كورونا

“أونكتاد”: كيف يغير فيروس كورونا العالم من المنظور الاحصائي؟

نشر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) تقريرًا في الثالث عشر من مايو حول مدى تأثير كورونا على عدد من القطاعات من الناحية الاحصائية، وفيما يلي عرض لهذا التقرير.

ظهرت بوادر انتشار فيروس كورونا منذ أواخر عام 2019 ليجتاح العالم بعد ذلك وفي غضون شهور قليلة وصل  إجمالي عدد الإصابات حول العالم إلى أكثر من 8 ملايين شخص وهو الأمر الذي ألقى بظلاله على كافة الأنشطة الاقتصادية وخاصة القطاعات التي تعتمد على دول أخرى مثل التجارة والطيران والسياحة.

وجاء الوباء العالمي ليزيد من الصعوبات التي واجهتها التجارة العالمية خلال عام 2019 في ظل الحرب التجارية المشتعلة بين الولايات المتحدة والصين وبناء عليه تراجعت قيم التجارة العالمية بنحو 3% خلال الربع الأول من العام الجاري، ومن المتوقع انخفاضها بنحو 26.9% خلال الربع الثاني من نفس العام. أنظر الشكل (1)

الشكل (1): قيم التجارة العالمية على أساس فصلي

يتضح من الرسم البياني السابق أن قيم التجارة العالمية ستشهد انخفاضًا لم تسجله منذ عامين على الأقل وذلك بسبب تأثير كوفيد-19 على معدلات الإنتاج وسلاسل الإمدادات في ضوء حالات الإغلاق التي شهدتها الدول على مدار الشهور الماضية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد كما سبق القول إلى العديد من القطاعات، وهو ما يُمكن إيضاحه كما يلي:

1. انخفاض أسعار السلع:

تزامن الانخفاض في التجارة العالمية مع انخفاضات ملحوظة في أسعار السلع حيث فقد مؤشر أسعار السلع الأساسية في السوق الحرة “UNCTAD’s Free Market Commodity Price Index (FMCPI)” ما تصل نسبته إلى 1.2% خلال يناير، وكذلك 8.5% في فبراير، لتبلغ قيمة الانخفاض في المؤشر إلى 20.4% خلال مارس.

ويعتبر هذا الانخفاض رقمًا قياسيًا في تاريخ المؤشر، مقارنة مع انخفاض قدره 18.6% خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، وينظر إلى تراجع أسعار الوقود كالسبب الرئيسي لهذا الانخفاض الحاد حيث هبطت بنسبة 33.2%  خلال مارس في حين انخفضت أسعار المعادن والخامات والمواد الغذائية خلال نفس الفترة بأقل من 4%.

ويتضح من الشكلين السابقين مدى تأثير انخفاض أسعار النفط على تراجع مؤشر أسعار السلع الخاص بالـ”أونكتاد”.

2. السياحة: 

يعتبر تفشي فيروس كورونا أزمة غير مسبوقة لقطاع السياحة، وتشير البيانات المتاحة إلى انخفاض عدد الوافدين على مستوى العالم  بنحو 60% خلال مارس على أساس سنوي، ومن المتوقع انخفاض عدد السائحين الدوليين بنسبة تتراوح بين 60 ٪ إلى 80 ٪ خلال 2020 (أنظر الشكل 4) بحسب سرعة سيطرة الدول على انتشار الفيروس وتخفيف القيود المفروضة على حركة الطيران والسفر الدوليين، 

الشكل (4): عدد الوافدين الدوليين على مدار 20 عام

يقارن الرسم البياني السابق بين تأثير وباء السارس والأزمة المالية العالمية وفيروس كورونا على قطاع السياحة، ويتبين أن الأخير هو الأكثر تأثيرًا على عدد الوافدين؛ حيث يشير السيناريو الأول إلى انخفاض قدره 850 مليون سائح (58 %)، فيما يوضح السيناريو الثاني والثالث أن عدد السائحين سيتراجع بمقدار 1020 مليون سائح (70%)، و1140 مليون سائح (78%) على الترتيب، هذا بالمقارنة مع انخفاض بمقدار 3 ملايين سائح (0.4%) و37 مليون سائح (4%) فقط خلال الأزمتين السابقتين.

وسيؤثر تراجع أعداد السائحين بالطبع على شركات الطيران، وتوضح التقديرات تكبد تلك الشركات خسائر بقيمة  38 مليار دولار مما أسفر عن سعيها للحصول على مساعدات مالية حكومية من أجل تأمين سيولة نقدية كافية تساعدها على تجاوز تداعيات الأزمة. 

3. الزراعة والأمن الغذائي:

يمثل فيروس كورونا تهديد مباشر وتصريح للقطاع الزراعي والأمن الغذائي لاسيما في الدول الفقيرة التي يعاني سكانها من محدودية الدخل حيث أدى الوباء إلى تراجع الدخول مما ترتب عليه انخفاض الطلب على المنتجات الغذائية والزراعية، وكشف التقرير كذلك عن تزايد المخاطر بالنسبة للبلدان التي تعتمد على واردات الغذاء وصادرات السلع الخام مثل النفط. أما عن البلدان الغنية، فلن تكون في منأى عن الخطر حيث يعتمد الإنتاج الزراعي في العديد من البلدان الأوروبية وأمريكا الشمالية على سلاسل التوريد الغذائية العالمية وهو ما سيمثل صدمة لجانب العرض في تلك الدول، ويمكن أن تؤدي الاضطرابات اللوجيستية إلى الحد من المعروض من المدخلات الوسيطة مثل الأسمدة بما سيضر بإنتاج المحاصيل على المدى القصير.

4. التعليم:

تأثر حوالي 1.6 مليار طالب حول العالم أو نحو 90% من إجمالي الطلاب بإجراءات إغلاق المدارس والجامعات في 192 دولة، وفي تفاصيل البيانات يُمكن الاستعانة بالجدول التالي:

ومن المرجح أن يؤثر الوباء على التقدم الذي تم إحرازه نحو تحقيق هدف التنمية المستدامة رقم 4 المتعلق بمجال التعليم, وتتمثل إحدى الأولويات حاليًا في تعزيز التعليم الإلكتروني ومنصات التعلم البديلة التي تسمح  للطلاب بمواصلة تعليمهم.

وتعتبر زيادة عمالة الأطفال أحد النتائج المترتبة على إغلاق المدارس، وخاصة في ظل عدم وجود ظروف مناسبة لاستكمال الطلاب لتعليمهم في المنازل الفقيرة، فضلًا عن اتجاه الأسر منخفضة الدخل لاستغلال أطفالهم كمورد رزق إضافي في ضوء الضغوط المفروضة عليهم بسبب تداعيات الفيروس.

5. الفقر:

من الممكن أن يدفع وباء كورونا ما يتراوح بين 40 مليون إلى 60 مليون شخص إلى الفقر المدقع خاصة في المناطق منخفضة الدخل داخل أفريقيا، وسلط تقرير “الأونكتاد” الضوء على احتمالية أن يسبب الفيروس أول زيادة في نسب الفقر العالمي منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1998. (أنظر الشكل 5).

الشكل (5): معدل الفقر العالمي

ويتضح من الشكل السابق، أن فيروس كورونا سيرفع معدل الفقر العالمي – الذي يتم قياسه بنسبة السكان الذين يعيشون على أقل من 1.90 دولار يوميًا- من 8.2% خلال 2019 إلى 8.6% في 2020، وذلك بالمقارنة مع التوقعات السابقة الصادرة قبل انتشار كورونا والتي أشارت إلى انخفاض هذا المعدل إلى 8.7% خلال العام الحالي.

وأخيرًا، يُمكن القول أن أزمة كورونا ستترك علامة واضحة على المستوى الكلي والجزئي نظرًا لحجم تداعياتها على كافة مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى