أوروبا

القمة الأوروبية الصينية.. الدفاع عن المصالح وفقًا للقيم الغربية

عقد الاتحاد الأوروبي والصين قمتهما الثانية والعشرين عبر تقنية الفيديو كونفرانس في 22 يونيو الجاري حيث مثّل الاتحاد الأوروبي “تشارلز ميشيل” رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين”، بجانب الممثل السامي “جوزيب بوريل”، في الاجتماع مع الرئيس الصيني “شي جين بينغ” ورئيس الوزراء “لي كه تشيانغ”.  

جاءت القمة وسط الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتدخل الصيني في هونج كونج من خلال إصدار قانون “الأمن القومي” يرسخ لاستمرارية تدخل بكين في الشأن الداخلي لـ “هونج كونج” لتقويض سيادتها الوطنية، علاوة على تنامي النفوذ الاقتصادي والتجاري الصيني داخل الأسواق الأوروبية، وسعيها لمزيد من الاستحواذ من خلال شراء الشركات الأوروبية التي تضررت من أزمة الفيروس التاجي “كوفيد-19”. 

 بجانب تعرض الاتحاد لمزيد من الضغوط من قبل الولايات المتحدة، لاتخاذ موقفً حاسمً تجاه الصين لكون صعودها يمثل تهديدًا مُحتملًا للمصالح والقيم الغربية؛ إذ حذر “مايك بومبيو” وزير الخارجية الأمريكي من أن “الحزب الشيوعي الصيني يريد إجبار الأوروبيين على الاختيار بين الولايات المتحدة والصين”. الأمر الذي انعكس على توجهات الاتحاد وجعل نمط التعاون مع بكين أكثر تعقيدًا لكون العلاقات عبر الأطلسي ذات أهمية كبرى علاوة على أن الصين التي أصبحت فاعلاً لا يمكن تجاهله في الترتيبات الدولية الكبرى، كما إنها أكبر شريك اقتصادي للاتحاد. 

وعليه فقد أكد “ميشيل” خلال القمة  “أهمية العلاقات بين الجانيين، والعمل معًا لمواجهة التحديات العالمية التي تتجسد في التصدي لتفشي “كوفيد-19″، والتغير المناخي، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، موضحًا أن “الجانبين لا يتشاركان نفس القيم أو النظم السياسية أو نهج التعددية. لذا سيسعى الاتحاد الأوروبي للدفاع عن مصالحه بجانب الحفاظ على قيمه“. فيما أعربت رئيس المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” عن “ضرورة تطوير شراكة واضحة بين الاتحاد الأوروبي والصين أكثر اعتمادًا على القواعد المتبادلة، لإنه من غير الممكن تشكيل عالم الغد بدون شراكة قوية بين الاتحاد الأوروبي والصين”.

وفي هذا الإطار كان من المقرر أن يكون العام الحالي 2020، عامًا محوريًا في مسيرة العلاقات الأوروبية الصينية لتعزيز التعاون والثقة المتبادلة بينهم من خلال عقد عدد من القمم رفيعة المستوى، بالإضافة إلى القمة السنوية لقادة الصين والاتحاد في برلين لأول مرة، وتوافق بشأن اتفاقية الاستثمار الثنائي للتوقيع عليها بعد سبع سنوات من المفاوضات. إلا إن تفشي جائحة الفيروس التاجي “كوفيد-19” أدت إلى تراجع العلاقات بين الجانبين نتيجة عدم الثقة الأوروبية في بكين وسياساتها في التعاطي مع الجائحة، مما أدى إلى حالة من عدم اليقين العالمي والقدرة على احتواء الأزمة. 

الحفاظ على القيم كأساس للعلاقات الأوروبية الصينية

سعى الاتحاد الأوروبي خلال القمة إلى تأكيد ضرورة الشراكة مع بكين وفقًا للقواعد الدولية، والقيم الغربية الداعمة للاستقرار والشفافية، والتنسيق متعدد الأطراف لإدارة الملفات محل الاهتمام بدلًا من التعاطي أحادي الجانب، وذلك لمعالجة أوجه القصور وعدم التماثل بين الجانبين، لذا فقد تناولت القمة بعض الملفات التي تتجلى على النحو التالي: 

  • القضايا الاقتصادية والتجارية: رحب الاتحاد بالعمل مع الصين لحل القضايا التجارية المتعلقة بالوصول إلى الأسواق؛ حيث جادل الاتحاد أن “الشركات الأوروبية العاملة في بكين لا تتمتع بمستويات مماثلة من الشفافية والمنافسة العادلة مثل تلك الممنوحة للشركات الصينية في الاتحاد الأوروبي”. مُعربًا على ضرورة انخراط بكين في مباحثات مستقبلية حول الإعانات الصناعية في منظمة التجارة العالمية، وداعمًا للمرحلة الأولى من الصفقة التجارية بين واشنطن وبكين التي تمت وفقًا لقواعد منظمة التجارة العالمية. 
  • التعاون الرقمي والتكنولوجي؛ ناقشا الجانبان ملف التطور التكنولوجي والتحول الرقمي باعتبارهما من الأولويات المشتركة بينهما  لما لهما من تداعيات كبيرة على الاقتصاديات الوطنية والمجتمعات في ظل التحولات الدولية والإقليمية، لذا فلابد أن يكون التفوق التكنولوجي مُتزامنًا مع احترام وحماية خصوصية الأفراد والبيانات.
  • قضية تغير المناخ؛ تناولت القمة قضية التغير الناخي والجهود المبذولة للحد من تداعياتها السلبية على الدول والمجتمعات؛ حيث لعب الجانبين دورًا بارزًا في تنبي سياسات صديقة للبيئة بموجب اتفاقية باريس، لكن مازالت بكين بحاجة إلى الالتزام باتخاذ إجراءات داخلية حازمة للحد من الانبعاثات على المدى القصير وتحديد هدف الحياد المناخي على المدى القصير. 
  • أزمة الفيروس التاجي “كوفيد-19″؛ شدد الاتحاد على ضرورة التعاون للحد من انتشار جائحة “كوفيد-19″، والتنسيق للبحث عن لقاح لمجابهته، باعتبارها مسئولية دولية لابد من المشاركة فيها. وذلك بعد اتهام بروكسل لبكين بحملات التضليل حول الجائحة، كما دعا الاتحاد الصين إلى إظهار التضامن لمعالجة تداعيات الأزمة على الدول النامية. وتسهيل عودة سكان الاتحاد الأوروبي في الصين.
  • الموقف من “هونج كونج”؛ أعرب الاتحاد عن قلقه إزاء سياسة بكين تجاه “هونج كونج” ورغبتها في فرض قانون “الأمن القومي”، مُعتبرًا أن تلك “الخطوة غير متوافقة مع قانون هونغ كونغ الأساسي القائم على “دولة واحدة ونظامان” والالتزامات الدولية للصين”. والجدير بالذكر أن بكين تتعامل مع “هونج كونج” باعتبارها شأنًا داخليًا وترفض التدخل أو التعليق عليه من قبل أي دولة أخرى. 
  • ملف حقوق الإنسان؛ يتخوف الاتحاد من تدهور ملف حقوق الإنسان والحريات الأساسية والأقليات في شينجيانغ والتبت، لذا فقد توقع أن تجري بكين حوارًا حول الملف في الفترة القادمة بمجرد تخفيف قيود “كوفيد-19”. 
  • مناقشة القضايا الإقليمية والدولية؛ تبادل الجانبين وجهات النظر حول بعض القضايا المشتركة مثل الوضع في شبه الجزيرة الكورية، والاتفاق النووي الإيراني، وأفغانستان، كما دعا الاتحاد بكين إلى بذل مجهود أكبر في التعاطي مع التحديات العالمية، لدعم السلم والأمن الدوليين، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة وفقًأ للمعايير الدولية، وخاصة في أفريقيا.

أزمة “كوفيد-19” فرصة للتوغل الصيني داخل أوروبا

حاولت الصين الاستفادة من أزمة “كوفيد-19″، لتعزيز قواتها الناعمة، ومكانتها الدولية لصرف الانتباه عن مسئوليتها عن الفيروس الذي خرج من أحد الأسواق الصينية في مدينة “ووهان”، علاوة على كسر محاولات العزلة التي تسعى بعض القوى الكبرى فرضها عليها بسبب سياسات الحزب الشيوعي الصيني على الصعيد الداخلي والخارجي، كما إنها مثلت فرصة لتوطيد علاقاتها مع القوى الأوروبية في ظل تصاعد حدة الحرب التجارية بين بكين وواشنطن. 

الأمر الذي تجلى في قيام الرئيس الصيني بإجراء مكالمات هاتفية رفيعة المستوى مع بعض القادة الأوروبية، علاوة على إجراء بعض المسئولين الصينين اجتماعات ونقاشات مع نظائرهم الأوروبيين حول مكافحة تفشي الجائحة.  

كما تبنت الصين “دبلوماسية الأقنعة” في التواصل مع الدول الأوروبية الأكثر تضررًا من الأزمة، التي تجسدت في إرسال عدد من الأطقم الطبية وأطنان من الأدوات الوقائية وأقنعة الوجه وأجهزة التنفس ملفوفة بالعلم الصيني إلى كل من إيطاليا، واليونان، وبلجيكا، وفرنسا، والنمسا، وجمهورية التشيك، فضلاً عن شراء إسبانيا 5.5 مليون كاشف للفيروس، وما يقرب من نصف مليون قناع، و950 جهاز تنفس من شركات صينية.

بالإضافة إلى توظيف شركة “هواوي” للأزمة من خلال طرح عروض جديدة لتكنولوجيا الجيل الخامس، كما تبرعت بما يقرب من مليوني قناع لبولندا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا، وذلك لخلق موطئ قدم لها بعد التحديات التي واجهت من قبل بعض الدول الأوروبية وفي مقدمتهم المملكة المتحدة والتي تعيد النظر في التعامل معها وفقًا لولاياتها الوطنية وعلاقاتها الأمنية مع القوى الدولية الأخرى مثل الولايات المتحدة. 

على الرغم من بعض القادة الأوروبيين في إيطاليا وصربيا وإسبانيا، أثنوا على الجهود الصينية في الاستجابة الدولية لجائحة الفيروس التاجي. إلا أن الدول الأوروبية أدركت مدى التوغل الصيني داخل العواصم الأوروبية الأمر الذي يمثل تهديدًا مُحتملاً للقيم للأنظمة الليبرالية، لأن بكين تسعى إلى الترويج لسياساتها في التعاطي مع الجائحة، وقدرتها في احتواء الأزمة مقابل تراجع الأنظمة الغربية إلا إنها لا يمكن أن تكون نموذجًا بديلًا للغرب يمكن تبنيه في عالم ما بعد “كوفيد-19”. 

المواجهة الأوروبية للسياسة الصينية في إطار “كوفيد-19”

أظهرت أزمة الفيروس التاجي إشكالية عدم الثقة الأوروبية في الصين، علاوة على تأثيرها السلبي على الأوضاع الاقتصادية للجانبين، فضلاً عن تعطيل سلاسل التوريد والإمدادات الطبية والصناعية، لذا فقد حاول الاتحاد الأوروبي والمفوضية العمل من أجل شراكة أعمق مع الصين، ولكن مع الحفاظ على مصالحهم الدفاع عن قيمهم من خلال عدد من آليات المواجهة على النحو التالي:

  • ندد الاتحاد الأوروبي بحملات التضليل التي قامت بها الصين بشأن جائحة “كوفيد-19″، كما استمرار في سياسة التطويق الداخلي تجاه بكين من خلال انتقاد ملف الحقوق والحريات الأساسية للضغط عليها لتعديل سلوكها.
  • إعلان المفوضية عن ضرورة حماية الشركات الأكثر تضرًا من أزمة “كوفيد-19” من خلال تشجيع بعض القوى الأوروبية بشراء حصص في الشركات الأكثر تضررًا، خوفًا من الاستحواذ الصيني عليها. فضلاً عن فرض الاتحاد تعريفة غير مسبوقة على الإعانات الصينية للمصدرين الموجودين في دول أخرى. 
  • طالب الاتحاد بالإفراج عن عدد من الحقوقيين، علاوة على إصدار بيانًا يرفض فيه “قانون الأمن القومي” لإنه يقوض الاستقلال الذاتي لـ “هونج كونج”. 
  • انتقد البرلمان الأوروبي سياسة الصين تجاه “هونج كونج” باعتبارها “هجومًا شاملًا” على الحريات المدنية وحكم القانون والحكم الذاتي لها، مُطالبًا بفرض عقوبات على بكين. 
  • تبنى البرلمان الأوروبي قرارًا يدعو الاتحاد لإحالة الصين إلى محكمة العدل الدولية، إذا قامت بفرض القانون الجديد على “هونج كونج”؛ حيث صوت 565 عضوًا لصالح القرار، ورفضه 34 وامتناع عن ال تصويت62 عضوًا. وبالرغم من أن القرار غير ملزم إلا إنه يتضمن في طياته رسالة سياسية توضح انتقاد القوى الأوروبية للسياسات الصينية تجاه “هونج كونج”. 

ختامًا؛ من المتوقع أن تستمر العلاقات بين الجانبين على هذا النحو لحين التوصل إلى توافق عادل لنمط العلاقات بينهم يعزز من مصالحهم المشتركة في سياق التحولات الدولية والإقليمية المتلاحقة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى