار لما بعد الانتخابات الأمريكية، والتورط في مقامرة غير محسوبة لنتيجة هذه الانتخابات، إذ يدرك نتانياهو أن إدارة أمريكية جديدة دون ترامب تعني فشل خطة السلام الأمريكية المقدمة من ترامب، وفشل التحرك الإسرائيلي بشأن الضم. لذا ينوي نتانياهو كسب أي مساحة من الضفة وضمها للسيادة الإسرائيلية من خلال سياسة فرض الأمر الواقع.

وأخيرا، هو أن نتانياهو لا يقتنع كثيرا بالتقديرات السلبية بشأن قرار الضم، خاصة أن رئيس جهاز الموساد “يوسي كوهين” الصديق الشخصي لنتانياهو رفع إلى مكتبه تقديرا للموقف يفيد بأن قرار الضم لمناطق من الضفة الغربية لن يقود إلى انهيار السلطة الفلسطينية ولن يتسبب في اندلاع انتفاضة ثالثة.

موقف الولايات المتحدة

يتمثل الموقف الأمريكي في هذا السياق من خلال اتجاهين اثنين، (الاتجاه الأول) هو الموقف الأمريكي الرسمي الذي ظهر في تصريح وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو”: “إن قرار الضم هو شأن إسرائيلي خالص” وهو ما أكده السفير الأمريكي في إسرائيل أيضا. 

ولكن في حقيقة الأمر لم يصل لإسرائيل الضوء الأمريكي الأخضر بعد، ويستدل على ذلك: (1) فحسب موقع رويترز أفاد بأن: كبار معاوني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأوا نقاشاً (23 يونيو 2020) بشأن ما إذا كان البيت الأبيض سيعطي نتانياهو الضوء الأخضر للمضي قدماً في خطته للضم ويقول المسؤولون إن الاجتماعات استمرت ثلاثة إيام متصلة حتى انتهت دون قرارات نهائية.

(2) هو أن ترامب شارك في بعض أجزاء هذه المناقشات ولم يبد تحفظا على النتائج النهائية من المناقشة التي أكدت أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التحليل والانتظار.

وتأتي المعارضة الأمريكية لقرار نتانياهو في عدة عوامل، أولا لأن القرار لا يأتي في إطار إجماع إسرائيلي وطني أي يتقاسم معسكر الوسط واليسار الإسرائيلي الموافقة على القرار بجانب الأحزاب الدينية. ثانيا عدم انتهاء أعمال اللجنة المشتركة في ترسيم الحدود. ثالثا أن قرار الضم لا يأتي في إطار التفاوض مع الفلسطينيين حسب ما جاءت به خطة ترامب، التي لا ترغب الإدارة الأمريكية في رؤيتها تفشل.

(الاتجاه الثاني) هو موقف الحزب الديموقراطي الأمريكي الذي ظهر بين المتحفظ والرافض لقرار إسرائيل بضم غور الأردن، إذ حذر ديمقراطيون بارزون في الكونغرس نتانياهو صراحة بأن المضي قدما في “الضم من جانب واحد” من شأنه أن يقوض “مصالح الأمن القومي الأميركي في المنطقة”.

السيناريوهات المتوقعة

هناك عددا من السيناريوهات حول قرار نتانياهو بضم بعض مناطق من الضفة الغربية، وهي:

السيناريو الأول: الإعلان عن ضم غور الأردن تحت السيادة الإسرائيلية

أي أن نتانياهو سيتعمد تجاهل تعليقات الإدارة الأمريكية المتعلقة بضرورة انتهاء عمل لجنة ترسيم حدود الضفة قبل القدوم في سياسات تستهدف الضم، والانحياز إلى رؤية الأحزاب الدينية الإسرائيلية التي تزيد من تعقيدات المشهد في إسرائيل، وبالتالي تعزيز القاعدة السياسية التي بدأت تظهر ملامحها الإيجابية في حصول الليكود على 41 مقعدا في أحدث استطلاعات الرأي، وفي حالة تطبيق القرار سيرفع من فرص نتانياهو في تشكيل حكومة يمينية مستقرة في حال الدفع باتجاه سيناريو الانتخابات. 

ولكن عند تقييم هذا السيناريو يلاحظ أن هناك جملة من التعقيدات والعراقيل، وهو أن القرار يزيد من فرص انهيار السلطة الفلسطينية، مما يسمح بانتشار الفوضى في الشارع الفلسطيني وتبني عمليات المقاومة ضد الإسرائيليين في الضفة، وهو ما تضمنته تقديرات المواقف الصادرة من جهاز الشاباك الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي (أمان). وهو ما يفسر رغبة بيني جانتس الذي يتقلد منصب وزير الدفاع في تخفيف التوتر بين الحكومة الإسرائيلية والفلسطينيين في دعوته الأخيرة للسلطة الفلسطينية من أجل التباحث معها وتبادل وجهات النظر بشأن قرار الضم. ينوي جانتس أن يستنفذ المسار السياسي السلمي مع الفلسطينيين من خلال دعوتهم للحوار والتفاوض، وفي حال استمرار الرفض الفلسطيني للحوار فيمنح ذلك مبررا للجيش الإسرائيلي باستخدام العنف تحسبا لأي سيناريو تصعيدي.

وفي سياق تقدير الجيش الإسرائيلي، ترى النخبة العسكرية في وزارة الدفاع أن القرار الإسرائيلي قد يزيد من احتمالية تفجر الجبهة الشمالية حيث سوريا، والجبهة الجنوبية حيث قطاع غزة بتصعيد عسكري.

كما سيباعد القرار في وجهات النظر بين إسرائيل والدول الأوروبية التي ستقطع الاتصال مع إسرائيل كأقصى رد فعل واقعي ومستمر من قبلها. بينما ستمتنع الإدارة الأمريكية عن التعليق بمباركة أو التحفظ على القرار الإسرائيلي رغبة في عدم إثارة حفيظة الدول العربية، وضمان استمرار التعاون معها.

 يبدو أن السيناريو هو مسار صفري، تتشابك بداخله مجموعة من التعقيدات التي لا تسمح بسهولة تحقيقه، أو إدراك تفوق مزاياه على حساب مساوئه.

السيناريو الثاني: الإعلان عن ضم مستوطنات القدس الشرقية

أي أن يكتفي نتانياهو بالإعلان عن المستوطنات في القدس الشرقية تحت السيادة الإسرائيلية، والتي تضمن لإسرائيل أن تصبح القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، كما تضمن عدم إمكانية قيام دولة فلسطينية مجاورة (أي ذات ارتباط جغرافي متصل). 

يعزز هذا السيناريو هو الاعتراف الرسمي المسبق من الولايات المتحدة بمشروعية المستوطنات في الضفة الغربية، ولم يسفر هذا القرار عن غضب فلسطيني محتدم أفضى إلى عنف. لذلك ربما تضمن به الحكومة الإسرائيلية درجات دنيا من استخدام العنف.

يمنح هذا السيناريو لنتانياهو الحفاظ على ماء وجهه أمام قاعدته السياسية أي المستوطنين والأحزاب الدينية، كما يمنحه الحفاظ على وعده الانتخابي أيضا أمام ناخبيه الإسرائيليين.

السيناريو الثالث: تأجيل إعلان الضم 

رغم أن هذا السيناريو لا يحمل مؤشرات قوية تعزز من تحقيقه حتى الآن، إلا أنه ليس من المستبعد أن تبلغ الإدارة الأمريكية الحكومة الإسرائيلية سرا في الأيام المقبلة بضرورة تأجيل قرار الضم لحين الانتهاء من أعمال اللجنة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، واستكمال التنسيق السياسي الدولي مع الدول المعنية خاصة الدول العربية من أجل إقناع الفلسطينيين بالدخول في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. وغالبا ستستكمل الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب هذا التحرك بعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم.

في المقابل سيأتي رد فعل نتانياهو عن طريق إعلانه تأسيس لجنة قومية تضم أفرادا من الحكومة الإسرائيلية بالتنسيق مع مستشاري الرئيس الأمريكي من أجل مناقشة حيثيات قرار الضم، من أجل احتواء الموقف.

ختاما، يمكن تأكيد مجموعة من النقاط، وهي:

  1. أن هناك تباينا بين الموقف الأمريكي الرسمي والمعلن لقرار الضم وبين ما يدور في الغرف المغلقة، إذ يبدو أن الإدارة الأمريكية لا ترغب في خطوات إسرائيلية أحادية في هذا الشأن.
  2. أن السيناريو الأقرب إلى التحقق هو أن تعلن إسرائيل سيادتها على المستوطنات الكبرى في القدس الشرقية؛ كونه قرارا تمت الموافقة عليه مسبقا من الإدارة الأمريكية.
  3. أن التبعات السلبية لقرار الضم تتوقف على المنطقة الجغرافية الواقع عليها الاختيار من قبل الحكومة الإسرائيلية لإعلان السيادة عليها. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى